دراسات

قراءة في الجذور الفكرية والسياسية لأنصار ومكونات منظومة 25-07 (1 من5)

في ظل العجز المتكرر عن التحشيد وتنامي التجاذبات بين مكوناتها

علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي

 لا يختلف اثنان في أن النخب السياسية هي جوهر ازمة البلد سواء في مربعاتها الاقتصادية والمالية أو في أوجهها السياسية، واضافة لذلك فان البؤس طالما النخب من الجامعيين الى قيادات الأحزاب سواء كانت في السلطة أو المعارضة وهو ما يفسر المفردات المستعملة في الخطاب السياسي أو طبيعة التحاليل والقراءات المقدمة سواء في الصحافة المكتوبة والالكترونية أو من خلال برامج القنوات سواء كانت عمومية او خاصة مع أن الإنتاج في هذه الأخير بدا انعكاسا لمصالح الممولين وأجنداتهم ومراميهم الآنية والاستراتيجية، والثابت ان هذا التشخيص شبه متفق عليه ذلك أن النخب تغيب كلما احتاج لها المجتمع وهو خروج عن الحقيقة السوسيولوجية القائلة “أنه كلما دخل مجتمع في أزمة الا واستنجد بنخبته لتجد له الحلول”، وطبعا انعكس عجز النخب وبؤسها على كل فعل سياسي للمعارضة والسلطة القائمة والموسومة اليوم بانها سلطة الامر الواقع وتبين للجميع أنها نخب لم تعد مسموعة بل هي غير قادرة على التحشيد وان كان عجز المعارضين مفهوما ويمكن استقراؤه بسهولة ومبني بالأساس على منطق ضعف البنى التنظيمية وعقلية الاصطفاف مع الغالب وغياب تنظيمات فعلية باستثناء حزبي النهضة والعمال، فان عجز النخب الحاكمة ومكوناتها وانصارها امر يدعو للتأمل والبحث وهو ما سيحاول مقال الحال الإجابة عليه من خلال استقراء فسيفساء المكونات والانصار افرادا واحزابا ممن يقفون سندا حتى الآن مع منظومة أو حركة أو انقلاب 25-07، وقد قسمنا هذه الدراسة التحليلية لخمس أجزاء/حلقات كالتالي:

  • الحلقة الأولى: الجذور الفكرية للأجسام السياسية المناصرة لمنظومة 25-07
  • الحلقة الثانية: طبيعة القوى غير الحزبية المناصرة لمنظومة 25-07
  • الحلقة الثالثة: قصة الصفحات والمواقع المناصرة لمنظومة 25-07 وتوجهاتها السياسية
  • الحلقة الرابعة: الدساترة والتجمعيون وحقيقة مواقفهم المعارضة والمساندة لمنظومة 25-07
  • الحلقة الخامسة: الإسلاميون ومنظومة 25-07
  • الحلقة السادسة: أي مستقبل لمنظومة 25-07 ومناصريها
الحلقة الأولى
الجذور الفكرية للأجسام السياسية المناصرة لمنظومة 25-07

 

1- أولا، بالنسبة للأحزاب التي ساندت 25-07 واجراءات الرئيس سعيد هي بالأساس تنظيمات قومية عربية ويسارية وهذه الأخيرة هي أقرب للخط الماوي والتروتسكي والثابت أن حجمها التنظيمي تقلص منذ سنوات ولم تحصد أي نتائج تذكر في أي انتخابات سواء كانت رئاسية أو تشريعية ( 2011-2014-2019) أو بلدية ( 2018) وباستثناء حركة الشعب التي استفادت من شعبية وحضور الوجه السياسي “الصافي سعيد”، فإن البقية لم يتجاوز عدد نوابها أصابع اليد الواحدة وطبعا يستثنى من ذلك حزب التيار الديمقراطي والذي راجع مواقفه منذ نهاية أكتوبر الماضي وصولا لسلسلة مواقفه الأخيرة المنتقدة لمواقف الرئيس ومسانديه وحكومته (نص “محمد عبو” الأخير – مواقف “غازي الشواشي” والذي وصل به الأمر لحد مطالبته باستثناء “سعيد” من أي حوار…)

2- ثانيا، أهم التنظيمات القومية العربية المناصرة والمساندة لـــــ”سعيد” هي:

  • حركة الشعب الناصرية (بقيادة زهير المغزاوي)، وهو حزب مقرب من التيار الناصري في البلاد العربية وهو أيضا ومقرب من سوريا وإيران على مستوى القضايا الاقليمية، وهو من داخل مربعات “سعيد” يعتبر أقرب لجناح رئيسة الديوان السابقة حيث رفض “المغزازي” مثلا في نهاية سبتمبر الماضي ترأس “شرف الدين” للحكومة كما لاحظ المتابعون الانتقادات المستمرة لهيكل المكي لوزير الداخلية الحالي بل وباستمرار، ويمكن القول أن “حركة الشعب” ورغم الانقسامات الحاصلة في مؤتمرها الأخير ( نهاية مارس 2022)، فإنها بقيت تسند “سعيد” واجراءاته رغم التحفظ على بعض الخطوات والسياسات وواضح انها ستستمر في اسناده…
  • التيار الشعبي، وهو تيار منشق على “حركة الشعب” منذ جانفي 2013 وهو أقرب فكريا لليسار منه للقوميين العرب رغم اصطفافه الكامل مع النظام السوري ويعرف عنه عقليته الاستئصالية مثله مثل الكثير من أجنحة حركة الشعب، ومعلوم ان أمينه العام كان رئيسا لديوان “محمد عبو” سنة 2012 في حكومة الترويكا الأولى، وهو حزب ضعيف تنظيما وشعبيا وعادت ما كانت نتائجه صفرية في كل الاستحقاقات الانتخابية السابقة…
  • تنظيمات البعث العراقي، وهي عديدة ومشتتة وأهمها حزبي”الطليعة” ( بقيادة خير الدين الصوابني) و”حركة البعث” ( بقيادة منقسمة على اربع تيارات تقريبا ويقود الجناح الرئيسي خليفة الفتايتي)، وأغلب هذه التنظيمات قادها عداؤها للتيار الإسلامي للوقوف مع “سعيد” وخطواته اعتقادا منها انه سيدخل في مواجهة مباشرة معها مثل الرئيس المخلوع، إلا أن حزب الطليعة بدا متحفظا في الإعلان عن حقيقة مواقفه وترك الباب مفتوحا، وما سبق لا يعني عدم وجود شخصيات بعثية متحفظة على قرارات سعيد واجراءاته، بينما تداخلت الأمور على قياديي حركة البعث وزادت الانقسامات بعد 25-07 …
  • تنظيمات البعث السوري والقريبين من نظام الأسد، هؤلاء جميعا بدوا مساندين لسعيد واجراءاته وخاصة خلال الأشهر الأولى ولكنهم لا يعبرون عن مواقفهم نتاج تغييبهم إعلاميا أو هم متحفظين في اعلان ذلك بوضوح على غرار قيادات حزب “الجبهة الشعبية الوحدوية” (بقيادة الأستاذ الماجري)، مع أن بعض تنظيمات البعث السوري لم تعد موجودة فعليا وليس الا هناك بعض جمعيات واشخاص فقط لا غير …
  • بقايا تنظيمات اللجان الثورية التونسية، وهي أحزاب كانت موالية لنظام العقيد القذافي في ليبيا وحاولت تأسيس أحزاب الديمقراطية المباشرة ولكنه لم يتم الاعتراف بهم بتوصية من المرحوم السبسي سنة 2011، وهم مساندين لسعيد ومنخرطين في مشروعه بالكامل على غرار الأستاذ مصعب بن عمار وآخرين كثر (أنظر من حيث التفاصيل الجزء الثاني من مقال الحال)
  • بقية التنظيمات القومية العربية، وهي عديدة ولكنها صغيرة الحجم والتأثير وهي اما لم تعلن عن أي مواقف على غرار الوحدويون الأحرار أو حزب الغد أو هم رفضوا منظومة 25-07 جملة وتفصيلا على غرار “حركة مرابطون” …

3- ثالثا، الأحزاب اليسارية المساندة لمنظومة 25-07 متعددة ومختلفة في مقارباتها الفكرية والسياسية سواء تلك التي يمكن تصنيفها ضمن يسار الوسط أو اقصى اليسار أو هي تفرعات تاريخية للحزب الشيوعي التونسي ووريثيه الرئيسيين (“حركة التجديد” ثم “حزب المسار”)، وقد اختلفت واقعيا كل تقييماتها لمسار حركة/انقلاب 25-07 ولكن الثابت أن حزب العمال وبعض مكونات أخرى وليدة عنه او مختلفة معه في الكثير من مواقفه رفضت اجراءات “سعيد” وخطواته فيما قبلته أطراف أخرى بحثا منها على تخليصها من خصمها الإسلامي وخاصة حركة النهضة وينطبق ذلك على تيارات الأوطاد والتي طالما عششت وسط مؤسسات الدولة وهياكل الحزب الحاكم في فترتي بورقيبة وسلفه المخلوع، وخدمت في الحقبتين أجنداتها الفكرية والسياسية وخاصة في تجفيف منابع التدين وبدت مواقفها اليوم المساندة بقوة لـــــــــ”سعيد” بحثا منها على أن تكون طرفا منظرا لسياسات مستقبلية ولكن “سعيد” وعى بذلك فحولها لأطراف وظيفية ولم يحقق لها مبتغاها الحقيقي والرئيسي، وأهم تلك الأطراف هي “حركة تونس الى الأمام” بقيادة “عبيد البريكي” والذي يُغيب حاليا في كل وسائل الاعلام ولدى أنصاره، انه كان وزيرا في حكومات النهضة/النداء، كما يُغيّب في خطابه السياسي انه كان سندا للمخلوع في مرحلته وهو من اشرف على ملفات اجتماعية كرسها نظام المخلوع لمزيد تفقير الشعب التونسي، والخلاصة ان اليسار الماركسي مثلما اصطف بعضه مه منظومة 25-07 فان فريقيا ثانيا اصطف مع اطراف المعارضة بقشيها (“جبهة الخلاص” – “الائتلاف الديمقراطي الاجتماعي”)، بينما بقي فريق ثالث ينتظر رهانات الاتحاد العام التونسي للشغل المستقبلية وهم أساسا منتمون سابقون للوطد الفوضوي…

4- رابعا، اختارت أحزاب “مشروع تونس” و”الاتحاد الوطني الحر” وأحزاب أخرى الذوبان النهائي وعدم التصريح بمواقف واضحة مما جرى ويجري منذ 25-07-2021 ومارست تكتيكات الانتظار والترقب حتى تتضح الصورة بأكثر جلاء ولكن بعض أعضاء تلك الأحزاب بعثت وأسست مكونات وأحزاب بعضها تم تقنينه وبعضها الآخر بقي مجرد لافتة إعلامية، والثابت أن اغلب حلفاء “سليم الرياحي” والمقربون السابقون منه ووظيفين عنده سابقا وحاليا قد ركبوا موجة 25-07 بل أن “الرياحي” نفسه ينوي العودة الى تونس والاعتراض على الاحكام الصادرة ضده، ومن الأمثلة الجلية هو “سرحان الناصري” والذي كان قياديا في حزب “الرياحي” وهو اليوم ينتقل من منبر اعلامي لآخر تحت لافتة سياسية جديدة هي “الائتلاف من أجل تونس” وهو ما ينسحب على أعضاء سابقين في حزب مشروع تونس ( والذي اسسه وقاده اليساري السابق “محسن مرزوق” والذي كان مقربا من السبسي بين 2011 و2016 )، حيث أسس عضو اللجنة المركزية للحزب عن جهة قفصة مثلا حزب “التحدي”، كما أن اغلب الأحزاب المؤسسة بعد 2019 وهي تقريبا 16 حزبا تقف اغلبها اليوم رغم هامشيتها السياسية والتنظيمية من حيث الحجم والتأثير في صف منظومة 25-07، بل هي مبدعة في ترذيل كل صوت معارض وتحاول من خلال مسمياتها ان تبرز بانها ضد “جبهة الخلاص” وتوجهاتها ومن بينها نذكر “التحدي” – “صف الدفاع عن تونس” –”مواطنون”، ومعلوم أن قياديا سابقا في حكة الديمقراطيين الاشتراكيين هم من يتزعم حركة “مواطنون” وهي طرف سياسي مقرب من احد الولاة الحاليين ومن سياسي ورجل اعمال كان مقربا من الرياحي وهي أحزاب واجسام سياسية تحاول التموقع وتقوم بإسناد الرئيس “سعيد” في كل خطواته الا أنه منتبه لطبيعتها المؤقتة والظرفية…

5- خامسا، خلال الأيام الأولى بعد 25-07 بدا واضحا أن “حزب تحيا تونس” شريك في اغلب قياداته للمنظومة الجديدة ولكن بعد ذلك تمايز بعض قياديه ونوابه السابقين عن تلك المنظومة على غرار “مصطفى بن حمد” و”وليد جلاد” وآخرين، ولكن باستقالة رئيس الديوان السابقة توضحت الصورة أكثر حيث لم يعد “الشاهد” لتونس حتى الآن، وتبين انه كان في تناغم مع الرئيس “سعيد” ومنظومته بل أنه كان طرفا رئيسيا مقابل طرف ثان بقيادة “توفيق شرف الدين” وليجد نفسه خارج السياق الجديد مع عمده الصامت أكثر من الكلام وابداء المواقف، اما الحزب فانه تقريبا أصبح في حالة اضمحلال تقريبا وبدت مواقفه غير متجانسة ( الموقف من جلسة 31-03 النيابية مثالا للذكر لا الحصر)..

المصدر ، نشر هذا الجزء الاول محينا ضمن العدد 256 من اسبوعية الراي العام التونسية بتاريخ 19 ماي 2022

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى