تحاليل

الانتهاكات الحقوقية في تونس: قضية البحيري مثالاً

تعيش تونس انتكاسة لحقوق الإنسان والحريات العامة والفردية، تزايدت حدتها بتواتر الانتهاكات والاعتداءات التي تستهدف المعارضين السياسيين والحقوقيين والصحافيين، مما يهدد المكاسب التي تحققت بعد الثورة.

وجاءت عملية توقيف نائب رئيس حركة “النهضة”، عضو البرلمان نور الدين البحيري، يوم الجمعة الماضي، لتزيد المخاوف من تهاوي منظومة حقوق الإنسان والحريات في البلاد، إذ وصفت هيئة الدفاع عن البحيري ما حصل معه بـ”الاختطاف والاعتداء العنيف والإخفاء القسري في مخالفة للقوانين المحلية والمواثيق الدولية”.

لكن التراجع في الوضع الحقوقي في ظلّ حكم الرئيس قيس سعيّد، لا يتوقف عند واقعة اختطاف البحيري، إذ إن هذه الواقعة جزء من حلقة اعتداءات وانتهاكات طاولت محتجين وصحافيين ونشطاء سياسيين، من خلال محاولات كتم حرية التعبير والتضييق على الحق في التظاهر والاحتجاج والمعارضة.

انتقادات لادعاءات وزير الداخلية بشأن البحيري

وفي جديد قضية البحيري، ادعى وزير الداخلية توفيق شرف الدين، مساء أول من أمس الإثنين، أن قرار فرض الإقامة الجبرية على البحيري، اتخذ بناء على “شبهات إرهاب جدية وقد تم إعلام النيابة العمومية”، وفق قوله.

وزعم شرف الدين في مؤتمر صحافي أن القضية تتضمن “منح شهادات جنسية وبطاقات تعريف وجوازات سفر بطريقة غير قانونية” لأشخاص لم يذكر أسماءهم، وتعود لسنة 2013.

وقال إن “قرار الإقامة الجبرية يمكن أن يتخذ لمجرد وجود هواجس أو مخاوف تتعلق بشخص أو أشخاص أو مؤسسات يمكن أن تشكل خطراً على الأمن العام”.

وأضاف أن “قراري الإقامة الجبرية اللذين تم إصدارهما أخيراً (بحق البحيري والقيادي الأمني فتحي البلدي) لم يكونا من عبث، واستندا إلى نص قانوني نافذ وعلى شبهات جدية”.

ووُجهت أمس انتقادات واسعة لما ورد على لسان شرف الدين في مؤتمره الصحافي حول البحيري، إذ وصف معارضون تصريحاته بـ”الفضيحة” وبأنها تأتي في إطار “محاولات إفشال الحشد لاحتجاجات 14 يناير/كانون الثاني الحالي (في ذكرى الثورة)، لقطع الطريق أمام المحتجين”.

بدورها، عبرت حركة النهضة في بيان أمس عن “استغرابها مما جاء في حديث شرف الدين بخصوص التهم الموجهة إلى البحيري، والتي تبقى من اختصاص القضاء وحده للبت فيها دون سواه”.

واعتبرت أن ما حصل “يؤكد الصبغة السياسية لكل ما تعرض له الأستاذ البحيري منذ اختطافه يوم الجمعة الماضي، ويعيد بلادنا مجدداً إلى مربّع الاستبداد والمحاكمات السياسية”.

وكانت لجنة الدفاع عن البحيري، قد أكدت أول من أمس الإثنين، أنها سترفع قضايا بحق سعيّد وشرف الدين لدى هيئات إقليمية ودولية، بسبب ما وصفته “الاختطاف والإخفاء القسري بحق البحيري”.

في غضون ذلك، طالبت عائلة القيادي الأمني فتحي البلدي، الموقوف الثاني في اليوم نفسه مع البحيري، بكشف مصير إيقافه أو مكان إقامته الجبرية، مؤكدة لـ”العربي الجديد”، أنها لم تتلقَ أي معلومات عنه منذ اقتياده يوم 31 ديسمبر/كانون الأول الماضي

انتهاكات للحقوق المدنية والسياسية في تونس

وعن هذه التطورات، اعتبر نائب رئيس “الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان”، بسام الطريفي، في تصريح لـ”العربي الجديد”، أن “وضع حقوق الإنسان في تونس مقلق، باعتبار أن هناك انتهاكاً للحقوق المدنية والسياسية وهناك إقصاء للأحزاب من العمل السياسي”.

وتابع “صحيح أن الأحزاب اليوم موجودة قانونياً، ولكنها لا تنشط، وهي مقصية من لعب دورها، وكذلك المنظمات الكبرى ومكونات المجتمع المدني التي لا تؤدي دورها ومقصية من كل مسار تشاركي ومن المساهمة في رؤية تشاركية لبلورة خريطة طريق والوصول إلى الانتخابات التي أعلن عنها رئيس الجمهورية”.

وأضاف أن “هناك تجاوزات متعلقة بحق التنقل، وهناك تضييق على الحق في التجمهر والحق في التظاهر السلمي”.

وشدد الطريفي على أن “الوضع تحت الإقامة الجبرية هو إجراء غير قانوني وغير دستوري، فبعد أن تم وضع مجموعة أفراد تحت الإقامة الجبرية في يوليو/تموز الماضي، ثم تمّ رفع هذا الإجراء المخالف للدستور، عدنا له أخيراً من جديد”.

وأضاف: “تمت مرة أخرى مخالفة القانون (الجمعة الماضي) بوضع النائب والمحامي البحيري في الإقامة الجبرية، علماً بأنّ كل حدّ من الحرية أو من الحقوق، يجب أن يكون بقرار قضائي قابل للطعن ويتم فيه تبيان الأسباب في إطار محاكمة عادلة وعلى أساس ملفات”.

وأشار إلى أن “الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان”، “طالبت بفتح الملفات الكبرى، المتعلقة بالاغتيالات والإرهاب والفساد المالي والسياسي، على أن تكون المحاسبة في إطار محاكمات عادلة واحترام القانون لكي لا تذهب حقوق المتهمين والمتضررين”.

وحول صمت المنظمات الحقوقية إزاء الانتهاكات والاعتداءات التي طاولت البحيري وعددا من الضحايا والمتضررين من الانتهاكات الأخيرة، أكد الطريفي أن “هناك العديد من المقاربات المختلفة في قراءة ما حصل مع البحيري”.

وأوضح أن “هناك من يرى أن ما حدث ليس انتهاكاً لحقوق الإنسان وأن المحاسبة تأتي قبل حقوق الإنسان، ولكني شخصياً أعتبر أن هذا الرأي خاطئ ومغالط للحقيقة ولا يستقيم”.

وتابع “منذ 25 يوليو، حلّ الارتباك على العديد من المنظمات والأحزاب التي تعرف اختلافاً وانقساماً في مواقفها”.

في السياق ذاته، اعتبرت الرئيسة الشرفية لجمعية القضاة التونسيين، روضة قرافي، أن ما حصل مع البحيري “انحراف خطير في السلطة”.

وأضافت في منشور على حسابها بموقع “فيسبوك”، أن إيقاف البحيري “باستعمال القوة ووضعه في مكان مجهول من دون إعلام مسبق، ومن دون قرار كتابي معلل لوضعه قيد الإقامة الجبرية، وفي غياب قرار قضائي، ومن دون المرور عبر السلطة القضائية… هي ممارسات تقع خارج دائرة القانون”.

وأضافت “مثل هذا المنزلق هو من المؤشرات التي تنبئ بوضع كل الدولة خارج إطار القانون، وتهدد بالتراجع عن حقوق كل التونسيات وكل التونسيين ووضعهم قيد التعسف والاعتباط”.

وبشأن الوضع القائم، رأى رئيس “المركز العربي لحقوق الإنسان”، عبد الباسط بن حسن، في تصريح لـ”العربي الجديد”، أن “تونس تعيش اليوم أصعب فترات تاريخها، وهناك أزمات عديدة تهدد حقوق الإنسان المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ويمكن أن تؤثر في وجود البلاد ووحدتها وأمنها”.

واعتبر أن “توقف مسار بناء المؤسسات الديمقراطية والأزمة الصحية والاقتصادية والإجراءات الاستثنائية وما تبعها من تعليق المؤسسات وتواصل تجاهل الإصلاحات الكبرى وانتشار خطابات العنف والكراهية والتفقير، كلها مظاهر تهدد تونس اليوم”.

وتابع بن حسن “ما نراه من انتهاكات لحقوق الإنسان ومن اعتداءات على حرية الرأي والتعبير والتوقيفات والمحاكمات والعنف تجاه التظاهرات وغيرها، دليل على أن هناك أزمة عميقة تؤثر في كل مظاهر الحياة وتلقي بظلالها على نفسية التونسيين والتونسيات”.

وقال “رأينا اليأس والإحباط والخوف على مصير الناس ومستقبلهم، والهجرة غير النظامية مثال على اليأس والإحباط”.

ولفت بن حسن إلى أن “حقوق الإنسان كانت هوامش تحققت نتيجة تضحيات المجتمع المدني والإعلام، وأصبحت أخيراً تضيق شيئاً فشيئاً لأنها لم تتحوّل إلى منظومة حقوقية من خلال دستور ينص على الحريات ويترجم إلى قوانين ضامنة وداعمة لهذه الحريات، ولغياب المؤسسات الدستورية والرقابية والمجتمع المدني القوي”.

وشدد على “ضرورة العودة سريعاً إلى الديمقراطية ومسار الانتقال الديمقراطي، وإلى بناء المؤسسات وتفعيل المحاسبة وبناء المشاركة على أوسع نطاق، وكذلك بناء ثقافة حقوق الإنسان، والعودة إلى الإصلاحات في كل المجالات بما يُشعر الناس بالطمأنينة”.

واستدرك بالقول “أما ما نحن فيه اليوم فلا ينبئ بخير، ويجب أن تكون هناك وقفة حقيقية لكل طاقات البلاد من أجل إنقاذ تونس لأن مصير البلاد مهدد”.

انتقادات لمنظمات حقوق الإنسان التونسية

في غضون ذلك، تواجه منظمات حقوق الإنسان التونسية انتقادات لاذعة بسبب عدم تفاعلها مع قضية البحيري ومع التجاوزات المتواترة لحقوق الإنسان.

وفي السياق، كتب مدير “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات”، الوزير السابق مهدي مبروك، على صفحته بموقع “فيسبوك” أخيراً حول تراجع دور المنظمات الحقوقية: “إحدى مفاخر المجتمع المدني التي ظلت استثناءً في محيطها العربي والأفريقي للدفاع عن حقوق الإنسان وهي التي رفعت دوماً شعار كل الحقوق لكل الناس، تتحول حالياً إلى حانوت سياسي يكتم الأنفاس ويقيم فرزاً غير إنساني للضحايا. إنه فرز قائم على الهوية”.

بدوره، كتب الحقوقي مسعود الرمضاني على “فيسبوك” كذلك: “تذكير بأبجديات حقوقية؛ إن كنت لا تؤمن بحق كل إنسان، مهما كان اختلافك معه، في محاكمة عادلة وظروف إيقاف قانونية وسلامة جسدية ودفاع كفء وزيارة أهله وذويه للاطمئنان عليه، أو أنك لا تستطيع الصُداح بذلك من دون مواربة أو خوف أو ضغينة أو تشفٍ، فإنك لا تستحق الانتماء إلى منظمة حقوقية عريقة”.

الرابط:اضغط هنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى