تحاليل

قراءة في مستقبل “جبهة الخلاص” من خلال استقراء قرارها بعدم المشاركة في انتخابات 17 ديسمبر

علي اللافي-كاتب ومحلل سياسي

** تمهيد

 

  • أولا، عند نشر مقال/قراءة الحال قد تكون التطورات السياسية في البد قد أخذت اتجاهات أخرى دراماتيكية لا في تونس فقط بل وأيضا على المستويين الدولي والإقليمي، ومعلوم أن تطور الاحداث في تونس بعد تصريح وزير الدافع الأمريكي منذ أسابيع قد كرس حقيقة ان الملف التونسي أصبح رهانا دوليا دون اغفال ثنائية التأثير والتأثر انطلاقا من المحلي في اتجاه الدولي مرورا بالإقليمي ومن الدولي للإقليمي وصولا للمحلي

 

  • عندما أعلنت “جبهة الخلاص” بداية الأسبوع الماضي قراراها عدم المشاركة في الانتخابات القادمة، بادر الجميع بطرح سؤال كلاسيكي وهو: لماذا لم تنتظر الجبهة اصدار القانون الانتخابي – وهو على مرمى حجر زمنيا -للإعلان عن موقفها وهو ما طرح أيضا فرضية أن يكون ذلك الموقف تكتيكيا ورغم إجابات قيادات الجبهة ومكوناتها من خلال الشبكات الاجتماعية والتصريحات والبلاغات نحت جميعا نحو منحى أن ذلك مبدئي بالأساس…

 

  • ثالثا، تجيب قراءة/مقال الحال على ثلاث أسئلة رئيسية:

 

  • أي مستقبل لجبهة الخلاص في افق نهاية السنة الحالية وهو مستقبل سيرتبط بالتطورات الحاصلة في الإقليم (وهي تطورات سيتم بناء عليها ترتيب الملف التونسي ولكن عبر ترتيب الحد الأدنى من الملف الليبي)، وكيفية إدارة سلطة الامر الواقع في تونس للاستحقاقات الانتخابية ذلك ان هذه الأخيرة مالكة فعليا واجرائيا لهيئة الانتخابات؟

 

  • هل موقف الجبهة تكتيكي أو مبدئي ونضالي وفقا لرؤية قيادات جبهة وطبيعة فعلهم السياسي – لأغلبهم-منذ نهاية سبعينات القرن الماضي) بناء على نضالية مكوناتها في عهد حقبة الرئيس المخلوع؟

 

  • هل يمكن أن يتطور الشكل التنظيمي والهيكلي لجبهة الإنقاذ وأي تطورات لفعلها السياسي مستقبلا في ظل حقيقتي أنها ليست موحدة فكريا وايديولوجيا وأيضا في ظل ديناميكية المشهد السياسي التونسي؟

 

 

** حيثيات اعلان الموقف وتساؤلات حول مستقبل فعلها السياسي 

 

  • أولا، تم الإعلان عن الموقف يوم 05 سبتمبر الجاري وقبل ان تعلن أي جبهة معارضة موقفها من تأخير نشر مضامين القانون الانتخابي وتم الاستناد في تبرير اعلان الموقف أن الجبهة عارضت الاستفتاء وقاطعته وأنها ضد نص الدستور الجديد والذي وصفته في أكثر من مناسبة بـــــ”المسخرة” حسب عبارات رئيس الجبهة نفسه (في إشارة الى الكثير من مضامينه على غرار صلاحيات الرئيس وبعض فصول أخرى انتقدتها النخب بمختلف مشاربها الفكرية والسياسية)، وطبعا تم اتخاذ القرار في الجبهة بناء على طبيعة المناخ السياسي السائد وطبيعة مطالب شعبوية لانصار الرئيس “سعيد” وحزامه السياسي ( الاقصاء والعزل السياسي )…

 

  • ثانيا، ما يجب الانتباه اليه أن الأسابيع القادمة في تونس ستكون حبلى بالمفاجآت من حيث طبيعة الازمة السياسية الراهنة وتنامي التحديات الاقتصادية والمالية والاجتماعية وأيضا من طبيعة الظرفية الزمنية إداريا وسياسيا واجتماعيا:

 

  • قرب الإعلان عن التحوير الوزاري بغض النظر أنه سيشمل رئاسة الوزراء او لا…
  • توضح الانقسامات وكثيرة التباينات داخل منظومة 25-07 ولعل مواقف ما يسمى بحراك 25-07 والتي اتسمت بالمزايدة والتذبذب…
  • قرب الحسم في ملفي المحكمة الدستورية والقانون الانتخابي…
  • اقتراب مواعيد الإعلان التسميات والتعيينات ادرايا ودبلوماسيا وحكوميا (الحركة الدبلوماسية – الحركة الجزئية في اسلاك الولاة والكتاب العامين للولايات – المعتمدين الأول-المعتمدين – حركة النقل في مختلف الاسلاك الإدارية والأمنية والعسكرية-تواصل التسميات في المؤسسات العمومية)

 

  • ثالثا، تم اعلان الموقف وسط بلوغ الاحتقان الاجتماعي ذروته من حيث تعطل المفاوضات بين المنظمة الشغيلة والحكومة الحالية وهو الحوار الذي عُطل واستأنف ثم تم تعليقه ليستأنف من جديد وبقيت نهايته معلقة ولكنها حسب المنظمة مرتبطة بقرارات الهيأة الإدارية للمنظمة الشغيلة (اجتمعت فعليا صبيحة الاحد 11-09-2022) خاصة وان الإجراءات المؤلمة الثلاث (رفع الدعم – بيع المءسسات – تجميد الأجور) هي بصدد التمرير بطرق وآليات ناعمة، وأهمية كل ما سبق بالنسبة لموضوعنا أن الانفجار الاجتماعي أصبح مسالة وقت ما لم يتم نزع فتيله وشروط هذا الأخير صعبة وغير ميسورة، والخلاصة في هذا الشأن وفي تقييم كثير من الفاعلين السياسيين وأولهم قيادات جبهة الخلاص أن الأجواء ليست أجواء اجراء انتخابات وخاصة في ظل عدم اجماع النخبة حول دستور سعيد إضافة الى عدم مراهنة المعارضين ان يكون القانون الانتخابي جامعا وتوافقيا…

 

  • رابعا، معروف أن “جبهة الخلاص” هي جبهة/تكتل سياسي مرحلي بُني أساسا على خلفية أنه من حيث تعريفه وتقديمه للرأي العام أنه “تكتل قوى سياسية لمجابهة انقلاب الرئيس سعيد”، والحقيقة أن الجبهة قد قامت موضوعيا على وراثة والتكامل مع “حركة مواطنون ضد الانقلاب” والتي شكلت بعد الانقلاب وبدأت بعد شهر ونصف من إعلانه وتم ذلك – أي تشكيل الجبهة – بعد تقييم في إنجاح سلف الجبهة في اسقاط مقولة أن الشعب التونسي قد فَوَّض لسعيد ما قام به من إجراءات استثنائية كما نجحت حركة مواطنون ضد الانقلاب وفقا لتقييماتها في اسقاط مقولة ان “ما قام به سعيد هو تصحيح مسار ثورة 14 جانفي ..”.

 

  • خامسا، عمليا تتكون “جبهة الخلاص” المعارضة من أحزاب “الأمل” و”النهضة” و”ائتلاف الكرامة” و”قلب تونس” و”تونس الإرادة” وبعض أحزاب أخرى صغيرة وجمعيات مدنية كما تضم فعليا سياسيين مستقلين (وبعضهم كان مقربا من سعيد نفسه على غرار الدبلوماسي السابق “عبد الرؤوف الطبيب”)…

 

  • سادسا، “جبهة الخلاص” موضوعيا هي أحد الأركان الثلاث لمعارضي “سعيد” ( بقية المعرضين ينتمون موضوعيا اما لتحالف “الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية” (“التكتل” – “حزب العمال” –”التيار الديمقراطي” – “الجمهوري”) بينما المكون الثاني هو الشخصيات والجمعيات المتحالفة موضوعيا مع “الدستوري الحر”(بقيادة التجمعية “عبير موسى”) في حين هناك معارضون أخرون ( قريبون من مكونات مدنية إضافة الى شخصيات مستقلة ولكنها لا تنتمي للجبهات السياسية الأخرى سواء في المعارضة او الموالاة)، وكل المكونات السابقة تَلتقي مع جبهة الخلاص في موقفها لمعلن ولكنها قد تختلف معها في الصيغ وزمن الإعلان عن ذلك الموقف وقد تراجع بعضها الموقف بناء على تفاصيل مضمون القانون الانتخابي والمنتظر الإعلان عنه قبل 17 سبتمبر الحالي باعتبار شرط الإعلان عنه قانونيا قبل ثلاث أشهر من اجراءها…

 

** هل موقف جبهة الخلاص والمتمثل في المقاطعة تكتيكي مرحلي أو هو مبدئي ونهائي؟      

 

  • أولا، مما لا شك فيه أن أغلب مكونات الجبهة براغماتية سياسيا وأن تاريخها وتجاربها أثبتت أنها تتفاعل مع التطورات كما أنها قدت تنازلات سياسية خلال عمرها السياسي (خمس عقود بالنسبة للنهضة ونجيب الشابي ,اكثر من عقين ونيف بالنسبة لمكونات أخرى ..) وبالتالي فكل حديث ان الموقف نهائي هو ضرب من الخيال والحقيقة أنه موقف تكتيكي ومرحلي وهو للضغط أكثر منه موقف نهائي…

 

  • ثانيا، “جبهة الخلاص” مُوحدة راهنا وقد لا يكون الأمر كذلك في المستقبل سواء قبل او بعد 17 ديسمبر، ولكن قد تتطور الأوضاع إضافة الى طبيعة المتغيرات الجارية في الإقليم وفي الداخل التونس، وعمليا من الوارد ان تكون هناك تباينات بين مكوناتها وهي تباينات تبين وجودها في محطات سابقة ولكن الثابت أيضا ان الجبهة متماسكة في مواقفها السياسية تجاه دستور “سعيد” (والذي اصبح نافذا وساريا) ومواقفها وآليات عملها وفعلها السياسي موحد وواضح من حكومة “بودن” ومن السند السياسي لمنظومة 25-07 (وهو سند يعيش حالة اهتزاز وارتباك وانقسم وتباينات داخله وداخل كل مكون على حده)، والثابت في هذا الشأن ان مواقف الجبهة أقرب للمبدئية في ذلك الشأن ولكن موقها من المشاركة في الانتخابات قابل للمراجعة والتطوير وهو موضوعيا وبلغة راهن الأمر موقف تكتيكي للضغط ليس إلا وأن وجه من حيث التصريحات والقراءات بانه موقف مبدئي قائم على بطلان اجراءات ودستور “سعيد” (وفقا لعبارات رئيس جبهة الخلاص “أحمد نجيب الشابي”)…

 

  • ثالثا، من خلال استقراء التصريحات ووفقا لما هو متداول في الكواليس يظهر أن المواقف في الفترة الأخيرة تتقارب بين “جبهة الخلاص” و”جبهة الأحزاب الديمقراطية والاجتماعية” خاصة في المحطات القادمة وفيما هو تكتيكي ومرحلي في أفق اجراء أي استحقاقات انتخابية قادمة (سواء كانت تشريعية – أو رئاسية وتشريعية في صورة حدوث أي تطورات نوعية أو اجراء حوار وطني تترتب عليه توافقات على المرحلة النهائية …)

 

  • رابعا، الاشكال الذي قد يعيق الجبهة أو يربكها بل وقد يعصف بها وبوحدتها مستقبلا وفي افق بداية سنة 2023 هو اقدام “سعيد” على خطوات غير محسوبة  (محاكمات سياسية لقياديين بها او لكثير من النخب السياسية-الدعوة المفاجئة لحوار وطني جامع لكل الأطراف السياسية والاجتماعية…)، كما أن أي تطورات انتقالية قد تعمد لها القوى الصلبة للدولة (وهو أمر وارد ولكنه ضعيف نسبيا مقارنة ببقية سيناريوهات أخرى)  ومعلوم أن للجبهة مطالب وخارطة طريق وان بدت غير واضحة المعالم (حكومة انقاذ وحوار وطني يمرر لبرلمان دستور 2014 للمصادقة عليها ثم المرور لانتخابات) والخلاصة أن “الجبهة” وان بُنيت على عجل وعلى أرضية سياسية صلبة من حيث التوافق المرحلي الا انها قد تعصف بها المتغيرات والتطورات…

 

  • خامسا، كثيرة هي السيناريوهات التي قد يذهب اليها الوضع خلال الأسابيع المقبلة وخاصة في مربعات المسألتين السياسية والاجتماعية ورغم ان بعض النخب ينتقد “الجبهة” ويُوجه اليها سهامه إلا أنها قد تصبح رهانا مستقبليا وقد يكون الأستاذ “احمد نجيب الشابي” حالما كما قد يكون واقعيا في ان يكون رأس عملية انتقالية مرحلية (وضعية الباجي قائد السبسي سنة 2011) كما أن وجوها منها قد يكونون رهانات مستقبلية او هم يتصورون ذلك سواء كأشخاص أو من يراهن عليهم في الداخل التونسي وعلى مستوى دولي واقليمي (“جوهر بن مبارك” مثالا للذكر لا الحصر)…

 

  • سادسا، موقف عدم المشاركة في الانتخابات قد يجعل “الجبهة” في صدارة سياسية وخاصة إذا تطورت المسالة الاجتماعية الى مازق فعلي (وخاصة إذا لم يتم توقيع الاتحاد مع الحكومة حول المفاوضات الاجتماعية) كما من الوارد ان تحصل مشكلة في العلاقة مع صندوق النقد الدولي (ومعلوم أن تونس تعتبر حسب البعض من المتابعين شُيه معزولة إقليميا ودوليا وباستثناء الجار الجزائري والشريك الفرنسي ليس هناك أي تطور لعلاقة تونس مع أي من شركائها الإقليميين والدوليين السابقين…)، والخلاصة ان “الجبهة” لها من المواقف والمقاربات ما يمكنها من تصدر المشهد لو ذهبت معالجة تلك الملفات الحارقة الى الفشل من طرف منظومة 25-07 خاصة في ظل التفكك السياسي لهذه الأخيرة وقفز كثير من المكونات من مركبها طوال السنة الأولى من عمرها، وفي سياق آخر قد تجد جبهة الخلاص نفسها أيضا وبدعوتها لمقاطعة الانتخابات في عزلة داخلية وخاصة اذا ما حُلت المسألتين المالية والاجتماعية وعندئذ تصبح رهاناتها مؤجلة الى ما بعد ذهاب “سعيد” والذي يبقى بقاؤه حتى 2024 واردا كما أن ذهابه قبلها وارد ولكنه ضعيف لانتفاء البدائل والتي لا يبدو أن ملامحها ظاهرة للعيان…

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى