تحاليل

السيناريوهات الأربعة المرتقبة لتطور الأوضاع السياسية في أفق نهاية 2022  

علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي

 

** تمهيد

  • الكارثة التي اوقعتنا فيها النخب السياسية والاجتماعية بيمينها ويسارها هي أنها قلصت حدود الفعل الداخلي التونسي في اتخاذ القرار – والذي لم يكن يوما من الأيام تونسيا مائة بالمائة منذ 1956 – والدليل هو حديث الرئيس والمرحوم الباجي قائد السبسي عن المسؤول الكبير في افريل 2011 وفي ديسمبر 2015 – وهي عبارة واسعة تلخص أن هناك فاعلين دوليين واقليميين يكيفون اتخاذ القرارات المصرية والكبرى في كثير من المجالات والمساحات- وذلك الأمر لا يقتصر طبعا على الساحة التونسية بل يتعداه لكثير من الدول العربية والافريقية والآسيوية منذ خروج المستعمر الغربي لليوم وربما لم ينتبه الكثيرون لكلام قاله وزير الداخلية الأسبق في عهد الرئيس السابق الحبيب بورقيبة “أحمد بنور” عندما قال في برنامج “شاهد على العصر” منذ سنوات “عندما كان البعض يعتقد أننا اقرب للفرنسيين في كثير من الملفات وبعض التوجيهات منهم كنا في الحقيقة أقرب للأمريكيين في ذلك الأمر..”، وبالعودة لما جنته علينا النخب في كل مجالات الفعل السياسي والثقافي والاجتماعي بعد الثورة أنها أبقت البلد في مربعات التجاذب السياسي والايديولوجي وزاد الأمر تعقيدا مع بداية 2021 فعوض القبول بحوار تونسي/تونسي – وهو ما دعت اليه المنظمة الشغيلة في أكثر من مرة بين جانفي وجويلية- وعوض دعم عقلية التوافق التي تمت في بداية 2015 تم ترذيلها كفكرة وها نحن اليوم أمام مساحة للإقليمي والدولي بنسبة تقارب الـــــــــ 80 بالمائة مقابل مساحة بـــ20 بالمائة للفعل السياسي الداخلي وتفاصيل تطوراته، وهو ما يعني قلب المعادلة التي كانت قائمة في جانفي 2021 حيث كانت مساحة المحلي كبيرة وواسعة (بينما يبقى في ذمة التاريخ تحديد نسبة تلك المساحة في حقبتي الرئيس بورقيبة والرئيس المخلوع زين العابدين بن علي وأيضا في مرحلة 2011 -2019).
  • الحقيقة أن ما جرى ويجري في الإقليم ودوله وخاصة في الشرق الأوسط وشمال وغرب افريقيا تحديدا خلال السنوات الماضية تربطه خُيوط ناظمة مرتبطة أساسا بتنزيل استراتيجيات طويلة المدى مع مرونة كبيرة في التفصيلات مرحليا وعبر سياسة التفاعل مع موازين القوى ودراسة رُدود الأفعال وآليات احتوائها في كل ملف وكل دولة على حده، وقد تكون زيارة “بايدن” المرتقبة خاتمة وتتويج لتلك الترتيبات واذن بالمُضي فيها، وما سبق ذكره لا يَعني أبدا عدم وجود صراع خفي ومحتدم بين سيناريوهات عدة وأن بعضها قد يسقط في خضم التفاصيل رغم كل ما يوفر له للتجسد  وهو ما سيطبق على الحالة التونسية تمام الانطباق بحيث أن الحل تونسيا سيكون انعكاس للسيناريو المنتصر والقابل للتجسيد  وهو أمر اكدناه في مقالات سابقة قبل وبعد حركة/انقلاب 25-07-2021

 

  • بناء على كل ما سبق فانه من المهم التساؤل حول شروط تجسد أي من السيناريوهات الأربع المرتقبة واقعيا في أفق نهاية 2022، ومعلوم أننا قدرنا في قراءات سابقة أن تلك السيناريوهات كانت تقارب الــــ11 ــسيناريو (مقال لنا في ديسمبر 2021) وأنها تقلصت الى ست سيناريوهات (مقال لنا في نهاية ماي الفارط)، ونقدر اليوم أن تلك السيناريوهات اليوم تختصر في أربع مرتقبة مستقبلا وهي:

 

  • السيناريو الأول، ويتمثل في “فشل تنظيم الاستفتاء” مما يعني سقوط الانقلاب بغض النظر عن شكل وتفاصيل رحيل منظومته…
  • السيناريو الثاني، ويتمثل في قدرة “سعيد” وحكومته على المضي في الاستفتاء مقابل عدم القدرة لاحقا على المضي في خارطة الطريق…
  • السيناريو الثالث، ويتمثل في حدوث أزمة أخرى قبل أو عشية انتخاب برلمان جديد وتغير المعطيات دراماتيكيا…
  • السيناريو الرابع والأخير، ويتمثل في قدرة السلطة الحالية على تنزيل كامل مشروعها حتى سنة ..

 

  • مقال الحال يُفكك تلك السيناريوهات الأربع سالفة الذكر ويستقرأ شروط وأرجحية أي منها على الآخر وظروف سقوط كل منها من حيث التجسد في علاقة بالتطورات المحلية والإقليمية والدولية…

 

 

 

** السيناريو الأول  

  • أولا، واقعيا لا يُمكن لأي طرف استقراء الأوضاع في تونس استقراء صحيحا وموضوعيا بناء على ارتباطها بالسيناريو الإقليمي والدولي الأرجح– وهو أمر أطنبنا في الحديث عنه في فقرة التمهيد أعلاه-كما أن مكونات المشهد السياسي تبدو في حالة تراجع كلي لأبجديات فعلها وقدرتها على التأثير (جبهة الخلاص – النهضة – الاتحاد – بقية مكونات المجتمع المدني – الحكومة الحالية – مربع المكونات السياسية المساندة لمنظومة 25-07 افرادا كانوا او مؤسسات – جبهة الأحزاب الديمقراطية والاجتماعية الخمس- “الدستوري الحر” وبعض حلفائه والمناكفين له من داخل العائلة الدستورية- الفريق الاستشاري للرئيس “سعيد”…)
  • ثانيا، مثلما أن الرئيس “سعيد” وحكومته عَقَّدوا الأمور على أنفسهم عبر ترك مساحات للوظيفيين من المنظومة القديمة لإدخاله في مطبات كثيرة وخاصة في الملفين الاجتماعي والحقوقي، فان المعارضة لم تستطع التوحد لأسباب تاريخية عدة (ضعف وطبيعة البُنى التنظيمية – استبطان الخصومة واستئصال الآخر السياسي في الباطن الفكري والسياسي لمناضليها)، أما السبب الثاني فهو نجاح أطراف اقليمية في تضخيم مساحة التجاذب الأيديولوجي بين الأحزاب التونسية وهو أمر  أربك بقوة قُدرة المعارضة على ترتيب أولوياتها وخاصة السياسية منها وهو ما جعل بعضها يضع خصمه السياسي على رأس قائمة الأعداء وتحديدا قبل الاستبداد وقبل خطر عودة الدولة البوليسية…
  • ثالثا، ستكون الساعات والأيام القادمة محددة في قدرة أي طرف (معارضة – سلطة) على كسب المعركة لصالحه من عدمه فالنظام القائم اليوم (“سعيد” وحكومته وحلفائه) في وضع لا يُحسدون عليه فالدستور الجديد غير مقنع لا كمبررات ولا كمضمون ولا الحوار ضم مكونات معتبرة سياسيا واجتماعيا، ولا الخطاب مقنع لا شكلا ولا مضمونا رغم السيطرة على الاعلام العمومي وتوجيه مبطن للإعلام الخاص، ومقابل ذلك بقيت المعارضة وقوى الفعل التي هي ضد خيارات “سعيد” غير قادرة على كسب الراي العام رغم أنها تمتلك ملف اجتماعي بين يديها وهو ملف حارق – وهو ملف قد يغير المعادلات أولا وثانيا قد ينفجر في أي لحظة ويعطي زخما كبيرا في حسم تجسد السيناريو من عدمه- (أي تحديدا في ذهاب منظومة 25-07 ورحيلها بغض النظر عن الشكل والآليات)، وفي تلك الحالة سيسقط الاستفتاء رغم أن معالم السقوط لن تتوضح وتتجسد من عدمه الا مع بداية جويلية/يوليو القادم رغم أن الانطباع السياسي الكلاسيكي يشير الى ان حسم المعركة سياسيا قد يتوضح مع نهاية الأسبوع الحالي وبداية الأسبوع القادم….
  • رابعا، بدون الدخول في التفاصيل، فان القوى الصلبة لم ولن تتدخل الا بمهنية عالية وستصطف دوما مع خيارات الشعب التونسي ومن سيستميله سياسيا ومن حيث جنوحه لخياراته فستصطف تلك القوى معه، كما أن الاختراقات الفكرية والسياسية والإعلامية متبادلة بين منظومة سلطة الامر الواقع ومعارضيها ورغم أن المعارضة مستعدة للحوار والسلطة رافضة له بالشكل الذي تُريده المعارضة (جلوس الجميع على طاولة الحوار على قاعدة دستور 2014 وبدون شروط مسبقة)، وكل ما سبق يَعني أولا وأخيرا ان السيناريو الأول لا تتجاوز نسبته الــــ 20 بالمائة، وهي نسبة قد تتقلص كلما تقدمنا زمنيا في اتجاه تاريخ 25-07 ولكنها قد تتنامى كلما حديث تطورات مهمة خاصة وان “سعيد” قد فتح على نفسه جبهات عدة على غرار “القضاة” و”الاتحاد” و”الاعلام” و”معارضيه الفعليين سياسيا” (الدساترة – اليسار – الإسلاميين – شخصيات ليبرالية وأخرى مستقلة)

 

** السيناريو الثاني

 

  • أولا، وقعيا يتمثل هذا السيناريو في قدرة الرئيس “سعيد” وحكومته ومنظومته ومسانديه على المضي في الاستفتاء مقابل عدم القدرة لاحقا على المضي في خارطة الطريق، وهو سيناريو متربط بالتطورات في الإقليم أساسا وفي مدى تنامي تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية وميل الطرف الدولي مثلا للاستقرار على حساب التجربة الديمقراطية التونسية وقدرة منظومة الحكم الحالية أيضا في تحسين علاقاتها مع الجزائر من عدمه وخاصة في معالجة ملفات هي محل قلق الجزائريين في الملف التونسي…
  • ثانيا، مشكلة الرئيس “سعيد” ومنظومته أنها ارتكبت أخطاء قاتلة في الــــــــــــــــ11 شهرا الماضية وانها حاصرت نفسها في الداخل والخارج وانها اليوم انها امام معادلة التطبيع فإما ان تقبله -وذلك أمر صعب عليها-(لطبيعة اجماع التونسيين على رفضه وبعض مكوناتها وداعميها السياسيين يزايدون برفضه)، وان رفضته ستدفع ضريبة ذلك ولن تستطيع الخروج من مربعات عزلتها الحالية…
  • ثالثا، هامش فعل المعارضة وان كان سيكون ضعيفا ما بعد 25-07 الا أنها ستكون في وضع مريح وخوض اشكال جديدة وستقع اصطفافات جديدة وفقا للتطورات الجارية محليا وإقليميا وسيصبح توازن الضعف قائما (وهو بالأحرى توازن قوى) وهو سيتشكل من المحلي للإقليمي في اتجاه الدولي، وسيكون المعارضين في وضع أفضل لو استطاعت إبقاء القضاة والمجتمع المدني وأساسا “الاتحاد” ضمن مربعاتهم الواسعة وخاصة في حالة التقت الجبهتين السياسيتين المعارضتين في مساحات بعينها خاصة وأن “الدساترة/التجمعيين” سيدخلون في مربعات جديدة بناء على نية بعض مكوناتهم القيام بمبادرات سياسية في ظرف أسابيع قد تتمحور حول شخص مقبول سياسيا من طرف منظومة الثورة – لا كبديل بالضرورة بل كحليف مرحلي وربما استراتيجي لمرحلة الانتخابات الرئاسية سواء في 2024 أو في أي انتخابات رئاسية سابقة لآوانها- …
  • رابعا، من السابق لأوانه الحديث عن نسبة تجسد هذا السيناريو راهنا ولكن نسبته الحالية هي الأكثر ورودا من حيث الأرقام وهي نسبة تقارب الــــــــ 35 بالمائة، وعمليا ستكون ترتيبات الملف الليبي محددة في الوصول اليه كسيناريو وفي تجسده واقعيا وفي تريب الملف الليبي في تناغم ما بين الخيارين الدولي والإقليمي…

 

** السناريوهين الثالث والرابع

 

  • أولا، يتمثل السيناريو الثالث في حدوث أزمة أخرى قبل أو عشية انتخاب برلمان جديد وتغير المعطيات دراماتيكيا (ربما 7 نوفمبر2)، بينما السيناريو الرابع والأخير في قدرة السلطة الحالية على تنزيل كامل مشروعها حتى سنة 2024 وفي كلاهما تكون المنظومة القديمة – لا قدر الله- قد أحكمت سيطرتها على مربعات منظومات الثورة أولا وثانيا تكون قد وضعت الرئيس “سعيد” ضمن مجال ضيق من حيث الخيارات ومن حيث الفعل والتأثير، ورغم أنها لم ولن تستطيع غلق قوس الثورة ولا المس من الهامش الأكبر من المسار الديمقراطي بسبب قوة مجسدات الثورة  أولا والتي يعتقد البعض في ضعفها نتاج عدم رؤيته للأمور من مربعات عدة وثانيا بسبب أن المنظومة القديمة نفسها ستصل لزمن السيناريو الثالث ضعيفة ومنهكة ومنقسمة على نفسها (ستجد نفسها في مربع نداء تونس سنة 2016).

 

ثانيا، الحديث عن شروط تجسد كلا السيناريوهات أقرب للتنجيم السياسي منها للواقعية سياسيا واجتماعيا ذلك أن كل المعادلات ستصبح بين قوسين مقارنة بما هي عليه الآن ذلك ان “حركة النهضة” وكل الفاعلين السياسيين سيجدون أنفسهم امام مطبات التعاطي بواقعية مع المستجدات الجارية في الإقليم وفي الساحة الاجتماعية وأيضا في مربعاتهم التنظيمية الداخلية وهو أمر ينسحب على “الاتحاد” وكل مكونات المجتمع المدني أيضا وكما بيَّنا في مقال حول التطورات في الإقليم فإن كثير من الاستراتيجيات ستتغير وكثير من المعادلات ستسقط وأخرى ستجد طريقها للتجسيد، ونسبة كل من السيناريوهين ستكون ضعيفة مقارنة بالآخر ونعتقد أن السيناريو الثالث أكثر ورودا في حال تم ترتيب سياسي توافقي للملف الليبي ( في هذه الحالة السيناريو الثالث نسبته 30 بالمائة وستكون نسبة الرابع هي 15 بالمائة لا غير)، بينما لو بقيت الساحة الليبية مفتوحة على مربعات المعارك المحلية والدولية (ساحة لمواجهة روسيا مثلا) بالتوازي فان نسبة السيناريو الثالث هي 20 بالمائة فقط بينما ستكون نسبة السيناريو الرابع هو 25 بالمائة

 

المصدر: الراي العام عدد 261 بتاريخ 23 جوان 2022

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى