تحاليل

كيف غلب “الحذر” و”التريث” على الفعل السياسي للاتحاد العام التونسي للشغل؟ 

بقلم ثريا بن محمد

 

   بَدَت تصريحات الكثير من النقابيين خلال الفترة الماضية حذرة وأقرب للتريث في قراءة المشهد السياسي الحالي والمستقبلي، ويبدو أن الأمين العام “نورالدين الطبوبي” قد استفاد من تجربة الأمين العام الأسبق والراحل “عبد السلام جراد” مع نظام المخلوع في أسابيعه الاخيرة، وربما يكون ذلك قائم على تمرسه الميداني والسياسي خلف الأمين العام السابق “حسين العباسي” ومن تجربته الخاصة أيضا خلال العهدة السابقة على رأس المنظمة الأكبر نقابيا في البلاد، فما هي فعليا خلفيات سياستي “الحذر” و”التريث”؟

أ- المتابعين للفعل السياسي والنقابي للاتحاد العام التونسي للشغل غداة 25-07 لم يستوعبوا كيف يتعاطى الاتحاد مع التطورات الجارية خاصة في ظل المتغيرات ونسقية الأحداث خلال الأشهر الثماني الماضية، ذلك أن قيادة الاتحاد التقت “سعيد” ظهر يوم 26-07 – أي يوم واحد بعد إجراءات “سعيد” الأولية- وليبقى في وقت لاحق بل ولمدة طويلة مُنتظرا لــــــــــــ”سعيد” أن يشركه في المسار الجديد ولكن انتظاره في الحقيقة طال أكثر من اللازم في تلك الفترة، وحتى عندما تم استقبال “عبير موسى” ومحاولة بناء مبادرة متلائمة مع تطورات شهر أوت الماضي واصل الرئيس “سعيد” تجاهل مُسانديه ومن بينهم “الاتحاد”، الا أن الظاهر أن الاتحاد قد حسب لذلك حسابا من البداية بحيث لم تكن المساندة مطلقة (وهي قائمة أساسا على التوازنات داخله يومها حيث انبنت المساندة الأولية على حجم وضغط كل من تيارات الوطد والناصريين القريبين من حركة الشعب، ومن ثم أطلق “الطبوبي” لاحقا تصريحات فتحت أبوابا مرحلة ثانية وجديدة في العلاقة مع “سعيد” ما بعد 25-07-2021 خاصة وأن الرئيس قد وجه رسائل بدت نقدية بدرجة قاسية للمنظمة الشغيلة على غرار “لا حوار ولا خارطة” (تصريح المطار) و”اتبعوا خيارا حتى رابعا او خامسا او سادسا لو أردتم” ومن ثم رد “الطبوبي” بتصريحات جديدة مُنتقدة لمقولات الديمقراطية القاعدية والمباشرة وأيضا لمشروع “سعيد” في ذلك المجال، كما انتقد الطبوبي ما يسمى بالحملة التفسيرية ومقولات اللجان الشعبية ولو بشكل غير مباشر وصولا الى التذكير بأهمية المنظمة وأن الوضع لا يُطاق وكل ذلك قبل مؤتمر المنظمة والذي لم يحضر “سعيد” أشغال جلسته الافتتاحية بدون ان يكشف الطرفين (الرئاسة – الاتحاد) حقيقة رغبة الرئيس في الحضور من عدمه أو أن ذلك قد تم بسبب وجود أجندات سابقة للرئيس منعته من الحضور أو أن سببا آخر منع ذلك خاصة وانه قد حدث تجاذب حول عقد مؤتمر الاتحاد، خاصة وأن بعض مساندي الرئيس ومن حركة الشعب تحديدا قد وقفوا ضد عقده (اليعقوبي – البوغديري) وضد التمديد لقيادات مركزية ( أي ضد الغاء الفصل عشرين من قانون المنظمة الداخلي)….

 

ب -في مرحلة لاحقة بعد المؤتمر وبعد فترة قصيرة من المواقف الحذرة للاتحاد (عدم مواصل المساندة – عدم التصعيد)، خاض الاتحاد بعض تحركات وتصريحات ضد حكومة “بودن” وخاصة ضد المنشور 20 وهو المنشور المُقيد فعليا للعمل النقابي ولتفعيل بعض اتفاقيات ولو بطريقة غير مباشرة، وأطلق “الطبوبي” في تلك الفترة بعض تصريحات منتقدة للوضع الاجتماعي والاقتصادي مشيرا في بعض مرات الى انه لا يمكن القبول باللجان الشعبية وهي إشارة غير مباشرة الى عدم إمكانية تنزيل مشروع الرئيس “سعيد”، ثم أتت لاحقا مقابلة “سعيد”/”لطبوي” والتي حركت سواكن العلاقة بين الطرفين ورغم أن الاتحاد سارع الى الإعلان أن اللقاء كان اقرب لتبادل وجهات النظر (فعليا “الطبوبي” يومها ألغى/أجل لقاء تلفزي مهم من أجل ذلك اللقاء)، والواقع أن ذلك اللقاء قد قام بترتيبه يومها على الأقرب وزير الشؤون الاجتماعية “مالك الزاهي” (نجل عضو المركزية السابق الراحل المنصف الزاهي)…

 

ت -في خطوة ثانية تم استقبال أعضاء المركزية النقابية في قصر قرطاج ورغم اعتبار وسائل اعلام كثيرة انها خطوة أولية للحوار الوطني (فُهم ذلك من خلال قول الرئيس “سعيد” أن الحوار قد انطلق فعلا)، فان الثابت أن الاتحاد اعتبر انه لقاء تهنئة ومجاملة ليس الا، وهو ما اثبتته تصريحات “الطاهري” في أكثر من مناسبة وهذا الأخير حرص على تأكيد ذلك في أكثر من مرة وخاصة بالتوازي والتطابق مع تصريحي رئيس رباطة حقوق الإنسان ورئيسية المنظمة النسائية (الأول قال انه مجرد لقاء تشاوري والثانية أكدت أنه تم التحدث عن المسلسلات التونسية) وهو ما يعني تطابق رؤية وتصريحات أغلب المنظمات الوطنية أي على عكس تصريحات عميد المحامين الحالي إبراهيم بودربالة والتي اكد فيها بدء جلسات الحوار الوطني…

 

ث-تصريحات “الطاهري” والذي كان أكثر مساندة للرئيس خلال الأشهر الخمس الأولى بعد 25-07، بدت وكأنها مسار جديد في تعاطي الاتحاد مع المشهد السياسي خاصة وان “الطاهري” و”الطبوبي” قد أكدا أنهما ليس مضطرين للاقتراب من أي تموقع سياسي، ولتبدأ بتلك التصريحات مرحلة ملامحها الرئيسية هي الحذر والتريث والترقب وعدم الصمت على سياسات الحكومة الحالية وخاصة في تعاطيها مع العمل النقابي والاتفاقيات السابقة (البريد – الأساتذة المعوضين – المعلمين…) ويظهر ان الاتحاد ومركزيته النقابية قد فهما أفق الوضع وطبيعة ما قد يجري مستقبلا وخاصة ان “الطبويي” قد استبق حل البرلمان وأشار اليه في أحد التصريحات قبل اقدام “سعيد” على الخطوة، ولكن الاتحاد أيضا غيب في بيانه يومها الإشارة الى موعد الانتخابات وسكت عنه وهو ما يعني أن الاتحاد لا يمسك العصا من وسطها فقط بل هو يبالغ في الحذر والحيطة وبدت مواقفه وكأنها احتياطات لكل السيناريوهات وخاصة في مسألة شروط الحوار ومن سيشارك فيه وهل ستكون الاستشارة الالكترونية منطلقا له، وفي وقت لاحق أكد الطبوبي وبالتزامن تقريبا مع قدوم الوفد البرلماني الأوروبي – والذي قابل الرئيس ورئاسة البرلمان والاتحاد وبعض أطراف أخرى في المجتمع المدني- أن الحوار يجب ان يشارك فيه الجميع وأنه يجب ان يكون بدون شروط مسبقة…

 

ج -الثابت أن الاتحاد يرغب في ان يكون محور ذلك الحوار وأن قياداته لم تنسى أنها بادرت منذ اكثير من سنة ونصف بإطلاق حوار وطني ولكن الرئيس لم يتجاوب يومها رغم قبوله المبدئي بالفكرة قبل حوار مبرمج للطبوبي مع القناة الفرنسية F24  ولكن الحوار في الأخير لم يتم يومها وليقدم الرئيس على حركة 25-07…

 

ح -من الطبيعي أن يكون الاتحاد طرفا رئيسيا في الحوار وليس هناك في البلاد حاليا وخاصة بعد اعلان الرئيس حل البرلمان سوى الرئاسة والاتحاد للإشراف على الحوار الوطني والثابت أن الاتحاد لن يرفض اشراف الرئيس على الحوار ولكنه لن يقبل باي حوار بل هو يرغب في أن تدير المنظمات الوطنية الست ذلك الحوار وهو المنظمة الوطنية الأولى منب ين المنظمات الست المرشحة للعب أدوار فيه إضافة للمشاركة ( الاتحاد – اتحاد الفلاحين – الرابطة – هيئة المحامين – الاتحاد النسائي – اتحاد الأعراف) وقد تتطور المواقف اكثر بعد رفض “بوفون” للاستقالة من هيئة الانتخابات وخاصة لو تواصلت حكومة “بودن” بتركيبتها الحالية وهو أمر لن يقبل به الاتحاد والذي اكد سابقا انه مع الرئيس في بعض خطواته ولكنه ضد حكومة بودن والتي يتعامل الاتحاد معها في المفاوضات ولكنه ينتقدها بل وبتحرك ضدها في أكثر من قطاع…

 

  • الخلاصة أن “الاتحاد” تَوخى فعلا سياستي “الحذر” و”التريث” في فعله السياسي بين 25-07-2021 و18-04-2022 وأن ذلك جنبه الاصطفاف والذي قد يوقع المنظمة فيما وقعت فيه المركزية النقابية (وليس كل المنظمة) طيلة حقبة المخلوع وخاصة طيلة عهدة الأمين العام الأسبق عبدالسلام جراد، كما أنه لابد من التنصيص ان الاتحاد له قراءاته للوضع الإقليمي والدولي (فلسطين – ليبيا – الجزائر-السودان) ولما يجري في أوكرانيا وتداعيات ذلك على المنطقة وعلى تونس وتحديدا على المقدرة الشرائية لمنظوريه، إضافة الى أن المنظمة وضعها الداخلي ( الخلاف مع اليعقوبي وآخرين) وهو ما قد ينعكس على مواقف المنظمة وهو ما جعله حذرا ومتريثا وحتى بعض مواقفه يعبر عنها بطرق غير مباشرة ولعل التباين في ما تم تدونيه من طرف غسان القصيبي (مكتب الاعلام في المنظمة وأحد محرري جريدة الشعب) وتدوينة وزير الشؤون الاجتماعية، له ما بعده بعد ان الوزير اقرب أعضاء حكومة “بودن” للاتحاد ومحسوب عليه وهو ماي طرح السؤال الى أي مدى زمني سيبقى الاتحاد متبعا لمنهجيته الحالية في الفعل السياسي وعدم اتخاذ مواقف أخرى حذرة ومتريثة أيضا؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى