تحاليل

هل وقعت المنظمة الشغيلة (UGTT) في الفخ؟

بقلم ثريا بن محمد (كاتبة صحفية)

عشية أحداث ثورة الحرية والكرامة وتحديدا في “الرقاب” و”القصرين” و”تالة” وفي غيرها من الساحات  كانت مطالب التونسيين في أغلبها اجتماعية بالأساس على غرار التشغيل، الغاء التهميش، التنمية، إضافة للمطالبة بالعدالة الاجتماعية ككل ومن خلال هذه الأخيرة برزت الأبعاد السياسية للثورة، ويومها أيضا انتصرت قواعد المنظمة الشغيلة لشعبها ضاربة بعرض الحائط تملق الجزء الأكبر من المركزية النقابية للمخلوع وحزبه وحلفائه من أحزاب الديكور فكانت ملحمة 12 جانفي 2011 في صفاقس انتصارا تاريخيا لمطالب أهالي ولايتي “سيدي بوزيد” و”القصرين” ولتنتفض لاحقا كل تونس مطالبة برحيل الرجل الذي سرق 23 من حياة التونسيين ورغم ان حكومات ما بعد 2011 لم تُفلح في استكمال مهام الثورة ولا في تحقيق باقي أهدافها فان الثابت أن أغلب رؤساء الحكومات قد حرصوا على عدم الاقتراب من الإجراءات المؤلمة الثلاث بل وقبلوا بضغوط الاتحاد في ذلك الاتجاه تحديدا خاصة وأن كل الأحزاب بل وكل النخب التونسية بمختلف مشاربها الفكرية والسياسية اعترت ذلك خطا أحمرا لا يُمكن المساس به، وبغض النظر عن طبيعة منظومة 25-07 وأهدافها يمكن التساؤل اليوم حول ما الذي تغير بين اضراب 16 جوان وقبول الاتحاد الضمني والفعلي لتمرير تلك الإجراءات؟ ورغم أن لغة الخطاب والتبرير لاحا خفيين في حوار “الطبوبي” مع أحد القنوات الخاصة، فإن السؤال الأهم والرئيسي فهو: هل سقطت المنظمة الشغيلة الأكبر في بلادنا في الفخ وخاصة على المدى المتوسط والبعيد (أي استراتيجيا)؟

 

1- مقدمات ومعطيات رئيسية حول الملف الاجتماعي

 

  • لا يختلف اثنان في الدور الوطني للمنظمة منذ تأسيسها من طرف “حشاد” والتقت المنظمة مع بصمات ذلك الدور في كل المحطات الفارقة في تاريخ تونس وخاصة اثناء قيادة الحبيب عاشور لها، والثابت أنه على مستوى القواعد والهياكل الوسطى (كثير من الجهات بقيت على نفس نسقية النضال طوال عقود وهو أيضا شان الكثير من القطاعات على غرار نقابات “التعليم” و”للعدلية” و”المعادن”) بقيت روح “حشاد” و”عاشور” قائمة بغض النظر عن كوارث أمناء عامين على غرار “البكوش” و”جراد” و”السحباني” وانزلاقات مركزيات نقابية في بعض الحقب فان الاتحاد حافظ على قراءة براغماتية للساحة وللمستقبل وكان محل وفاق سياسي واجتماعي في البلاد كما لم يتردد في دفع الضريبة كلما كان ذلك ضروريا، ولكن السؤال اليوم: أين هم الاستراتيجيون في المنظمة، ولماذا غابوا أو بالأحرى لماذا غُيبوا، وهل تعي القيادة الحالية ترتبات ما يجري وأين تسير المركزية الحالية بالمنظمة؟، ومن حيث الاستدراك من المهم جدا اليوم أن تقبل المركزية النقابية بالواقعية وأن تراعي مصالح المالية العمومية، ولكن هل أن ذلك كاف للقبول الفعلي بتمرير الإجراءات الكارثية الثلاث وما هي ترتباتها وقبل ذلك هل تفرق القيادة الحالية بين التكتيكي المرحلي والاستراتيجي في التعاطي مع ما يسمى المجتمع التونسي في العمق ( طحن الطبقة الوسطى مثالا للذكر لا الحصر)؟

 

  • قُبيل انتخابات 26 أكتوبر 2014 وحتى الانتخابات البلدية في ماي 2018 كان واضحا وجليا أن هُناك مراعاة للواقع المعيشي رغم أن التحديات الاقتصادية والاجتماعية كانت هي أكبر رهان والدليل ان حكومات الشاهد/الصيد كانت على علاتها التي لا تحصى ولا تعد، واقعية في الملف الاجتماعي (البطالة –التضخم- تشغيل حاملي الشهادات العليا) والحقيقة أن الملف الاجتماعي لم يتزحزح ولو خطوة الى الأمام حيث أنه تم اتباع سياسة كل يوم ويومه ومواصلة سياسات التداين والتدبير من ملف الى آخر، بينما تبين  قُبيل انتخابات 2019 ومباشرة بعد الانتخابات البلدية 2018 وصولا الى بداية 2020 كان واضحا أن البلد يغرق اقتصاديا وماليا ولكن  الجميع كان يأمل في حل سياسي يمكن البلد من واقعية في التعاطي مع الملفات الاجتماعية ولكن المنظمات المهنية والفاعلين الاجتماعيين مارسوا الاستئساد على الحكومة وعلى البلد بالأساس وكان المضي في الإصلاحات الاقتصادية شبه مستحيل وغير ممكن ولا يستطيع أي كان الذهاب فيه…

 

  • لاحقا وبسقوط حكومة “الياس الفخفاخ” وتعمق بؤس النخب سواء كانوا سياسيين أو جامعيين أو نقابيين حيث عجزت تلك النخب على لعب الدور الطليعي المناط نظريا بعهدتها في حل مشاكل المجتمع الأساسية على غرار حل مشاكل التشغيل أو التقدم أي خطوة في ملف التنمية المتعطلة بل أن الثابت أنه تم المضي في التجاذب بل وسقطت كثير من تلك النخب في الوظيفية للمحاور الإقليمية، وفعليا لم تفرق تلك النخب بكل مكوناتها بين السلطة والدولة فتم ارباك الحكومتين (حكومتي “الفخفاخ” و”المشيشي”) ولم تَستوعب تلك النخب بما فيها المركزية النقابية أن تونس هي أمام مطبات خطيرة سياسيا واجتماعيا وماليا وخاصة في ظل التداعيات القاسية لكورونا وإدارة الملفين الصحي والاجتماعي سنتي 2020 و…

 

  • أثناء المرحلة الأولى من عهدة حكومة “المشيشي” (01-08-2020 حتى 21-01-2021) تردد الاتحاد في المضي في مبادرته وبقي في وضعية انتظار، ولاحقا لم يمسك بالمبادرة بقوة قبل وبعد حركة 25-07 ومع أن المنظومة الجديدة لم تحقق أي هدف اجتماعي تقريبا حتى اللحظة ولا أعطى للاتحاد مربعا للتأثير والفعل  (وهو ربما ما برر موضوعيا اضراب 16-06-2022 خاصة في ظل تعسف حكومة بودن على النقابيين والتي لوحت من الأشهر الأولى نحو إمكانية تمرير الإصلاحات)، وهنا اصبح الاتحاد أمام معادلات صعبة خاصة بعد أن أصبح الملف الاجتماعي حارقا فالأسعار تتطاير والسلع  الرئيسية مفقودة  والاحتكار ماض بأشكال عدة ولو مبتسرة وضيقة، وتطورت الأحداث في غير صالح الجميع وبما يعيق البلد حتى تم الوصول للاستفتاء والذي خيمت المسالة الاجتماعية على كل جزئياته وآليات الذهاب اليه من عدمه ونتائجه ورؤية المواطن البسيط له (سواء شارك فيه أو قاطعه)، ومن حيث التقييم مكنت المركزية النقابية صبيحة 26-07-2021  الرئيس “سعيد” ومنظومته من بسط نفوذها وتحقيق مكاسب سياسية على حساب رافضي الانقلاب عبر موقفها الذي غلب عليه التبرير والإسناد وكانت معادلتي “الذهاب للمؤتمر الاستثنائي” و”انتصار فاعلين نقابيين لرؤيتهم الايديلوجية في مناكفة خصم سياسي بعينه”، مُحددتين في ذلك الموقف بنسبة كبيرة والثابت ان النقابيين المركزيين لم ينتبهوا في أن اللعبة قد تنقلب عليهم ويجدون أنفسهم امام مطبات لا قبل لهم بها وهو ما لم ينتبهوا اليه الا مع نهاية ماي 2022 وربما قبل ذلك بأيام عند حدوث “الانقلاب/التغيير” على قيادة اتحاد الفلاحين بغض النظر عن التفاصيل والحيثيات في ذلك الملف…

 

2- علاقةالاتحادبمنظومة 25-07 بين سبتمبر 2021 وسبتمبر 2022

 

  • كما ذكرنا في الفقرة السابقة بدأت مساندة المنظمة الشغيلة لمنظومة 25-07 منذ اليوم الثاني (أي صبيحة 26-07-2021)، ولكن لاحقا وقع تمايز نسبي وهو ما حدا بالاتحاد لاحقا للوقوف في موقع المنتظر للتطورات وللإجراءات اللاحقة والتي من الممكن أن يذهب فيها الرئيس “سعيد”  (انتظار خارطة الطريق  أساسا) ولاحقا بدأ خطاب “الاتحاد” في توخي خطاب نقدي للحكومة واجراءاتها وخاصة بعد تأكيد نجلاء “بودن” على تفعيلها للمنشور 20 ليتم لاحقا وعبر الخطاب وعبر التصريحات انتقاد مشروع “سعيد” في مربعاته السياسية ثم حدثت القطيعة الأولي بعدد من الاضرابات القطاعية (“البريد” مثالا للذكر لا الحصر) وفي بعض الجهات، وقبل ذلك عبر كل من “الطبوبي” و”الطاهري” عن امتعاضعهما من الحكومة ومن بعض رسائل “سعيد” المشفرة سواء بخصوص المؤتمر أو أيضا بتحركات الاتحاد مواقفه (خطاب عليكم حتى بالخيار الرابع أو الخامس وحتى السادس لو شئتم- كسر العظام – أي خارطة وأي حوار)، ولكن الاتحاد رغم ذلك تابع التطورات عبر ردود هادئة وحذرة وصولا إلى التضامن مع القضاة ومربعاتهم الجمعياتية ثم تنفيذ اضراب 16 جوان وقبل ذلك تم ترتيب لقاء بين “الطبوبي” و”سعيد” دون نتائج وهو ما بدا أيضا في لقاء ثان بين الرجلين…

 

  • في بداية جويلية الماضي تم ترتيب زيارة للطبوبي للجزائر بل وتم استقباله في قصر المرادية (تم التكتم على تفاصيل اللقاء وتفاصيله) ومن يومها خُفضت وتيرة التوتر مع سلطة “سعيد” وحكومة “بودن” وتم فعليا فرملة مَسار ما بعد اضراب 16-06 وصولا لإمضاء ما عرف بالعقد الاجتماعي ومن ثم تحديد تاريخ 19-08 ولكن قبل عقده تم تأجيله بطلب من بودن وفريقها الاستشاري وقال الطاهري يومها للموقع الاخباري للمنظمة أن “الحديث عن عقد اجتماعي جديد هو مغالطة” ولكن “حفيظ حفيظ” استدرك عبر القول والتأكيد أن “المنظمة الشغيلة تبقي أيديها مفتوحة للحوار في اي وقت تحدده الحكومة وهو مستعد للتفاعل مع كل النقاط التي ستطرحها وله تصورات واضحة تتعلق بملف الدعم والجباية وكتلة الاجور وغيرها من الملفات…

 

  • في 31-08-2021 أكدت قيادة المنظمة الشغيلة لهياكلها وللإعلاميين أنه لم يتم التوصل سوى الى إعادة صياغة المنشور عدد 20 بشكل توافقي، وفي نفس الجلسة تبين وجود تباينات كبرى في الرؤى مع الحكومة في الكثير من النقاط الخلافية، ورغم القول إعلاميا أن الحكومة أعربت عن موافقتها المبدئية للزيادة في الأجور لكن واقعيا وفعليا لم يتم التوصل الى اتفاق ملموس حول حجم الزيادة وطبعا كل ذلك في الجلسة الأولى والتي كانت خطوة من حيث مد جسور التواصل والتفاهم، ثم تم استئناف الحوار مرة ثانية صبيحة الجمعة (02 سبتمبر الجاري) ولكن هذه الجلسة لم تسر أيضا كما كان مأمولا منها فقد فشلت المفاوضات والحقيقة أن المشاورات علقت حتى لا نقول فشلت فعليا والسبب المعلن هو عدم احراز أي تقدم يذكر في نقطة الزيادة في الأجور بل يمكن التأكيد أن الفشل كان سيد الموقف رغم كل التنازلات التي قدمتها قيادة المنظمة الشغيلة بخصوص الزيادات والتي كانت فعليا مقررة للسنوات الماضية…

 

  • بعد ذلك تبين بوضوح أن وزراء الحكومة مرتبطين بمجددات صندوق النقد وانه لا يمكن تجاوز نسبة 4 بالمائة في كل الحالات وفي ما تم ترويج انه تم الوصول الى 5 بالمائة لتفاجأ الجميع في قبول الاتحاد بــــــ5 بالمائة وقبل ذلك عبر الطبوبي عن الموقف الرسمي مما جرى من تعليق للمشاورات الحوار عبر عنه الأمين العام للاتحاد “نورالدين الطبوبي” والذي أكد خلال حضوره دورة تكوينية في ولاية المنستير انه يدعو إلى التهدئة بل وقال إن “المشاورات مازالت جارية وان باب التفاوض لم يغلق” مضيفا أن “على كل الأطراف الاجتهاد من موقعها للوصول الى حل واتفاق يراعي إمكانيات البلاد والاستحقاقات الاجتماعية”، ومعلوم أنه خلال جلسة المفاوضات عرض “الطبوبي” ما وصفته المنظمة بــ”برنامج الإصلاحات الحكومية للخروج من الأزمة، الملاحظات والخيارات البديلة للإصلاح” وهو برنامج تضمن “ملاحظات كثيرة حول الوثيقة الحكومية المقدمة لصندوق النقد الدولي” كما تضمن البرنامج أيضا ما وصفه بالخيارات البديلة للخروج من الأزمة واستقرار المالية العمومية بالتوازي مع ضمان الانتعاش الاقتصادي”، ورغم أن المنظمة الشغيلة قدمت فعليا قراءتها لوثيقة الإصلاحات الحكومية (وهي قراءة تتضمن جملة من المقترحات مثل “المنع الفوري لازدواجية العمل” و”إطلاق حوار من أجل اصلاح عميق للوظيفة العمومية وتحديثها” مع “الالتزام على مدى ثلاث سنوات بالحفاظ على تطور كتلة الأجور عند مستوى أقل من نمو الناتج المحلي الإجمالي الاسمي ويساوي على الأقل نسبة التضخم محافظ على القدرة الشرائية وإعادة توزيع الموظفين العموميين ومنح استقلالية الميزانية لبعض الهياكل التي لم تعد تستمد دخلها من الميزانية العامة للدولة ومراجعة الإصلاح الضريبي”)، فان الحقيقة  أن القبول بذلك القدر فقط من الزيادة يبدو محيرا باعتبار ان التضخم نسبه تقارب 09 بالمائة وهو ما يعني تضرر المؤجر فعليا هذا في صورة عدم ارتفاع التضخم أصلا والخلاصة ان ما تم هو فعليا تجميد مغلف للأجور خاصة وان الاتحاد تنازل أيضا على المفعول الرجعي للزيادة (الأصل بداية 2020 بينما لت تفعل الزيادة على هزالها الا بداية من أكتوبر 2022)

 

3- مساهمة في نزع فتيل الانفجار الاجتماعي، أم سقوط في فخ استراتيجي (تحجيم الدور بطرق ناعمة)؟

  • مقترحات المنظمة الشغيلة من حيث قراءتها نظريا تتسم بالمعقولة كما تقدم فعليا حلولا في سياق الأزمة الراهنة، ولكن الحكومة التي أمضت معها المنظمة لم تبد أي تحمس للتفاعل مع تلك المقترحات، وهي حكومة مصرة على المضي على الالتزام بالبرنامج الذي اقترحته على صندوق النقد الدولي، بل هي حكومة لم تبادر الى التفاعل الإيجابي مع المطالب الاجتماعية للمنظمة الشغيلة ومع مقترحاتها لشكل الاتفاق مع صندوق النقد الدولي وكان ذلك سيُفضي الى تعميق الأزمة أكثر بين الاتحاد وحكومة “بودن” وبكن لقاء سعيد بكل من “الطبوبي” و”ماجول” غير المعادلة والتي ولا شك تغيرت لأسباب أخرى لم ولن تكشف قريبا وظهر الأربعاء 14 سبتمبر  فريقي الحكومة والاتحاد وهما يمضيان الاتفاق وربما كانت أحداث دوار هيشر ورصد ردود فعل المواطنين اليومية في المقاهي وفي المحلات التجارية والتعليقات على الشبكات الاجتماعية دافع للتوافق ونزع فتيل الازمة وتجنب الانفجار الاجتماعي الذي لا تتحمله البلاد في الوقت الراهن وهو امر محبذ ولكن هل راعى الاتحاد مربعات أخرى تهم الشغالين ومستقبل المنظمة ومستقبل البلاد أيضا؟

 

  • لا يختلف اثنان أن هناك أزمة حادة وعميقة بل ولها أوجه سياسية كما لها أوجه اجتماعية واقتصادية ومالية بل أن أبرز أهداف حركة/منظومة 25-07-2021 قد قامت في عمقها على تمرير الإصلاحات الاقتصادية ومن بينها تمرير الإجراءات المؤلمة الثلاث وهي:

 

*** رفع الدعم عن السلع الأساسية والوقود ولعل حديث البعض عن ثمن غير معقول مستقبلا لقارورة الغاز بل ان الزيادة الأخيرة (أصبح ثمنها 880 مي) قوبل برفض شعبي ويكفي قراءة التعاليق في الشبكات الاجتماعية لدى سكان مدينة اريانة واحيائها مثلا كما ان تصريح “الطبوبي” اقتصر على رفض القفز المباشر للرفع لا على المبدأ ….

 

***تجميد الأجور في القطاعين الخاص والعام (وهو أمر فصلناه أعلاه بحيث يمكن استخلاص ان ما تم هو تجمناعم للأجور)

 

*** بيع الكثير من المؤسسات الوطنية وخاصة تلك التي تعرف بعض الصعوبات (وعمليا وان لم تتخذ أي خطوات بعد فان مؤشرات تدل على الذهاب فيه)…

 

  • بني الاتحاد أنه بعد أكثر من 13 شهرا على حركة 25-07 أن الواقع على الأرض أن السلع الأساسية غير متوفرة وتكاد تكون مفقودة وأن الأسعار لم تعد تُطاق من طرف إطارات ورجال أعمال وتجار فما بالك بالمواطن كما أنه لم تعد هناك أي إجراءات اجتماعية تحمي ضعاف الحال كما أن نسب البطالة والتضخم في ارتفاع غير مسبوق بينما يؤكد المختصون أن الاستثمار الأجنبي جد متعثر بل هو في حالة تراجع رغم النجاح النسبي لقمة تيكاد8 والتي اشترط اليابانيون موافقة البنك الدولي لتفعيل توصياتها ومقرراتها، كما أن المركزية النقابية تعي وتعرف أن حكومة “بودن” مجبرة على قانون مالية تعديليما ستجد نفسها أمام حتمية ثانية هي البحث عن موارد لميزانية 2023 خاصة بعد تغير الفرضيات التي بُني عليها ذلك القانون وخاصة في ظل التأخير المسجل في توقيع الاتفاق مع صندوق النقد هذا من جهة بينما من جهة ثانية لا يختلف اثنان أن السياق السياسي غير مشجع لمعالجة الملفات الاقتصادية والاجتماعية حيث لا تزال محاولات تغيير موازين القوى قائمة ومستمرة بهدف إعادة تشكيل المشهد السياسي – وهو مشهد هيمنت عليه صراعات الشرعية والمشروعية والتي تتعلق أساسا بإدارة المرحلة الاستثنائية وبالاستفتاء وبتوجه رئاسية الجمهورية الى صياغة قانون انتخابي دون نقاش واسع مع خصومها- ….

4- الخلاصة

ليس هناك أي طرف تونسي لا يُريد تقدير ظروف البلاد وليس هناك أي طرف تونسي لا يريد توافق سياسي واجتماعي ومراعاة مصالح البلاد وسمعتها وهو أمر محل اجماع سياسي واجتماعي، ولكن ما قام به “الاتحاد” قد يُقرأ على انه رعاية وتقدير منه لكل ذلك بينما لا يمكن تغييب ان الإجراءات المؤلمة الثلاث قد مُررت وأنها بنسبة 75 بالمائة قد أصبحت واقعا على الأرض في انتظار بقية النسبة في افق جوان/يونيو 2023 كما أن المنظمة قد تكون وقعت في الفخ وهو ما يعكسه تصريح الطاهري بعد يوم واحد من امضاء الاتفاق، وأنها ستجد نفسها محجمة سواء بقيت منظومة 25-07 او ذهبت (قبل 2024 أو بعده) وأن العقل الاستراتيجي للاتحاد قد وقع في فخ التكتيكي والمرحلي ولم يفهم طبيعة تموقعه الحالي وترتبات ذلك على مستقبله كمنظمة وانه سيدفع فاتورة ذلك على اقساط زمنية كميا وكيفيا ذلك ان الإصلاحات أولا وأخيرا ستكون على حساب الشغالين والطبقة الوسطى أساسا (والتي بدأت في التآكل منذ اكثر من عقدين)، وفي الأخير يُمكن القول ان “الاتحاد” قد ساهم فعلا في نزع فتيل الانفجار الاجتماعي ولكنه قد قدم هدية للذين يريدون تحجيم دوره بطرق ناعمة وخاصة على المدى المتوسط والبعيد (وهو كُثر ومن بينهم مكونات رئيسية في منظومة 25-07 )…           

المصدر:صحيفة 24/24 بتاريخ22-09-2022     

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى