تحاليل

التشاد: أي مخرجات مرتقبة لحوار الأسابيع الثلاث في العاصمة “نجامينا”؟

 علي عبداللطيف اللافي كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

 

          بدأ أكثر من 1400 مندوب في تشاد اعتبارا من صبيحة السبت الماضي (أي 20 أغسطس/أوت الجاري) المشاركة في حوار حاسم حول مستقبل بلدهم، وهو حوار يفترض أن يستمر  في عاصمة بلدهم نجامينا ثلاثة أسابيع بعد نجاح الحوار التمهيدي في العاصمة القطرية الدوحة – والذي انطلق يوم 13 مارس الماضي بين المجلس العسكري الحاكم وحوالي 58 فصيلا معارضا (بعضها سياسي والآخر عسكري)، ولكن ما هي المخرجات المرتقبة لذلك الحوار وما هي رهاناته، وهل سيؤدي للمصالحة في بلد منقسم  على نفسه منذ أكثر من أربع عقود، وهل سيمهد الطريق للعودة إلى الحكم المدني ومن ثم انهاء المرحلة الانتقالية وفي الأخير ما السيناريوهات الثلاث لنتائجه من حيث مضيه من عدمه في انهاء المرحلة الانتقالية وبناء مسار ديمقراطي؟

  • أولا، فعليا أكد مرسوم وقعه الرئيس “ديبي الابن” -والذي خلف والده المقتول في نهاية افريل 2021-أن “الحوار الوطني الشامل” سيكون “سياديا” وقراراته “قابلة للتنفيذ، وكان “ديبي” قد أكد الأسبوع الماضي بمناسبة العيد الوطني للبلاد “خلال أيام سيلتقي كل أبناء وبنات البلاد… لمناقشة مشاكل تشاد”، كما أضاف أن “كل مسألة تتعلق بالمصلحة الوطنية ستطرح على الطاولة…”، ومعلوم أن الهدف الرئيسي للحوار وفقا للطرفين هو أن يفتح الطريق امام أمام انتخابات حرة وديمقراطية بعد 18 شهرًا من حكم المجلس العسكري، ومعلوم أيضا أن “ديبي الابن” قد عُيّن على رأس هيئة حاكمة مؤلفة من 15 جنرالًا مواليًا له، هي المجلس الانتقالي العسكري وتم يومها تعليق الدستور وحل البرلمان وهو ما أحدث موجة من الاضطرابات في تشاد التي شهدت انقلابات وثورات وحكمًا استبداديًا منذ استقلالها عن فرنسا في 1960.

 

  • ثانيا، الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس اعتبار يوم الجمعة الماضي (أي يوم قبل بدء الحوار) ان جولة الحوار الحالية تمثل “فرصة تاريخية” لاستعادة الاستقرار في هذه الدولة الأفريقية المضطربة، وتحديد مسارها نحو الديمقراطية بعد 18 شهراً من الحكم العسكري، وقدّم غوتيريس تهنئته إلى الشعب التشادي والسلطة الانتقالية، مقراً “بالجهود التي بذلتها جميع الأطراف الأخرى “للوصول إلى هذه اللحظة التاريخية”. وقال نائب المتحدث باسم غوتيريس “فرحان حق” إن “الأمين العام يشير إلى أن الحوار يوفر فرصة تاريخية لبناء أسس جديدة لاستقرار تشاد، من خلال توطيد الديمقراطية فيها”، كما شجع “غوتيريس” على إشراك “جميع شرائح” المجتمع التشادي في الحوار، بما في ذلك النساء والشباب، وحض الجماعات السياسية والعسكرية، التي لم توقع بعد اتفاق الدوحة، على الانضمام إلى عملية السلام.

 

 

  • ثالثا، تعتبر الدول الغربية تشاد شريكًا رئيسيًا وفعالًا في مكافحة “الجهاديين” في منطقة الساحل منذ سنوات، ولذلك هي تأمل فعليا أن يسمح الحوار في جولته الثانية (بعد جولة أوى في العاصمة القطرية) بوضع دستور جديد سيُطرح طبعا للاستفتاء، ولكن الفاعلين الدوليين والإقليميين وبعص فصائل المعارضة ( سواء تلك التي أمضت على اتفاق السلام والقبول بحضور جولة نجامينا الختامية أو تلك التي رفضت ذلك)، يَعُون إن العملية تواجه مشاكل كبيرة إحداها الوقت، إذ تنتهي مهلة 18 شهرًا في أكتوبر المقبل مما يجعل الوقت ضيقا لتنظيم استفتاء ثم انتخابات في هذا البلد الشاسع والقاحل، ومعلوم أن “ديبي الابن” بُعيد توليه السلطة قد تحدث عن خيار تمديد الفترة الانتقالية لمدة 18 شهرًا أخرى إذا لزم الأمر، وتتلخص القراءات الواقعية في أن الجدول الزمني للحوار الذي يفترض أن يستمر 21 يومًا لا يوحي أبدا بالجدية، بل من غير الممكن حسب البعض من المتابعين التوصل إلى اتفاق في مثل هذا الوقت القصير، وهو ما يعني ترجيح تمديد الفترة الانتقالية، ومعلوم انه كان يفترض أن يبدأ الحوار في فيفري الماضي لكن تم تأجيله عدة مرات بسبب خلافات بين عدد لا يحصى من المجموعات المتمردة التشادية التي اجتمعت في الدوحة -وبرعاية قطرية- بشأن المشاركة في ما سمي سابقا بالحوار التمهيدي ، وفي نهاية المطاف وبعد أشهر من المحادثات وقعت قرابة أربعين مجموعة في 8 أوت/أغسطس اتفاقا ينص على وقف إطلاق النار وضمان المرور الآمن.

 

  • رابعا، لا يمكن موضوعيا تغييب أن اثنتين من كبرى المجموعات المتمردة تقاطعان المنتدى/الحوار، إحداهما “جبهة التغيير والوفاق التشادية” (وهي التي تقف وراء الهجوم في شمال شرق البلاد العام الماضي الذي انتهى بموت “ديبي الأب”)،وهي ترى أن الاجتماع/الحوار “خرج عن مساره أساسا…”، وقال بعض محللين ومتابعين إن “عدم مشاركة جبهة التغيير والوفاق يمثل مشكلة لأن المجموعة المتمردة هي التي أطلقت بطريقة ما عملية الانتقال…”، ومعلوم أنه يمثل العشرات من المندوبين المتمردين في المؤتمر الذي يشارك فيه أيضا مندوبو جمعيات أهلية ونقابات عمالية والحكومة، لكن مجموعة سياسية كبيرة تقول أيضا إنها لن تشارك وهي “واكيت تما” (ائتلاف الذي يضم أحزابًا معارضة وجمعيات من المجتمع المدني)، وكان “سوكسيه ماسرا” (أي زعيم أحد الأحزاب في الائتلاف) قد قال في تصريحات صحفية “حسب تقديراتنا، ثمانون في المئة من (الحاضرين) مقربون من المجلس العسكري…”، وعمليا يتهم هذا “الائتلاف” المجلس العسكري بانتهاك حقوق الإنسان واستخدام “الحوار” كنقطة انطلاق لترشيح “ديبي الابن” للانتخابات، رغم أنه قال بعد توليه السلطة إنه لن يترشح للانتخابات، أما الحكومة فقد قللت من أهمية أولئك المُتغيبين حيث قال المتحدث باسم الحكومة “عبدالرحمن كلام الله” إن “جميع الأحزاب السياسية التي كانت لها مقاعد في المجالس التشريعية السابقة ممثلة ولم تنسحب سوى مجموعات صغيرة وقليلة”.، بل أنه وصف المحادثات بأنها “لحظة فاصلة بالنسبة إلى تشاد… و(فرصة) لوضع استخدام السلاح وراءنا مرة واحدة وإلى الأبد…”

 

  • خامسا، غياب بعض أطراف المعارضة لم يمنع بعص فصائلها الرئيسية من المشاركة فقد عاد “تيمان إرديمي” (أحد أبرز زعماء المتمردين في تشاد)، إلى بلاده الخميس الماضي (18 أوت الجاري) بعد 17 عاما قضاها في المنفى، للمشاركة في الحوار الوطني، وكان إرديمي (وهو ابن شقيق الرئيس السابق إدريس ديبي)، غادر تشاد في عام 2005 لقيادة تمرد ضد حكم عمه، ومعلوم أن قوات إرديمي كادت تطيح بديبي في عام 2008، ولا يزال اتحاد قوى المقاومة الذي يتزعمه يمثل تهديدا للحكومة منذ ذلك الحين. وفي عام 2019 تقدم مقاتلوه من ليبيا إلى عمق الأراضي التشادية قبل أن تدمر طائرات مقاتلة فرنسية حملتهم، وأعرب إرديمي، بعد أن حطت طائرته في العاصمة نجامينا، عن أمله في أن ينجح الحوار الوطني في إعادة توحيد البلاد.وقال للصحافيين “يحدوني الأمل في أن يسير كل شيء على ما يرام لتحقيق السلام والمصالحة والهدوء في البلاد”، مضيفا أنه يرغب في تحويل “اتحاد قوى المقاومة” إلى حزب سياسي.

 

  • سادسا، على الرغم من التفاؤل، يرى مراقبون أن هذه العملية تواجه مشاكل كبيرة، إحداها الوقت، إذ تنتهي المهلة الانتقالية المحدَّدة بـ18 شهراً في أكتوبر وهو ما يجعل الوقت ضيقاً أمام تنظيم استفتاء، ثم انتخابات في هذه الدولة الشاسعة والتي تمثل اكثر دول افريقيا من حيث صراع النفوذ حولها فالفرنسيين لا يزالون يعتبرونها دولة تابعة في حين تتواجد بها أكبر سفارة لهم مقارنة بسفاراتهم في القارة السمراء بينما يضعها الصينيون نصب اعينهم لموقعها المهم ولاتساع رقعتها الجغرافية مقارنة ببقية دول غرب افريقيا وهناك تواجد مهم للأمريكيين في شرق التشاد إضافة الى وجود أجندات للإماراتيين والأتراك والإيرانيين…

 

  • سابعا، كان من المفترض أن يبدأ الحوار في فبراير/شباط، لكن جرى تأجيله مرات عدة بسبب خلافات حوله بين عدد لا يحصى من المجموعات المتمردة التشادية التي اجتمعت في قطر وق حاول الوسيط القطري ان يشارك الجميع في الجولة الثانية فقدم مشاريع عدة لاتفاق السلام وسحب بعضها حتى يتم التوصل لإجماع كبير حولها ولكن بعض مكونات المعارضة اعترضت – كما سالفنا ذلك أعلاه – واستضاف القطريون منذ 13 مارس الماضي حوالي 58 فصيلا معارضا بعض سياسي والآخر عسكري ودارت جلسات عدة حول مختلف نقاط الاختلاف قبل ان يتم التوافق نهاية جويلية الماضي حول ورقة ختام الحوار التمهيدي، ومعلوم أن “ديبي الابن” قد تحدث بعيد توليه السلطة، عن خيار تمديد الفترة الانتقالية مدة 18 شهراً إضافياً إذا لزم الأمر وهو ما رفضته المعارضة وعددا من الدول الغربية بسبب ان ذلك قد يعمق أزمات في دول مثل غينيا بيساو وغيبينا كوناكري وبوركينا فاسو ومالي ودول افريقية أخرى…

 

 

  • خامسا، المؤكد ان كثير من الجزئيات والتفاصيل والتقاطعات ستحدد مآلات الحوار ونسب نجاحه ولكن في كل الحالات فان هناك حاليا ثلاث سيناريوهات مرتقبة في افق الأيام والأسابيع القادمة في هذا البلد الافريقي، وهي:

 

  • السيناريو الأول، ويتمثل في أن ينجح الحوار في نجامينا في تحديد الشروط الموضوعية بل وفي رسم خارطة الطريق وتحديد هوية الأطراف الإقليمية التي ستتكفل بمتابعة نتائجه (أنغولا-روندا-الجزائر …)، ومن ثم يتم في النهاية امضاء اتفاق نهائي وليتم المضي في خارطة طريق للانتقال الديمقراطي في التشاد ويتم تدريجيا استيعاب كل المحاربين في الجيش الجديد وبقيادة جديدة عمليا…

 

  • السيناريو الثاني، ويتمثل في أن ينجح الحوار – وفقا لما أوردناه في السيناريو الأول- ولكن تتعثر بعض أمور خلال الأيام القادمة (وخاصة بداية من الأسبوع الثاني من جلسات الحوار) ومن ثم يتراجع أحد الوفدين (الوفد الحكومي أقرب لذلك موضوعيا)، وعندئذ ستنقسم المعارضة التشادية المشاركة في الحوار الى ثلاث مكونات، طرف أول ينحاز للحكومة وثان يزداد راديكالية ويكفر بالمفاوضات والحوارات، وطرف ثالث سيلتجأ الى وسائل للضغط بأشكال مختلفة على الطرف الحكومي واعادته لمربع المفوضات سواء بالعودة للدوحة او أي وسيط ثان أو عبر اللجوء لخيارات سياسية بديلة في الضغط…

 

السيناريو الثالث والأخير، وهو ان ينجح الحوار ولكن تعمد الحكومة لاحقا الى تنزيل بطيء جدا للمتوافق عليه ومن ثم تنقلب الدولة العميقة واساسا أطراف في قبيلة “زغاوة” على كل مربعات ما تم التوافق عليه ومن ثم يتم الرجوع للنقطة صفر ولكن الحكومة في تلك الحالة ستربح أشواطا زمنية مهمة ولكن ذلك مرتبط من حيث التجسيد بطبيعة التطورات في الإقليم وخاصة تطورات ما يجري في شمال وغرب افريقيا ومدى تمدد التنظيمات الإرهابية ومدى انقسام المجلس العسكري الحالي من عدم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى