تدوينات

تدوينات :احمد الغلوفي…في توظيف الدين ممن يستنكرونه

  والله لقد حبّبني نورالدين في الصلاة وراء” مفتن العش “
 تنويه: حرس الأديان ليس هنا مشربكم.. لست أقبل وعظكم.
بلغني خبر إعفاء الأستاذ مفتن العشّ من إمامة الجمعة فكتبت هذا الذي الذي تقرؤون:
1. مفتن العش أستاذ تفكير إسلاميّ من صفاقس يدرّس في قابس ويعيش بها.. الجملة خبر عاديّ لا معنى فيه غير ما يبدو من سطحه،
فما الخطب؟
وما لهذا الرجل؟
2. لم أكن أعرف مفتن العش قبل الثورة ولا سمعت عنه.. عرفته بعدها بفضل عطائها.. ولا فضل لغيرها على أحد.. ولا لهذا الذي ألقى بدبّابة أمام برلمان الشعب ليخرس أصوات الشعب.. ويمنع عنهم مسالك الأنفاس.
3. منذ عهد بورقيبة، والدعاء للحاكم على المنابر، كان لي موقف من صلاة الجمعة.. أجدها أثقل من الاستجابة إلى النداء إليها.. وقد تعزّز موقفي منها طيلة زمن بن علي..
4. لقد نجحت الدولة في تونس في تأميم الدين وجعلت أنظمةُ الحكم فيها من صلاة الجمعة حصّة للتعذيب ووجبة للتنفير من الدين وطرد الآخرة من الوجدان..
تذهب إلى الجمعة لتعانيَ عذابين:
• عذاب اللغة العربية تراها تتلوّى تحت سياط ألسنة فارقتها العقول ولا تملك أن تمنعها منها..
• وعذاب الوجدان الديني يخرّبه خطاب متخلّف لمرويّات بائسة تعلوها أتربة تعمّم الجهل في روّاد المساجد.. وتنفّر من الدين وتحول دون مصالحة الناس مع ذواتهم المؤمنة.
5. بعد الثورة تصالحتُ مع صلاة الجمعة.. وكانت المصالحة بفضل مفتن العش.. كان هو الحكَم العدل الذي ردّني إلى صلاة الجمعة ردّا جميلا.. نعم، كان ردّا جميلا.
6. كنت سأكتب في الرجل من سنيّ الثورة الأولى، ولكنّني أحجمت لأنّني أكره مديح إمامتَي الدنيا والدين.
7. في مسجد سيدي سعيد في زريق بمدينة قابس عرفت مفتن العش.. إمامَ جمعةٍ خطيبًا.. ظللت أؤمّ مسجده سنوات لا أرى رحالا تُشدّ إلى نظير له.. والرجل، في رأيي، بلا نظير في ميدانه.. كنت، أعتبره دائما من هبات الثورة.. بل من أجلّ هباتها.. ولست أبالغ.
8. ليس أخطر من إمامة الدين في الجمعة.. وقد دأبت أنظمة الحكم الثقيلة على إنتاج خطباء جهلة وظيفتهم التنفير من الدين وإفساد الدنيا.. ليحلّ الحاكم، بفعل خطابهم، محلّ الإله يُعبد من مدونه..
تتحوّل خطبتا الجمعة إلى حصّتين لتعذيب المصلّين.. وكلّما كنتَ أسلمَ عقلا كان نصيبك من التعذيب أكثر.. فعلا، صلاة الجمعة في مساجد كثيرة لا تعدو وجبة تنكيل بالحضور.. يقصد المصلّي المسجد فيتلقّى من الإمام جلدا عنيفا متّصلا يعود منه إلى بيته منهَكًا مشتملا عليه اليأس من الدارين معًا.. خسر الدنيا لم يسوّ له الحاكم فيها طريق بغلته فامتنع منه اجتلاب رزقه.. وخسر الآخرة أغلقها الإمام دونه ولم يترك له غير باب النار مفتوحا.
9. مع مفتن العشّ اختلف الأمر اختلافا جذريا.. حضرت، في حياتي، خطبا كثيرة وشهدت على القنوات أكثر ولم أر أجمل من إمامة مفتن العش.. أقول أجمل لأنّ الدين عندي مساحة للجمال وكلّما خَفَتَ الجمالُ ضَمُرَ الدين وأفلس المعنى.
الدين، في فهمي، جمال يحرسه عقل.. وحتّى الصبر المرّ في الدين جاء وصفه في القرآن جميلا ((فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا))..
مفتن العش إذا خطب أرسل في أرجاء المسجد صوتا جميلا بموازين مدروسة بعناية فائقة.. تدرك ذكاء الرجل من جملته الأولى.. وهل يكون الدين غير ذكاء؟
الرجل بيداغوجيّ قدير.. يعدّ خطبته إعدادا جيدا احتراما لنفسه ولمأموميه.. يحفظ مراحلها..
ينطلق من وضعية بيداغوجية دالّة.. ينتقي له من النصوص أو من الواقع سندا.. ثم ينتشر.. تتفرّع الخطبة مثل عقد أحسن نظمهُ لا يغفل عن فقرة من فقراته.. قد يأخذ الحاضرين معه في سياحة استطراد يطول ولكنّه يأخذ بأيديهم من جديد إلى حيث كانوا من فقرات الخطبة.. ويردّهم إلى منهجه الصارم في رفق عجيب.
الدين في فهم مفتن عقل.. تتابع خطبته فترى العقل يبسط سلطانه على بقية المفردات فلا ينطق اللسان إلّا بميزان.
وختام الصلاة خلف الإمام مفتن العش صوت جميل كما لا نعرف لدى أئّمة الجمعة.. صوت رخيم ثقّفته القراءات.. ولقد أحببت، من صوته، طريقة الشيخ المرحوم عليّ البرّاق في التلاوة بعد أن كنت أضيق بها وبالأذان يرفعه صوته. ما أجمل أن تسمع لمفتن يتلو القرآن بصوته الرخيم.
10. توسّع المسجد في عهد إمامته واعتنى به المصلون احتفاء منهم بدين جميل يسري في حياتهم يغذّي الأمل في الخلاص في الدنيا ويعزّز الثقة بالله ينشر رحمته بهم في الآخرة.. لا زجر ولا تقريع ولا ترويع ولا تخويف من ربّ جميل اسمه الحبّ لم يجعل الأديان أداة انتقام من الإنسان..
وما الذي يعنيه دين لا يرفع مقام الإنسان في الدنيا؟
وما يصنع الإنسان بآخرة محكوم عليه أن يسير على الزجاج ليبلغها؟
الدنيا والآخرة متكاملتان ولا معنى لآخرة تبنيها بتخريب دنياك.. أو بتركها لمحتلّ أجنبيّ أو مغتصِبّ محلّيّ.
11. حضرت لمفتن في ما حضرت محاضرتين أذكر أنّ إحداهما كانت حول العلم.. الرجل فاتن في فكره بارع في أدائه.. قلّما سمعت من شخص كلاما رغبت في الاستزادة منه وقلت ليته لا يسكت، وقد قلت هذا مع مفتن العش.
12. لا أحبّ حديث المقارنات.. ومفتن العش لا يقارن كلام لا مبالغة فيه من رجل يظنّ أنّ له فهما وذوقا.
13. مفتن رجل عالم شجاع لا ينثني في نصرة ما يراه حقّا.. وقد شهدت له في مسجده خصومتين: خصومة شنّها عليه بعض أثرياء الحيّ الذين يمنّون على المسجد بما يلقون إليه من فضلة مساعداتهم.. لقد أرادوا إخراجه من المسجد فحماه المصلّون. وخصومة أخرى شنّها عليه شباب سلفيّون جهلة رأوا فيه خطرا على خطابهم الخانق فهاجموه وأنقذه منهم المصلّون.
14. كان أحرى بوزير الدين في حكومة المنقلب أن ينتدب مفتن العشّ ويجلس بين يديه يتعلّم ما يقال إنّه دكتور فيه لا أن يفصله من إمامة الجمعة تنكيلا بشعب وجد في الأستاذ بغيته تخلّصه من عالقات القرف.
15. مفتن يسبح، وهي يخطب، في محيط حرية الثورة لا يرضيه ما دونها.. ضحالة الانقلاب وضيق صدور العصابة المشرفة على إدارته تمنع مفتن العش من الصعود على منبر لا يستطيعه وزير دين الانقلاب.. حين أرى سحنة هذا المستوزَر أذكر بها عبارة لأبي حيّان التوحيدي ((يأكل الدنيا بالدين)).. لينعم هو بأكل دنياه بدينه ينغّص على الناس دينهم ودنياهم.
16. لماذا يُعفى إمام اسمه مفتن العش وهو بهذا الاقتدار النافع؟
ببساطة، لأنّ انقلابا على الثورة قد أصاب البلد.. دين يسيّره وعّاظ جهلة مخلَّدون في وكر اسمه وزارة الدين لا يصلح للناس دينا.. ولا يليق بمفتن العشّ أن يكون له إماما.
17. كان لا بدّ من إعفاء مفتن العش من إمامة الجمعة وإلّا ظنّ الناس أنّ البلاد في زمان الانقلاب لا تزال بخير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى