تحاليل

هل بدأت التداعيات الجيوسياسية للحرب في أوكرانيا على تونس وشعبها في التجلي؟

علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي

بدا واضحا خلال الأسبوعين الماضيين أن التداعيات الجيوسياسية على تونس وشعبها قد بدأت في التجلي والتجسد ويمكن رؤية وفهم ذلك من خلال التفاصيل اليومية والحياتية ذلك أن هناك تداعيات على المديين القريب والبعيد لتلك الحرب والتي قد تنجح بعض جولات مفاوضاتها كما قد تترنح ( أي قد يطول أمد الحرب وتتحول أوكرانيا الى افغانستان2)، وفي هذه الحالة الأخيرة ستكون التداعيات قاسية وكثيفة كميا وكيفيا وذلك لا يُغيب وجود إمكانيات من الاستفادة من المتغيرات الجيوسياسية الحاصلة ولكن ذلك سيكون مشروطا من خلال طرح رؤية استراتيجية جديدة وبناء علاقات خارجية غير تقليدية باعتبار ان ذلك غير ممكن الا في صورة حوار وطني شامل ومبني على عقلية تشاركية واستراتيجية – وهو للأسف غير متوفر ولو في حد أدنى وعلى الأقل في أفق الشهرين القادمين-

فما هي تلك التداعيات المباشرة والجيوسياسية بالأساس؟، وماهي فرص الاستثمار الممكنة؟، وكيف يمكن الدفع لتوفر أرضية لها؟، وماهي في الأخير ملامح تجسد الكثير من التداعيات على الحياة اليومية وعلى مستقبل المشهد السياسي؟

  • أولا، القارئ لتاريخ تونس المعاصر والمستخلص لأهم مؤثراته الاجتماعية والثقافية والسياسية يمكن القول اننا امام حالتي تأثيرات الحرب العالمية الثانية وخاصة اجتماعيا وسياسيا وفي رؤيتنا لمستقبل الأجيال القادمة وحالة الانكفاء والانقسام بين عقليتين اجتماعيتين في التفكير والتعاطي مع الأحداث إضافة الى مثال حرب الخليج الثانية في بداية التسعينات والتي كانت تداعياتها كبيرة على المشهدين السياسي والاجتماعي حيث تم يومها ابتلاع الدولة للمجتمع وانتشار عقلية الخلاص الفردي من ربقة ومؤثرات الحكم الفردي النوفمبري والذي ابتلع كل فعل نقابي وسياسي جاد ومعارض وهو ما فعت آثاره البلاد بشكل غير مسبوق حيث خسرت البلاد الكثير من الوقت والكفاءات وسقطت إمكانية تشكيل تجربة ديمقراطية وتجربة بناء مجتمع مدني فاعل وناجع…

 

  • ثانيا، انعكاسات ما يجري في أوكرانيا وخاصة تدمير المدن الأوكرانية وتهجير مئات الآلاف وترحيل الطلبة الجانب وتدمير فعلي للكثير من اركان الاقتصاد الاوكراني لن تكون في شرق أوروبا فقط بل ستكون في الساحل الأفريقي وتونس هي أول البلدان التي ستطالها تلك التداعيات وطبعا تلك التداعيات أولا وأخيرا هي جيوسياسية الماهية والطبيعة ذلك أن الحرب في الحقيقة ليست بين أوكرانيا وروسيا بل هي حرب بين حلف الناتو وروسيا وذلك يحيل الى كارثية الاصطفاف كما ان الوقوف على الحياد غير ممكن لأسباب عدة ومن بينها عودة الخطاب الأمريكي الى منطق بداية الالفية أي مباشرة بعد 11 سبتمبر عندما أعلن دوبليو بوش “من ليس معنا فهو ضدنا”، وهو ما ردده “بايدن” بداية الأسبوع الجاري في أحد أهم تصريحاته، وهو تصريح سيكون له ما بعده ولعل تثبيت موعد شهري في المانيا لحلفاء أمريكا في الحرب ضد روسيا تأكيد على ذلك، والسؤال هنا: هل تعي دبلوماسيتنا ذلك وهل جهزت نفسها للتعاطي وكيفية إيجاد مخارج ذكية وتليين مواقف يمكن ان تجنبنا الكثير من الكوارث ومغادرة مربعات عدم الوضوح والعجلة وردود الفعل الآنية ثم نقضه والانتقال لمربعات مناقضة لمصالحنا؟ ولعل المتمعن في طريقة وغموض تعاطينا في علاقاتنا مع القاهرة وطرابلس والجزائر وكثرة الشائعات حولها وعدم التعاطي معها بتصريحات متوازنة ووضع الرأي العام في الصورة ووضع كل الأطراف الوطنية وراء دبلوماسيتنا، قد يجعلنا في حالة تخبط ومن ثم عدم القدرة لا قدر الله على التعاطي مع التداعيات، وهو أمر سقط فيه نظام المخلوع في حرب العراق الثانية بداية التسعينات والتقدير أننا وفي ظل وضعنا السياسي والاقتصادي الحالي قد نسقط في ما أكثر كارثية من ذلك (خاصة في ظل استهداف كل مخالف للسلطة وفي ظل تقليص فعلي ويومي لهامش الحريات وحنين كثيرين للاستبداد والتفرد بالسلطة محليا وجهويا ومركزيا ووجود انطباع في الداخل والخارج اننا نتزحزح من مربعات الثورة والحرية والديمقراطية الى مربعات تنامي الثورة المضادة والاستبداد والحكم الفردي والاقصاء الممنهج لكل مكونات المجتمع)، وباختصار إننا في حالة مغادرة مربعات “دولة الشعب” الى مربعات “شعب الدولة”، وطبعا في تلك الحالة لا قدر الله فانا سنكون قد فقدنا كل مكتسبات المناعة لمواجهة تلك التداعيات والانعكاسات وخاصة على المستويين السياسي والاجتماعي…

 

  • ثالثا، المؤكد أننا تاريخيا نصبح في وضع محير ومربك كلما اختل توازن أحد جارينا أي الجزائر الشقيقة وليبيا (والتي هي أولا وأخيرا توأم لنا اجتماعيا وثقافيا واقتصاديا)، ذلك أن الجارين هما عمق استراتيجي لنا ونحن عمق استراتيجي لكليهما، وان كانت التداعيات على الجزائر ستكون ضعيفة بل المؤكد هو وجود فرص كبرى لأن يستفيد جارنا الرئيسي منها وقد يتحول بناء عليها الى لاعب إقليمي سياسيا واقتصاديا باعتبار هامش التحرك لديه في الملفات الإقليمية وخاصة في مربعات دول الساحل الافريقي وهنا سنتفيد كثيرا وخاصة اذا اصطففنا معه وابتعدنا مسافات ومساحات على مربعات القاهرة ونظامها الكارثي ماليا وسياسيا في رؤيته لقضايا الإقليم، أما الملف الليبي والذي ارتبكنا في التعاطي معه منذ بداية 2020 وأضعنا بشأنه فرصا وأهدرنا الكثر فيه بل وخسرنا مئات بل وآلاف مواطن الشغل ومئات فرص لشركاتنا ورجال أعمالنا بعد تواصل الاعتباطية في اداراته رغم إمكانيات دبلوماسيينا وملحقينا هناك ورغم قدرات مثقفينا وجامعيينا في ملفات ليبيا فهما وعلاقات ومقبوليتهم الكبرى مع الاشقاء الليبيين ومع ملفاتهم وهواجسهم، سيكون مطروحا بقوة كلما توضحت معالم الانعكاسات والتداعيات وفي كل مرة سيتم فيها استحضار أو الحديث عن تداعيات الأزمة، ذلك أن   جزءا كبيرا من الاستقرار الذي عرفته ليبيا كان موضوعيا نتيجة تفاهمات تركية روسية، وبالتالي من المهم بعث روح لمراكز دراساتنا وتشجيعها على تنظيم الندوات وحلقات النقاش ومن ثم انتاج دراسات واقعية وتوصيات قابلة للتنفيذ سريعا للحد من التداعيات السلبية التي قد تظهر وتتجسد بين الفينة والأخرى في الجارة ليبيا وأيضا في تسريع الاستفادة كميا وكيفيا والاستثمار الذكي عند وجود تداعيات إيجابية هناك، ولكن الحقيقة أن واقعنا السياسي مشُوب بالغموض في ظل التجاذب الحاصل بين سلطة الأمر الواقع والمعارضة وفي ظل حكومة “بودن” مترنحة الفعل والسلوك وثقل حركتها القائمة والمبنية على حقيقة أنها حكومة سكرتاريا للقصر وليست حكومة تنفيذية فعلية قادرة على التعاطي والتكيف والفعل السريع  باعتبار غياب عاملي الفاعلية والانجاز، كما لا يمكن تغييب أهمية فهم أنه سيكون هناك تأثير على الساحل الأفريقي بشكل عام وأن الارتدادات عليه تهمنا بشكل مباشر  لان الحاصل اليوم أن ما يجري في مالي مثلا اليوم ستكون تداعياته في الغد علينا كبيرة (فعمليات الإرهاب في جانفي 2013 في مالي ترتبت عليها أولى الازمات والتي بدأت بقيام إرهابيين تونسيين – وهم أدوات تنفيذ وتنزيل لسياسات أجهزة ,اطراف إقليمية ودولية بعينها- وان أي تغييب لذلك قد ندفع ثمنه غاليا وكبيرا وعدم الوعي به قد يحول بلادنا من جديد لمربعات التجاذب وهي التي لم تخرج منه بعد بل وزادت طينته أكثر بللا بعد 25-07 ….

 

  • رابعا، نظريا تؤكد القاعدة السوسيولوجية أنه “كلما دخل مجتمع في أزمة كلما استنجد بنخبته لتجد وتضع له الحلول”، ورغم كارثية نخبنا منذ منتصف ستينات القارن الماضي وعدم قدرتها على فهم ومجاراة نسق فعل شعبها السياسي والاجتماعي فان الخطير هو أن منظومة 25-07 قد زادت الطين بلة في تهميش النخب والكفاءات والمجتمع المدني حيث تم تكريس العقلية الفردية، ومربط الفرس هنا أنه بالعودة إلى تموقع تونس في العالم اليوم يمكن أن نفهم خياراتها وطموحاتها فالعالم تَغيَّر ولم يعد ثنائي القطب بل متعدد الأقطاب وهو ما يتطلب فهما جديدا للواقع، ذلك أن تأثيرات الحرب ستكون كبيرة على العالم ككل، وأن تحديد الرهان في تونس يجب أن يكون بالاهتمام بالاستحقاقات الداخلية والخارجية بشكل متماه وأن يكون هناك تكامل بين المجتمع والدولة وبين المؤسسات الصلبة والنخبة على مختلف مشاربها وانتماءاتها السياسية والاجتماعية، ذلك أن أي تهميش للنقابيين مثلا هو اضرار استراتيجي بالبلاد لأنهم فعليا قنطرة العلاقة مع الطبقة الوسطى والمجتمع ككل، كما أن اقصاء الإسلاميين أو اليساريين وخاصة الوسطيين تحديدا قد يُفقدنا إضافة الى كارثيته كخيار عَواملَ ارتباط إقليمي ودولي مهم في رسم سياساتنا وعلاقاتنا، والا ماذا يعني مثل أن نخسر علاقات تراكمية لكل من حمة الهمامي والمرزوقي والغنوشي في الخليج وفي مربعات اليسار الفرنسي ولدى منظمات حقوقية ودول في مشارق الأرض ومغاربها؟

 

  • خامسا، لابد من الوعي المصحوب بالذهنية والعقلية الاستراتيجيتان ذلك أن يجب فهم أن روسيا موجودة في ليبيا وفي الساحل الأفريقي وفي افريقيا الوسطى وزمبابوي ولابد من تجاوز انحسار التفكير إن الصراع في أوكرانيا يدور بين (الناتو) وروسيا، بسبب حقيقة أنه ستتم إعادة إيجاد ترتيبات للمناطق وتوزيع موازين القوى خاصة في ليبيا واستحضار حقائق عدة في ذلك الشأن ومعلوم أن ليبيا مثلا تمر الآن بفترة عدم استقرار وهو ما سيكون له انعكاس على تونس وخاصة على المستويين الاجتماعي والتجاري وهو أمر معلوم باعتبار ان اغلب التجار الصغار (من برج الخضراء/بن قردان حتى صفاقس/سيدي بوزيد/القصرين)، ترتبط حياتهم اليومية هم وعائلاتهم وذويهم بليبيا والتجارة البينية بينها وبين مناطقنا الحدودية، ومن هنا وجب علينا التفكير وبصفة عاجلة في إيجاد حلول للعجز الطاقي والغذائي ومن ثم الاستثمار في الطاقات المتجددة، كما لابد من تحسين المنتوج المحلي من الحبوب والتفكير على المدى الأبعد في السياسة الاقتصادية وكيفية الوقاية من المخاطر المستقبلية ووضع استراتيجيات منفصلة لكل من المدى القريب والمتوسط والبعيد ووضع السيناريوهات الثلاث في الاعتبار (نجاح المفاوضات بين موسكو وكييف – تعطل لغة الحوار – تحول أوكرانيا الى افغانستان2)…

 

  • سادسا، الخلاصة أنه من المهم أولا الذهاب في حوار وطني جامع وعبر حرص الرئيس والمعارضة على جلوس الجميع الى طاولة حوار شامل وغير مشروط ومن دفع الكل لتبني عقلية التوافق وإلا فلن نتمكن حينئذ من توقي التداعيات وخاصة بعيدة المدى وفي تلك الحالة فإننا سنعدم آمال شعبنا المستقبلية  من الآن، أما بخصوص التداعيات الآنية فإنها كثيرة وبعضها ها هي فعليا قد بدأت أصلا تمس القطاع المالي نظرا للارتفاع في أسعار النفط والحبوب في العالم وهو ما سيعمق عجز الموازنة وسيدفع الحكومة إلى رفع الأسعار في كل شهر وهو الأمر الذي سيؤدي إلى كلفة اجتماعية أكيدة كما ستطال تلك التداعيات القطاع السياحي وخاصة مع تراجع السياح الروس في ظل العقوبات المفروضة على بلادهم، وهو ما يؤثر على فرص الاستثمار رغم تنامي أعداد السياح الفرنسيين، اما ثانيا فيجب فهم أهمية إيجاد روح توافقية تمكن الجميع من مساعدة الحكومة والوزارات والدبلوماسيين وتحول كل البلد على قلب رجل واحد، ذلك أن نخبنا  رغم اختلافاتها فهي مجتمعة يمكنها تنبيهنا جميعا (الدولة والمجتمع) من أن الحرب الروسية الأوكرانية ستكون تداعياتها على المنطقة العربية وعلى تونس أخطر من تداعيات حربي الخليج الأولى والثانية باعتبار أن الأسباب مباشرة والتأثير أيضا مباشر في تونس من حيث تراجع كل أنواع مداخيلنا الممكنة والمرتقبة فضلا عن تراجع التزود بالمواد الغذائية والاضطراب الاقتصادي وارتفاع أسعار المحروقات وها هو التجسد اليومي والفعلي يراه الجميع ولا يمكن انكاره  ورغم ذلك فان التوافق السياسي والاجتماعي يوفر  لنا الحلول ذلك أننا بلد صغير ونمتلك عندئذ فرص كبرى لاحتواء تداعيات الأزمة عبر انتهاج سياسة غير تقليدية بل أن هناك بالضرورة وفعليا عدة أوراق يمكن الاستفادة منها لو وفرنا شرطي التوافق والحوار وتشريك الجميع وبدون استثناء…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى