أخبارتدوينات

فتحي الجموسي :يوم الاستفتاء لكم الخيار بين دولة مستبدة وفوضى “ديمقراطية”

كل دساتير ومشاريع الدساتير التي عرفتها تونس تنقسم إلى ثلاث أبواب كبيرة، باب أول يتعلق بالهوية وباب ثاني يتعلق بالحقوق وباب ثالث يتعلق بالسلطة.
فبالنسبة للباب الاول فالهوية يكتسبها الشعب من ثقافته وتاريخه لا من النصوص الدستورية.
فحتى لو تم التنصيص على كون الدولة علمانية لا دين لها سيبقى المتدين متدينا والمحافظ محافظا و المتزمة متزمتا.
ولو تم التنصيص على كون الدولة إسلامية فسيبقى الحداثي حداثيا والملحد ملحدا لأن تعديل المفهوم الديني لدى المواطن يتم بواسطة التعليم والثقافة لا عن طريق نصوص الدساتير المتعلقة بالهوية.
أما في باب الحقوق والمتعلقة بالحريات فنصوص الدستور أيضا توهم الناس في غالب الأحيان بأشياء يصعب على الدولة الإيفاء بها.
فحرية الضمير والمعتقد التي يسنها الدستور لن تصمد أبدا أمام خطابا تكفيريا لإمام مسجد ضد من مارس حريته ولن تصمد كذلك أمام قاضي متدين ومتزمة جلبوا له متهما بالافطار في رمضان لمحاكمته ولن تصمد كذلك أمام الاسرة و المجتمع لشاب ترك الاسلام وإعتنق المسيحية بل قد ينعت بالردة ويقع سحله وسحل الفصول الدستورية التي تضمن له حرية الضمير
والمعتقد.
كذلك الشأن لباقي الحقوق التي سنتها كل الدساتير التونسية فحق التزود بالماء لم يمنع حرمان قرابة ثلث الشعب منه والتصيص على الحق في الصحة وفي بيئة سليمة لم يمنع موت وهلاك الآلاف من المواطنين على مدى سنوات بسبب عدم انجادهم وعدم اعطائهم الدواء وبسبب انهيار المنظومة الصحية في تونس كما ان التنصيص على الحق في بيئة سليمة لم يمنع مدينة في حجم صفاقس ذو اكثر من مليون ساكن تتنفس على مدى قرابة سنة روائح الزبالة والقمامة لعجز الدولة عن توفير مصب لها.
وحق المواطن في الشغل لم يمنع الدولة من ايقاف الانتدابات على مدى عدة سنوات ومن ارتفاع نسبة العاطلين عن العمل الى اكثر من مليون عاطل.
تلك الحقوق ليست رهينة التنصيص عليها في الدساتير فبعض الدول مثل بريطانيا ليس لها دستور مكتوب ورغم ذلك توفر لمواطنيها كل ما تعدنا به دساتيرنا.
إعتقادي الجازم أن البابين الأولين هما مجرد أفكار وتصورات هدفها الاول التسويق لصورة تونس بالخارج وهدفها الثاني بيع الاوهام لمن كان في الداخل لانها تبقى مجرد حبرا على ورق وجلها مجعول للزينة لا اكثر لا اقل.
فالمفلس لا يتبرع ولا يمكن للدولة أن تعطينا أكثر مما لديها .
إن أهمية الدساتير في تونس تكمن في بابها الثالث المتعلق بالسلطة لان هذا الباب هو المحدد الرئيسي لمستقبل الشعب وحقوقه ومستقبل دولته وايضا علاقة الحاكم بالمحكوم وهذا ما يفسر كون بورقيبة وبن علي ومن بعده النهضة وقيس سعيد لم يمانعوا في سن جميع ما يرضي رغبة الشعب و المواطنين في البابين الاول والثاني من دساتيرهم في حين أحكموا قبضتهم ونفذوا رغبتهم التي تضمن مصالحهم في الباب الثالث من هته الدساتير.
ولعل الملفت للانتباه أن دستور 59 الذي حكم به بورقيبة و بن علي ومشروع دستور قيس سعيد يتشابهان كثيرا في مسألتين، المسألة الاولى الحفاظ على قوة الدولة ووحدتها وسيادتها ونفوذها وحسن تسيير دوالبها عبر تنظيم عمودي هرمي للسلطة والمسألة الثانية كون الثلاث رؤساء ضمنوا لأنفسهم سلطة القرار الأولى و الأخيرة حفاظا على استمرار بقائهم في الحكم.
ففي ظل هؤلاء الثلاث كانت لدينا دولة قوية وحاكم مستبد ومحتكر لكل السلط (هذا بالطبع إن لم تكن لقيس أجندا ثانية لفرض النظام المجالسي الذي سبحوله من مستبد إلى امبراطور وتحويل تونس من دولة الى عشائر وبالطبع هته النوايا لن تتضح الا بعد سن المرسوم المنظم للانتخابات).
أما في ظل حركة النهضة فقد كان الباب الثالث يؤسس لللادولة عن طريق تدمير اركانها واستنزاف صلاحياتها وسلطها بواسطة آليتين: الاولى انتزاع الكثير من صلاحيتها لفائدة الاحزاب باسنادها لهيئات تدعى مستقلة تشكلها هته الاحزاب وتعمل لفائدة هته الأخيرة، أما ما تبقى للدولة من صلاحيات فقد قام دستور 2014 بتوزيعها بين ثلاث سلط متنافرة ومتقاتلة فيما بينها وهي البرلمان ورئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وكلنا يتذكر تلك العلاقة العدائية بين البرلمان الذي تتحكم فيه النهضة وبين الباجي قائد السبسي ويوسف الشاهد.
دستور 2014 أو بالأحرى دستور النهضة إعتمد على سياسة فرق تسد وعلى تهشيم الدولة عبر تفتيت سلطها حتى تتمكن فئة قليلة من الانتصار على فئة كثيرة.
وقد مكنها هذا الدستور وتنظيمها للسلط من الولوج لكل دواليب الدولة والسيطرة التامة على جميع مؤسساتها وعلى التحكم في المساجد والمؤسسات التعليمية والثقافية وعلى خونجة المجتمع دون الحاجة الى سن فصل في الباب الأول من دستورها ينص على كون الشريعة مصدرا للتشريع ودون ان توقفها احكام هذا الباب التي تنص على حرية الضمير والمعتقد.
ان الحقوق والمكتسبات لا تتحقق بنصوص دستورية بل يحددها الحاكم بأمره عن طريق رسم سياسة تعليمية وثقافية ينفذها بنفسه قد تحملنا نحو العلم والتطور او تحملنا نحو الجهل والظلمات.
ولهذا السبب بالذات فإهتمامي بدستور هذا او ذاك ينصب أولا و أخيرا في الباب الثالث منه والباقي مجرد احلام يقظة اعلم جيدا كونها مجرد أوهام.
وهنا لا مجال لنا سوى الإختبار بين دولة مستبدة و فوضى “ديمقراطية”
وللحديث بقية….

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى