أخبارتقارير

جولة جديدة (أخيرة ؟) للتفاوض مع صندوق النقد: أي برنامج وأي التزامات للدولة التونسية ؟

مع ممثلين من صندوق النقد الدولي وذلك وسط تكتم رسمي حول طبيعة هذه اللقاءات وما يحمله الوفد التونسي في جرابه بعد أشهر عديدة من النقاشات الفنية مع خبراء صندوق النقد.
بالنظر إلى تركيبة الوفد من المرجح أن تتمحور هذه اللقاءات حول الخطوط العريضة لبرنامج الإصلاح الحكومي ومدى استعداد صندوق النقد لعقد اتفاق ممدد جديد مع بلادنا بناء على التزامات دقيقة للحكومة التونسية وعلى برنامج قابل للإنجاز وربما أيضا على حجم التمويل الإجمالي للصندوق في صورة حصول الاتفاق النهائي .

ما يبدو واضحا إلى حد الآن وجود تقدم في المشاورات بين الطرفين ولكننا لم نصل بعد إلى المرحلة النهائية من المفاوضات إذ تشير تصريحات الناطق الرسمي باسم الحكومة إلى أن برنامج الإصلاحات قيد التحيين وهو ما يفيد انه ليس نهائيا وأن بعض مطالب الصندوق لن تدمج فيه بصفة مرضية للجهة المانحة .
مطالب صندوق النقد واضحة : الدين العمومي الخارجي للدولة التونسية لم يعد مستداما وأن إصلاحات جذرية ضرورية وعاجلة لابد من الشروع فيها قصد إعادة التوازن إلى المكونات الأساسية للمالية العمومية بدءا بالتحكم في الإنفاق العمومي وتقليصه بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي والمقصود هنا بالأساس كتلة الأجور وحجم دعم المحروقات والمواد الأساسية وإيقاف النزيف في المنشآت العمومية لكن كل هذا يستدعي إصلاحا عميقا للدولة ولمصالحها الأساسية وفي قدرتها على تنفيذ الإصلاحات على أرض الواقع وتجارب الصندوق مع تونس خلال العشرية الماضية كانت مخيبة للآمال إذ لم تلتزم الحكومات المتعاقبة بالتعهدات التي قطعتها على نفسها .

نفهم من كل هذا أن صندوق النقد لن يقنع بالبرامج المفصلة على الورق وانه لا يريد أن يكون جهة مانحة وداعمة دون التيقن من إيفاء الحكومة التونسية بكل تعهداتها .

منذ الخطوات الأولى للحوار مع خبراء الصندوق زمن حكومة المشيشي كان التركيز كليا على الإقدام على إصلاحات جوهرية ستمس حتما من القدرة الشرائية للطبقة الوسطى وان هذا يحتاج الى وفاق داخلي صلب مع أهم الشركاء الاجتماعيين ومقبولية شعبية واسعة .
25 جويلية لم يغير جذريا هذه المطالب بل لعله أضاف إليها بعض الصعوبات الجديدة التي أساسها عدم التأكد من حقيقة إرادة الدولة التونسية وهل أنها فعلا تريد نهج هذه الطريق التي يقترحها الصندوق ويحث عليها أم أن لها توجها اقتصاديا واجتماعيا مختلفا. وتتأتى هذه الصعوبة الإضافية من التباين الواضح داخل السلطة التنفيذية ذاتها فالحكومة متحمسة لإصلاحات الصندوق على عكس رئيس الجمهورية الذي يبدي مع كل محاوريه التونسيين اعتراضا شديدا على كل سياسة تمس من القدرة الشرائية للطبقات الضعيفة والوسطى .
محادثات واشنطن ستكون بالتأكيد محادثات سياسية -لا بالمعنى السياسوي للكلمة- ولكن حول السياسات العمومية للدولة التونسية والتوجهات الفعلية للسلطة التنفيذية وهل أن زمن الإصلاحات ونسقها سيتأثران أم لا بالمسار السياسي للبلاد واكراهاته خاصة وان إحجام الحكومة عن التعديل الشهري لسعر المحروقات على امتداد خمسة أشهر (من افريل الى سبتمبر) من شانه أن يثير شكوكا عديدة حول مدى احترام الروزنامة التي تضعها الحكومة لنفسها.

لكن ورغم كل هذا لا يعتقد متابع جدي واحد فشل المفاوضات النهائية مع الصندوق إلا أننا قد نتجه إلى أحد أمرين : إما دعم متواضع في حدود ملياري دولار على أربع سنوات ولكنه لا يفي بالحاجات الملحة للبلاد أو دعم قوي (4 مليار دولار ) مقابل التزامات واضحة وعلنية واثبات جدية الحكومة على ارض الواقع في الشروع الفوري في تنفيذ هذا البرنامج .

لكن وأيا كان الأمر ستكون السنوات القادمة صعبة جدا على البلاد خاصة لو اصطدمت الحكومة برفض شعبي كبير عند بداية رفعها التدريجي للدعم بعيد أشهر قليلة وحرمان أجزاء هامة من الطبقات الوسطى من التعويض .
في الأثناء تواصل السلطة التنفيذية سياسة الصمت المريب والتعامل مع عموم التونسيات والتونسيين كرعايا لاحق لهم في المعلومة أو في صياغة القرارات الجماعية للبلاد .

الرابط:اضغط هنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى