أخبارتدوينات

هل يكون وجود الغنوشي هو ما يؤخر سقوط الانقلاب

خليفة غيلوفي:
ما الذي يمنح الانقلاب هذه القوة التي تمكنه من الاستمرار رغم تراجع التأييد الشعبي المتواصل الذي أكدته نسبة المشاركة المتدنية في الاستفتاء الأخير.. ورغم غياب التمويلات اللازمة لادارة شؤون الدولة إلى الدرجة التي أصبحت فيها تونس على شفا الإفلاس عاجزة عن استيراد الكثير من المواد الأساسية، وهو ما تجلى واضحا في موجة الغلاء والزيادات التي تبدو بلا نهاية وفي شح المواد الأساسية.. فالمنقلب لا يحظى بالدعم الشعبي ولا يجد التمويل اللازم الذي قد يحسّن حياة التونسيين، كما أنه لا يمتلك الكفاءات ولا الرؤية التي تؤهله لاجتراح حلول ممكنة رغم الأزمة.. من أين يستمد المنقلب إذن هذه القوة والعنجهية التي تجعله يتعامل بلامبالاة واستخفاف مع مناصريه قبل خصومه؟؟ الأمر الوحيد الذي أجاده المنقلب وعمل عليه بجد هو استمالة القوة الصلبة ومحاولة استرضاء المؤسستين العسكرية والأمنية.. ولكن هذا الأمر لا يمكن لوحده أن يبرر استمرار الانقلاب.. لأن هذه القوة الصلبة لم تشفع لبن علي مثلا وقد كان في وضع أفضل بكثير في حينه.. لنفهم سر استمرار الانقلاب يكفي أن ننظر إلى موقف التونسيين مما يجري وموقفهم من الانقلاب تحديدا.. هناك ما يشبه الاجماع على أن ما وقع في 25 جويلية 2021 انقلاب على الدستور والمسار الديمقراطي.. لكن أطرافا كثيرة تقبل بهذا الانقلاب أو هي مستعدة لتبريره والتعايش معه.. ولكل فريق تبريره لهذا الأمر.. – هناك طيف واسع، وخاصة من الطبقة السياسية، يساند الانقلاب صراحة أو ضمنيا، فقط لأن سقوطه سيعيد مشهد ما قبل الانقلاب والذي كانت النهضة فيه الطرف الأقوى.. فالقبول بالانقلاب هو في الحقيقة رفض للنهضة وتعبير عن العجز عن هزيمتها انتخابيا.. فكان الانقلاب آخر “الحلول”.. – طيف آخر من التونسيين لا رغبة له في رفض الانقلاب ومقاومته لاعتقاده أن ما سيأتي بعده لن يكون أفضل منه، وهو ما يشير إلى يأس من التغيير بعد أن لم تغير الثورة شيئا في حياة البسطاء الذين لا يهتمون بالحرية والديمقراطية بقدر انشغالهم بتحسين حياتهم اليومية.. – طيف آخر يعتبر أن ما يجري صراع لا يعنيه في شيء لأنه صراع بين النهضة وحلفائها من جهة وبين قيس سعيد ومناصريه من جهة أخرى.. فالصراع في نظرهم ليس صراعا بين الحرية والديكتاتورية، وبين الديمقراطية والاستبداد، وبين حكم المؤسسات وحكم الفرد.. وإنما هو صراع بين سعيد والنهضة.. هو صراع على السلطة لا مصلحة فيه للشعب أيا كان المنتصر.. من خلال مواقف هذه الفئات المختلفة يبدو واضحا أن وجود النهضة وتصدرها للمشهد الرافض للانقلاب يخدم الانقلاب أكثر مما يهدده.. فالانقلاب من مصلحته اختزال الصراع ضمن ثنائية نهضة/قيس لأن ذلك يوهم بأن الانقلاب ليس خطرا على الديمقراطية ومستقبل البلاد وإنما هو خطر على النهضة فقط.. وهو ما يحيّد قطاعات واسعة ويخرجها من الصراع باعباره صراعا لا يعنيها.. ويشجع خصوم النهضة للاصطفاف وراء المنقلب.. ويزداد هذا الاستقطاب وضوحا حين تختزل النهضة في الغنوشي.. ويختزل الانقلاب في صراع بين الغنوشي وسعيد.. وهو تحديدا ما يمثل نقطة قوة الانقلاب الذي نجح في طمس طبيعة الصراع الحقيقية باعتباره صراعا بين الديمقراطية والانقلاب ودغدغ غرائز خصوم النهضة الذين يحلمون بالتخلص منها.. ماذا الآن؟ ماذا لو ابتعد الغنوشي بالاستقالة من رئاسة مجلس النواب أو باعتزال السياسة… ألا يفقد ذلك الانقلاب مبررا قويا من مبررات وجوده؟ ألا يعيد ذلك الصراع إلى حقيقته باعتباره صراعا بين المنقلب والشعب؟ ألا يحرر ذلك الشعب من خطر الانتظارية والوهم القائم على إلزام النهضة بإسقاط الانقلاب لأنها السبب الرئيسي في حدوثه؟ ألا يسحب ذلك ورقة مهمة من أيدي أصحاب الفكر الانقلابي الذين يحاولون إخفاءه بالحديث عن خطر النهضة وإمكانية عودتها لتصدر المشهد؟ ملاحظة: لا أناقش المسألة هنا من منطلق قانوني وأن من حق الغنوشي رئاسة مجلس النواب.. أو أن بقاءه في رئاسة النهضة شأن داخلي الخ.. أنا أتحدث عن الجانب السياسي.. ما الحل أمام هذا الانسداد؟ أليس السياسي الناجح هو القادر على اجتراح الحلول قبل الكارثة وليس بعدها؟.. فما بالك والكارثة واقعة . أعوّل على رحابة صدر أصدقائي النهضويين لمناقشة هذا الأمر نقاشا عقلانيا بعيدا عن السب والتخوين..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى