تحاليل

 ماذا قد يجري في رحاب اتحاد الفلاحين في أفق المؤتمر القادم 

في ظل دعم شبه رسمي للانقلاب على الشرعية داخله

الرأي العام -ثريا بن محمد

 

مثلت الخطوة الانقلابية لعضو المركزية في اتحاد الفلاحين “نورالدين بن عياد” مرحلة جديدة في استهداف المنظمة التي عجز “السيستام” تاريخيا على تطويعها ووضعها ضمن مربعاته لا في منتصف الخمسينات ولا في منتصف السبعينات من القرن الماضي ولا بعد ثورة الحرية والكرامة (2011-2021) باعتبار أن الرئيس المخلوع اعتمد منطق الاحتواء الناعم والتطويع – وهو منطق تم اعتماده مع كل المنظمات والجمعيات- ومعلوم أن كثير من منظوري النظام السابق و”السيستام” عموما لم يهضموا حتى الآن بقاء المنظمة خارج سيطرتهم وتصدر مناضل ضد الاستبداد لقيادة المنظمة والتي استطاعت منذ 2012 بعث ديناميكية اتصالية خاصة بها ( موقع الكتروني تفاعلي – صفحات نشطة وتفاعلية على الشبكات الاجتماعية – صحف ودوريات مختصة  – راديو “الفلاح”…)، ولكن كيف يمكن ان يتطور الوضع داخل أسوار المنظمة وفي هياكلها المحلية والجهوية في أفق المؤتمر القادم خاصة وأن الوضع في البلاد مفتوح على كل الخيارات والسيناريوهات ذلك أن مستقبل المشهد السياسي وان سيرتبط بقوة المجتمع المدني والسياسي وصراعه مع منظومة 25-07 فانه   مرتبط أيضا وأساسا بديناميكية الإقليم ورؤية الفاعل الدولي وتنزيل استراتيجياته في الشرق الأوسط وشمال افريقيا؟

 

  • يوضح كتاب “الوطن والصمود” لرئيس المنظمة الفلاحية الأولى في البلاد (والتي تأسست في اربعينات القرن الماضي)، قصة ودور المجتمع المدني الفلاحي في معركة التحرر الوطني وقصة اصطفافه بداية الخمسينات، ومعلوم أن “المولهي” – اصيل سليانة-هو الوحيد من زعامات المنظمات الوطنية الذي وقف مع خط “الأمانة العامة” (بقيادة “صالح بن يوسف)، وطبعا لم يغفر “بورقيبة” ذلك الموقف وحل المنظمة وجمدها لمدة عقدين بل ودعم تأسيس منظمة موازية قبل إعادة نشاط المنظمة الرئيسية بعد سنوات وضمها لحضيرة الحزب وخاصة في مرحلة “محمد غديرة”، وعلى عكس اتحاد الأعراف والذي عرف زعيمين فقط طيلة 5 عقود فان اتحاد الفلاحين (واسمه الرسمي “الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري”) قد تزعمه العديد من الشخصيات الوطنية سواء قبل الاستقلال او أثناء الحقبة البورقيبية أو لاحقا خلال حقبة الرئيس المخلوع…

 

  • بعد الثورة عقدت المنظمة مؤتمرين اثنين وتم تشكيل مركزية بشكل ديمقراطي وتم توسيع أنشطة المنظمة وأصبحت المنظمة أكثر مقبولية اجتماعيا وسياسيا بل وحتى شعبيا، ورغم تأسيس نقابة الفلاحين غداة الثورة ودعم جزء من “السيستام” لها(معلوم أنه تم تأسيس منظمات موازية خاصة بالأعراف والقضاة وفي كل مجالات فعل المجتمع المدني بناء على السماح بالتعددية النقابية)، ولكن اتحاد الفلاحين بقي المنظمة الأكثر فاعلية والأكثر امتدادا في العمادات والمعتمديات والولايات وفي القرى والأرياف بل وتحولت المنظمة لقوة اقتراح وفعل وتأثير، ورغم استثنائها من إدارة الحوار الوطني لأسباب لا يزال بعضها غير معلوم للرأي العام فإن فعلها السياسي والإعلامي قد توسع وخاصة على المستوى الأفقي ورغم استهداف مربعات “نداء تونس” قبل 2014 للمنظمة فإنها بقيت منظمة متماسكة داخليا رغم وجود تيارين داخلها ومن ثم تم حسم الملفات الخلافية بطريقة ديمقراطية وبعيدا عن الأيديولوجيا والدليل ان “عبدالمجيد الزار” وهو رئيس المنظمة راهنا قد تحالف قبل المؤتمرين السابقين مع جناح دستوري وبعض المستقلين ضد التيار الأقرب اليه فكريا خاصة وانه كان إسلاميا اثناء فترته الطلابية (وهو أحد السجناء السياسيين في حقبة المخلوع) وقد مكنت تلك الصراعات وآليات الحسم فيها بشكل ديمقراطي قوة انطلاق جديدة للمنظمة مكنتها من فتح مساحات فعل لمنظوريها والدفاع عن مكتسبات الفلاحة التونسية بل وتبوأ “الزار” من ورائه المنظمة لمواقع قيادية عربيا وافريقيا وعالميا واصبح وجود مجتمع مدني فلاحي أمرا معلوما للجميع بل وتجاوز تأثيره مربعات الفلاحين واصبح قوة مدنية لها رؤيتها ومقترحاتها وتأثيراتها سياسيا واجتماعيا وقد تم طرح رئيس المنظمة كمرشح لرئاسة الحكومة في نوفمبر 2019 ومن طرف قوى سياسية مختلفة بل أن المنظمة أصبحت حاضرة في كل مربع الاستشارات واللقاءات في كل ثنايا التطورات السياسية…

 

  • داخل أروقة المنظمة وجدت صراعات وخلافات والأكيد والطبيعي أن “الزار” قد ارتكب أخطاء تقديرية مثله مثل كل قيادات المنظمات وخاصة في أجواء الحرية والشفافية، ولكن المنظمة استطاعت البناء على تقييمات موضوعية تجاوز تلك الاخطاء بل وأطرت تلك التقييمات والمراجعات بقرارات اتخذت لاحقا للحد من تداعيات الاخطاء وآثارها وهو ما جلب للمنظمة وبداية من سنة 2021حنق البعض عليها وخاصة من بارونات السيستام والذي لم يغفر لها أسلوبها الديمقراطي أولا إضافة الى رواسب التاريخ التي أشرنا اليها أعلاه، وان رفض كل من “المرزوقي” و”السبسي” التدخل في شؤون المنظمة أو الضغط على قياداتها الا أن البعض من ذوي العقلية الانقلابية ومن داخلها قد ألبوا عليها كثير من السياسيين وقبل ذلك حاول البعض سنتي 2014 و2015 ارباكها من الداخل ولم ينجحوا، ورغم أن البعض من قياديي المنظمة قد ردوا بلطف على الرئيس “سعيد” بشأن بعض اتهامات للزار اثناء استقبالهم في قصر قرطاج وخاصة في موضوع يخص توزيع السلع الفلاحية الرئيسية في جهة بنزرت، والحقيقة انه ومنذ  25-07 تم توجيه اتهامات مغرضة للزار وبعض قيادات المنظمة وتم الترويج ان هناك قضايا مفتوحة ولكن لم يظهر أي شيء ولم تتم انارة الرأي العام قبل ان يتبين انها اتهامات باطلة بل ومجرد بالون اختبار ، وليظهر لاحقا عضو المركزية الفلاحية “بن عياد “معلنا بوضوح تبنيه للعقلية الانقلابية ولينطلق الصراع بين قيادات تتبنى الشرعية وبين قيادات توخت عقلية الانقلاب مستنصرة بانها مدعومة رسميا ورغم عدم صدور موقف رسمي معلن الا ن” بن عياد” ردد انه مدعوم من طرف الرئيس سعيد نفسه، وتم لاحقا التجاذب على قيادة المنظمة وكل يدعي الشرعية وتدخلت قوات الامن في المقر المركزي في أكثر من مناسبة الا ان المجلس الوطني حسم الامر واقر شرعية قيادة “الزار” في ما واصل “بن عياد” الادعاء انه مكلف رسميا بقيادة المنظمة…

 

  • واقعيا انتهجبن عيادالمنهج الانقلابي فهو لم ينتخبه مؤتمر ولا دعمه مجلس وطني ولا استطاع الدعوة لمؤتمر استثنائي، ومقابل ذلك استطاع الزار استرجاع مكتبه واستطاعت القيادات المركزية الثبات على قراراتها التي اعلنها المجلس الوطني منذ أسابيع وهو ما يعني ان الوضع الان في حالة تجاذب بين رؤيتين في انتظار تطور الأوضاع في البلاد وخاصة في ظل المعركة المفتوحة بين الاتحاد والحكومة والسلطة من جهة وبين القضاة ورئاسة الجمهورية من جهة ثانية، ولم تسند المنظمات الوطنية خطوات بن عيد بل تحفظت عليها وان في صمت وقد بعث “الطبوبي” مثلا وعبر التلميح برسالة واضحة عبر القول أن لا شأن للوزارات ( العدل – الداخلية) بالمنظمات وانشطتها وقوانينها الداخلية، كما أن ترنح الانقلاب على اتحاد الفلاحين يعني فرملة أي محاولة انقلابية أخرى على قيادة أي منظمة وقد تأجلت مثلا جلسة الاتحاد العام التونسي للشغل بناء على اضراب القضاة ولكن أيضا باعتبار ان الانقلاب لم يمر في اتحاد الفلاحين…

 

  • طبعا الوع غر مريح في اتحاد الفلاحين وخاصة في ظل دعوة بن عياد للحوار الوطني الرسمي كما ان كثير بل واغلبية هياكل المنظمة هي مع الزار حتى اشعار آخر وفقا لتطورات الوضع في مركزية المنظمة وانتظار تداعيات ما يجري في البلاد وما سيترتيب على معركة السلطة مع المنظمة الشغيلة ( اضراب 16 جوان) ومع القضاة ( دخلوا اسبوعهم الثاني للرد على عزل 57 منهم بل ان قاضي الهيئة الانتخابية استقال تضامنا مع زملائه)، وكل ذلك يعني ان الوضع سيبقى مفتوحا على كل الخيارات في افق الأسابيع القادمة وبالتالي قد يتغير الكثير الكثير قبل سنة من الآن أي في افق عقد المؤتمر القادم للمنظمة الفلاحية وستكون الحسابات مفتوحة محليا وجهويا ومركزيا كما ان المحددات هي سياسية بالأساس وقضائية أيضا لان القضاء سيكون فاصلا بين بن عياد وحلفائه وبين الزار والقيادة الحالية للمنظمة، ويظهر ان مؤثرات الفعل السياسي والتاريخ ستكون حاضرة من جديدة في فعل الاتحاد الممثل للفلاحين وهو أمر توقعه الحبيب المولهي في كتابه عند إصداره في نهاية ثمانينات القرن الماضي وهو الكتاب الذي ارخ لعلاقة الفلاحين بحركة التحرر الوطني كما ارخ للصراع اليوسفي البورقيبي…

 

  • الخلاصة أن تداعيات انقلاب/حركة 25-07-2021 على البلاد كانت كبيرة جدا وأنها على “الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري” كبيرة جدا وقلبت معادلة الفعل داخلها وان فشلت محاولة توريط “الزار” في ملفات بعينها بعد توجيه اتهامات كبيرة له ولقياديي المنظمة ومحاولة ترذيلها إعلاميا، الا ان خطوة ضربها من داخلها وان رجتها وبقوة فإنها لم تحقق حتى الآن أهدافها، ويظهر انها كانت محاولة اختبار وجس نبض لضرب باقي المنظمات وفقا لسيناريو يتحدث عنه كثيرون (عبر قولهم ان الأحزاب قد تكون مرحلة أولى وان المنظمات هي لمرحلة الثانية)، وان تشير المعطيات اليوم أن المشهد السياسي اليوم متطور فان الثابت ان المتغيرات كثيرة وان سيناريو صمود المجتمع المدني والسياسي في وجه الاعصار قائم وقوي في انتظار ديناميكية وتطورات الإقليم ومربعات الفاعل الدولي في ظل ما يجري في أوكرانيا والخليج والشرق الأوسط وشمال افريقيا وكل ذلك ستكون تداعياته دراماتيكية لا على المنظمة الفلاحية فقط بل على كل البلد….                           

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى