تحاليل

“الاتحاد العام التونسي للشغل” واضراب 16 جوان وأسئلة النضالية والمبدئية والحيادية

علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي

           مَهمَا قيل حول “الاتحاد” وفعله السياسي والاجتماعي من آراء ناقدة  له فان ذلك لم ولن يُغيّب أبدأ أنه أهم شريك اجتماعي في تونس المعاصرة، وقد يختلف الفرقاء في تقييم مسيرة “الاتحاد” وخاصة خلال السنوات الماضية ولكنهم لن يختلفوا أبدا حول دوره الوطني وأنه مؤهل دوما ليكون خيمة جامعة لكل الأطراف – بغض النظر عن انتماءات كل منها سواء الفكرية أو السياسية –  كما أن هناك حقيقة أخرى ثابتة لا يُنكرها إلا جاحد وهي “أنه عصي عن التطويع والاحتواء أو التوجيه لصالح الغير وأنه لا يمكن أن يكون وظيفيا لأي طرف محلي ولا لأي ذراع إقليمي ولا لأي طرف دولي بغض النظر عن طبيعة أجهزة أو اخطبوط ذلك الطرف وهويته…”، والسؤال الذي قد يجاب عنه اليوم تحديدا – أي يوم الاضراب العام تحديدا-  هو مدى مبدئية ونضالية وحيادية “الاتحاد” بسبب كنه وطبيعة ما يحدث في المشهد السياسي الحالي وهو مشهد متحول وخاصة في ظل تسارع الأحداث وكثرة الوقائع وتداخل المحلي والإقليمي والدولي نتاج المتغيرات الجيوسياسية دوليا وفي المنطقة ككل وطبيعة الاصطفاف السياسي في تونس منذ 25-07-2021؟

** حول طبيعة الاضراب العام   

  • أولا، ومن حيث شرعية الاضراب فهو اضراب معلن عنه منذ أشهر وهو أيضا اضراب قائم بسبب تعنت الحكومة وتلكأها في الغاء الفصل 20 وفي عدم الاستجابة لمطالب عادلة وفي ظل عرضها الهزيل اثناء الجلسة الصلحية (مساء الأثنين 13-06-2022)، والأكيد أن “الاتحاد” وهو يُقر الاضراب العام لم ولن يفكر بطريقة صبيانية بمثل تلك الصبيانية السياسية التي سأل بها أحد أشباه المحللين في قناة خاصة تعليقا وتعقيبا منه على أحد أعضاء المركزية النقابية، لأن “الاتحاد” حتى وان عاش مرحلة التطويع الناعم في مرحلة الرئيس المخلوع فالأكيد أن قياداته المركزية واليوم تحديدا هي نتاج نضالية ومبدئية وليس مثل طفيليات سياسية متطرفة تم غرسها في مقرات “التجمع” وبعض مكاتب أجهزة المخلوع…
  • ثانيا، الاضراب هذه المرة ليس سياسيا، وان كان من حق المنظمة مثلما أكد “الطبوبي” ان يدعو الى اضراب عام سياسي، بل أن اضراب 16 جوان هو إضراب اجتماعي الطبيعة والتفاصيل، والهدف منه هو مطالب القطاعات والجهات بناء على عدم تفعيل اتفاقات سابقة وموقف الاتحاد المبدئي بعدم المضي في الاجراءات الثلاث المؤلمة (رفع الدعم – تجميد الأجور – بيع المؤسسات العمومية للخواص)، وهذه الأخيرة هي اجراءات لو تم المضي فيها، فستؤدي الى تدمير المجتمع التونسي ودهس الطبقة الوسطى -هذا لو افترضنا انها ليس في مرحلة 2 للانقراض…
  • ثالثا، يربط الكثيرون بين الاضراب العام في القطاع العام وبين رفض المنظمة الشغيلة للمشاركة في الحوار السياسي وهو ربط مسموم أولا لأن الاضراب قائم على حقائق وتعطل ملفات اجتماعية كما أكدنا ذلك أعلاه وثانيا لأن “الاتحاد” ليس مسؤولا على ما يجري في الساحة السياسية من التباس وغلق لباب الحوار وتجريم للسياسة وترذيل للفاعلين السياسيين، والحقيقة أن سلطة الامر الواقع هي من جمعت كل السلطات في قرطاج وهي من عطلت سير كل السلط وجعلتها في سلة واحدة – وأي سلة انها سلة الحصار والتعليق والتدجين – والثابت أن “الاتحاد” قدم منذ 2020 مبادرة للحوار بمربعاته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وأن من عطله هي مؤسسة الرئاسة أولا وأخيرا ، وهي أيضا من حجمت دور القصبة وأن سكريتاريا الحكم في القصبة هي من عطلت الحوار مع النقابات ومع الأطراف الاجتماعية بل وسنت وابتكرت المنشور ..     

** سؤال نضالية المنظمة الشغيلة       

  • أولا، لا يمكن لأي طرف دارس لتاريخ تونس المعاصر أن يدعي ان “الاتحاد” ليس طرفا مناضلا منذ مرحلة التحرر الوطني فقد ساهم “حشاد” في دعم الحزب الدستوري (قبل انشقاقه الى كتلتين متصارعتين ومتقاتلتين)، ولقد ساهم الشيخ “بن عاشور” و”حشاد” في لقاءات وفعاليات الحركة الوطنية ودفع “بن صالح” و”الفيلالي” و”عاشور” وعشرات النقابيين فاتورة الاستبداد والتسلط بين عقدي الخمسينات والثمانينات، كما دفع نقابيون أثمان كثيرة بأن تم اقصائهم وحصارهم اثناء حقبة الرئيس المخلوع، واليوم يقف “الاتحاد” نفس المواقف في رفضه حوار صوري وشكلي وعلى المقاس كما هو مستعد أن يحافظ على “الشقف” (وبنفس معنى مقولة “حشاد” امام الباي)، عبر هذا الاضراب العام والتاريخي دفاعا عن المجتمع وحتى لا تلتهمه الدولة من جديد مثلما فعلت في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات وهو لم لن يمضي على أي إجراءات مؤلمة وخاصة وانها مملاة من طرف المؤسسات النقدية الدولية وان ذلك لن يتم إلا بعد تقدير جماعي وتوافق وطني…
  • ثانيا، العمل النقابي وان كان متداخلا مع الفعل السياسي فانه يبقى فعلا نضاليا يتطلب التضحيات والاضراب العام هو أكبر اختبار لتلك النضالية، ولعل قول الطبوبي أخيرا ان “من سيغلق مقرات الاتحاد لم يوجد بعد ولم تلده امه بعد” هو فعل اتصالي (اعلامي وسياسي) ظاهرا ولكنه نضالي أيضا ويغلق باب المزايدات كما يُبين أن الخطاب السياسي للاتحاد ليس في حالة تراجع بل هو في وضعية ثبات ونضالية…

** سؤال الحيادية

  • أولا، “الاتحاد” أكد مرارا انه يقف على نفس المسافة من الأطراف السياسية التي تبحث عن مربعات الحكم أو المعارضة وليس معنى ذلك انه ليس من حق مؤسساته اخذ موقف سياسي أو مربع تموقع في كل قضية وفي كل ملف وطني وفقا لطبيعة المرحلة وعلاقته بالاجتماعي لأنه أولا وأخيرا هو من يدافع عن مصالح منظوريه مثلما يتبنى خيارات وطنية للدفاع عن المجتمع أولا وعن الدولة ثانيا، وسيكون الاضراب العام اثبات جلي انه محايد سياسيا بين السلطة ومعارضيها (الجبهات الثلاث للمعارضة: الخلاص – الديمقراطية الاجتماعية – حلفاء “الدستوري الحر”)، وأنه يمثل خيار آخر اقرب للاجتماعي منه للسياسي…
  • ثانيا، لقد أعطى “الاتحاد” لجبهة الرئيس ومسانديه الوقت الكافي وساندهم في أكثر من مربع (دعم سياسة عدم العودة للوراء – دعم فكرة إحداث الرجة المطلوبة اجتماعيا –القطع مع التجاذبات المقيتة سياسيا وايديولوجيا)، وأعطى “الاتحاد” فرص ومساحات للرئاسة من اجل توافق وطني جامع وقد ألغى “الطبوبي” مثلا  لقاءات تلفزية مباشرة في مناسبتين من أجل عدم التشويش على مربعات حوار مع الرئيس متناسيا الرسائل السلبية التي وجهتها مؤسسة الرئاسة له في أكثر من خطاب ( لا خارطة ولا حوار – اختاروا خيارا حتى رابعا وخامسا- كسر العظام….)، وسيكون الاضراب العام اختبارا لحيادية المواقف واهميتها في توجيه رسائل عدة للجميع…
  • ثالثا، سارع كثير من أعضاء “الشعب المهنية” (خلايا التجمع في الإدارات وبعضهم من كاتبي التقارير) وممن كانوا يرصدون الإضرابات في عهد المخلوع من التخلي عن صفاتهم الحزبية سنة 2011 وأصبح بعضهم نقابيين وخاصة على المستوى القاعدي قطاعيا وجهويا، وسيكون الاضراب مقياسيا أن لا يكون بعض أولئك مخربون للأضراب وخاصة في قطاعات بعينها وقد حذر “الطبوبي” في كلماته الأخيرة وبشكل عام من ذلك بالتالي سيكون الاضراب مقياسا لشعبية “الاتحاد” كمنظمة محايدة سياسيا خاصة وان بعض ما يسمى بالتنسيقيات قد عمدت الى نشر خزعبلات وتشويهات واشاعات ضد المنظمة وضد الاضراب العام ولعل عمد بعضهم لضرب صورة ملونة للطبوبي وبتلك الشكل الهستيري ونشره في فيديوهات تم نشرها، هو حدث أكبر من أن تُغيَّب رمزيته…

** سؤال المبدئية

  • أولا، تنفيذ “الاتحاد” للإضراب العام هو أول اختبار لمبدئيته، ولكن الاختبار سيكون في نسبة نجاح الاضراب العام وفي آليات تنفيذه وطبيعة الخطاب الذي سيوجهه “الطبوبي” اليوم من مكاتب المقر المؤقت الحالي للمنظمة (في شارع الولايات المتحدة بالعاصمة في البلفدير)، كما أن المبدئية ستُختبر في القاطعات والجهات خاصة وان بعض مكونات ستبقى مصرة على ان الاضراب هو أولا وأخيرا خدمة لمعارضي “سعيد”…
  • ثانيا، سؤال المبدئية سيبقى قائما في عدم التراجع عن مصالح منظوري الاتحاد حتى اسقاط الفصل 20 أولا وثانيا حتى لا يتم المس بالخطوط الحمراء (أي عدم السماح بالإجراءات المؤلمة)، ومن ثم التماهي مع أن ما يجري في الضاحية الشمالية ليس حوارا وطنيا وأنه لا يمثل مكونات المجتمع التونسي، ولأن الاضراب وان كان ذا خلفية اجتماعية فانه في ترابط مع السياسي فمتى تم تنقية الأجواء السياسية أصبحت المطالب الاجتماعية أقرب للفنية من حيث الحوار حولها عبر تقديم المقترحات وعبر فضها تفصيلا وتنفيذا وبشكل يسير جدا…
  • ثالثا، سيكون الاتحاد صدا منيعا امام كل من تخول له التطبيع باي شكل من الاشكال فالاتحاد قومي التوجهات وفلسطيني الهوى ومقدسي الاهتمامات وهو أول الأطراف المؤمنة بمركزية القضية الفلسطينية، وسيتم التأكيد على ذلك أساسا في خطاب الاضراب العام مثل ما تم الإشارة الى ذلك في خطاب قصر المؤتمرات…

رابعا، قاد الاتحاد سنة 2013 حوارا وطنيا أدى الى فض النزاعات وفتيل المواجهات بين الفرقاء، وبالتالي فان انجاح الاضراب العام هو رد على من يشكك في مبدئية “الاتحاد” وفي أنه يدافع عن مطالب منظوريه وكل دفع لحوار وطني جامع وشامل هو تفكيك للألغام الاجتماعية ولقد ترنحت الحكومات السابقة لأن الاتحاد رفض بعض سياساتها والتي بني بعضها ليمس من جوهر المكاسب الاجتماعية، وبالتالي فأي تفريط فيها اليوم هو خروج عن مبدئية المنظمة والتي لم تتخلى عن حق الحوار الاجتماعي بشان الأجور في أي فترة من فترات حقبة حكم الرئيس المخلوع رغم اساليبه الناعمة في الاحتواء وفي الاختراق واتباعه منطق الترغيب والترهيب في أكثر من قطاع

المصدر:صحيفة ” الراي العام” عدد 260  بتاريخ 16 جوان 2022

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى