أخبارتقارير

4 أشهر منذ الإعلان عن خارطة الطريق الرئاسية: كيف تكسر الحلقة المغلقة للأزمة ؟

كيفما نظرنا الى المشهد السياسي الراهن، يتضح جليا ان البلاد قذفت الى حلقة مغلقة تتغذى فيها ازمة من اخرى وصراع يغذى اخر.

في ظل مساعى كل اطراف المعادلة الى تحسين تموقعها وافتكاك مساحات لعل من خلالها تكسر الحلقة ويحقق كل طرف هدفه. وهنا تتنزل كل التطورات التي جدت نهاية الاسبوع الفارط، سواء أكانت صادرة من الرئاسة ام من معارضيها.
حلقة مغلقة انغمس كل طرف فيها، من رئاسة جمهورية واحزاب معارضة ومنظمات وطنية ، بحثا عن توازن ومكاسب تجعل المعادلة في صالحها. هذا وان كان يقبع خارج الفيزياء الا انه يخضع نسبيا لـ«قانون اوم» المتعلق بالدوائر الكهربائية المغلقة. اين تصبح الإلكترونات أو أي حاملات للشحنة وفق «نموذج درود» اشبه بكرات تتحرك وتتصادم عكس اتجاه المجال الكهربائي المطبق على المادة.
تشبيه يقدم صورة مجازية عن المشهد السياسي الراهن الذي تتصادم اقطابه بهدف فرض خياراتها وتصوراتها وفق قراءتها، فرئاسة الجمهورية تمضى وكان الوضع مستقر يتوقف فيه الزمن ويصبح متناغما مع ثقل خطواتها التي تبحث من خلالها عن تأمين مسارها السياسي والاهم فرض مخرجاته قبل كل شيء، وهي وبعبارات مختزلة «اسقاط كامل منظومة 2011».
هذه المنظومة التي تعتبرها الرئاسة أنها قامت بوأد الثورة والانقلاب عليها. على الاقل في مستوى الخطاب الرسمي الذي يتبنى مقولات البناء الجديد والديمقراطية الشعبية التي يقطف الشعب ثمارها مباشرة دون حاجة لوسطاء بينه وبين الدولة، هذا ما يحرك الرئيس وفق الخطاب الرسمي الذي يقدم عناصر اخرى تكشف ان الرئيس حينما قدم مساره السياسي لم يكن قد استعد له تماما كما انه اغفل جملة من العناصر الرئيسية في المعادلة يقف اليوم على محوريتها.
عناصر من بينها ان «المشروع» الخاص بالرئيس لا يحمل بين جنابته عناصر نجاحه او على الاقل ما يضمن له الامر دون حاجة الى مناورات سياسية وفرض واقع الارض على الجميع وانتظار خضوعهم له، هنا تصبح كل خطابات الرئيس منذ 25 جويلية كفتات الخبز الذي اذا جمع بتعثر الخطوات والفرق بين ما يعلن عنه في الخطاب الرسمي من عناصر خارطة الطريق التي قدمت في 13 ديمسبر 2021 وبين ما ينجز من خطوات على الارض، ستتبين الصورة تماما وهي ان الرئيس يرفض التقدم بخطوة قبل ان يضمن نجاحها خاصة بعد تعثر الاستشارة الالكترونية وعدم بلوغها الهدف المرسوم لها على مستوى الكم، اي عدد المشاركين.
تعثر يناور الرئيس اليوم لتجاوزه وفرض مخرجات الاستشارة وجعلها عماد النص الدستوري والقانوني الجديد في اطار حوار وطني، يقول الرئيس انه انطلق وتقول المنظمات التي التقائها بداية الشهر الجاري انه لم ينطلق بعد ولن ينطلق دون احزاب. هنا تزداد الصورة وضوحا. وهي ان لا طرف بمقدوره ان يتحكم في العملية السياسية بأكملها وان تحكم في نسقها سواء بالتسريع او التبطؤ فانه غير قادر على ضمان النهاية المرجوة.
نهاية يعمل الجميع على ترتيبها، ليس الرئاسة فقط. فالأحزاب وخاصة التي تستشعر خطر مشروع الرئيس على وجودها ذاته. تسعى جاهدة لفرض نفسها كأقطاب مؤثرة في المعادلة عبر الاستنجاد بخطة تقوم على عنصرين اساسيين.

الاول : مناورة سياسية او محاولة المناورة بتعزيز الازمة السياسية بعناصر جديدة. كخطوة عقد جلسات البرلمان بالنسبة لحركة النهضة ومن جاورها او احياء الاستقطاب الحاد والضغط السياسي على الرئاسة بالنسبة للدستوري الحر. الثاني : هو تحشيد الشارع تحت عنوانين منسجمين مع السياسات العامة المتبعة من هذا الحزب او ذاك.
لكن هذه الخطط الهادفة الى افتكاك المساحات من رئيس الجمهورية بهدف ضمان دور في اعادة صياغة المشهد الجديد على الاقل ان تعذر ايقاف مساره. فشلت بدورها لان المناورة السياسية لم تجد لها داعما على الارض يفرضها على المشهد.
فحركة النهضة وائتلاف مواطنون ضد الانقلاب لم ينجحا في حشد الشارع خلف مطالب سياسية محددة، منذ 25 جويلية، ففي المناسبات القليلة التي توجه فيها الطرفان الى الشارع لم تتوفر عناصر النجاح، ماعدا التباعد الزمني بين المظاهرات الاحتجاجية والوقفات الذي يتجاوز الشهر احينا مما يعنى انه لا يمكن المراكمة ولا ابقاء الشارع في حالة غضب لوقت أطول

وثانيها ضعف عدد المشاركين وان اعتمد الرقم المقدم من قبل المنظمين، فهو دون عتبة 10 ألاف وهو رقم لا يغير شيئا في الموازين السياسية.
اذن فان الاحزاب دورها وايا كان تموقعها فهي تفتقد القدرة على ان تغير عناصر المعادلة السياسية ولا على هدمها وإحلال معادلة جديدة، فقط هي تستعين بعملية اذكاء الرفض والحشد الخارجي له لفرض تنازلات على الرئاسة بشكل غير مباشر يمكنها من ان تكون جزء من المعادلة.
معادلة طرفاها الرئيسان :

الرئيس صاحب المبادرة والماسك بالمسار السياسي والمتحكم في نسقه بنسب متفاوته. وأحزاب معارضة مشتته توجه ضربات محدودة الاثر والتأثير. اي ان الطرفين ورغم تفاوت القوى بينهما لا احد منهما بمقدوره حسم الصراع لتداعيات ثمنها باهظ.
في ظل هذه المعادلة يبرز الطرف الثالث، وهو بالاساس الاتحاد العام التونسي للشغل الذي وان كانت مواقفه الرسمية من 25 جويلية داعمة فانه يضع خطوطا حمراء اولها فتح مجال المشاركة امام اكبر طيف واسع من التونسيين وثانيها عدم الذهاب الى الغاء دور الاجسام الوسيطة. وهذا ما جعله محور ثقل في خطط ارئاسة او المعارضة التي يبحث كل منها على ضمان ان ينخرط الاتحاد معه بقله في تصوره لفرضه نهائيا على المشهد.
مشهد متأزم بشكل غير مسبوق، تتحكم فيه عناصر عدة مما يجعل الخروج منه غير ممكن في ظل تمسك الاطراف الفاعله بمواقفها، والمخرج الوحيد المتبقي قبل الانهيار الكبير هو معجزة تعيد الرشد الى العقل السياسي لادراك ان المخرج الوحيد القادر على الانتقال بتونس الى الامان هو ان نحتكم الى المنطق والعقل الذين يشيران الى ان الحل في الحوار الفعلي وفي التغيير والعمل.

الرابط:اضغط هنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى