تحاليل

مقال رأي : الصفحة الرسمية للرئاسة وتعويم الحقائق

الاتصال الهاتفي لوزير الخارجية الأمريكي مع الرئيس "سعيد" نموذجا

علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي

** تمهيد

1- أولا، السياسة الاتصالية للقصر الرئاسي منذ أكثر من سنة ونصف يمكن القول أنها كارثية بكل المقاييس خاصة في ظل التناقض المستمر لبلاغات الرئاسة مع بلاغات مؤسسات أجنبية إثر العديد من مقابلات الرئيس ومساعديه مع شخصيات أجنبية ودبلوماسيين، ولعل أمثلة بلاغات كل من وزير الخارجية السعودي وإحدى مساعدات البيت الأبيض وأحد الوفود الأمريكية هي مجرد أمثلة للذكر لا الحصر…

2- ثانيا، أغلب التونسيون والتونسيات ان لم نقل كلهم هربوا من جديد للقنوات العربية والأجنبية ذات المصداقية والمهنية العالية في نقل الأخبار والمعطيات وفي تقديم قراءات وتحاليل لتطورات الأحداث المحلية مثلما لجأ كثير منهم، للشبكات الاجتماعية وللتطبيقات المنزلة على هواتفهم الجوالة لمعرفة حقائق التطورات والأخبار ولفهم ما يجري في تونس وخاصة في الساحتين السياسية والاجتماعية، حتى أن بعض مواقع ولتدعيم مصداقيتها أصبحت تعتمد سياسة البحث عن المعطيات المباشرة وسط غياب صحافة استقصائية بعد أن غَرقت يوميات وأسبوعيات وقنوات – باستثناء القليل منها- في سياسة التطبيل والتدجيل مجددا…

3- ثالثا، عَلمَ القاصي والداني وتحديدا منذ أكثر من تسع أشهر، أمرين اثنين:

  • أن بلاغات مؤسسة “رئاسة الجمهورية”، تختلف في نصها ومضمونها عن تلك التي تُصدرها المؤسسة التابعة للضيف أو المتصل بالرئيس هاتفيا عن نفس اللقاء أو نفس المكالمة…
  • أن كل ضيف يَستقبلهُ الرئيس “سعيد” تُلقى أمامه خطبة رئاسية بالفصحى ويتم تسجيل ذلك بدون أن يسمح له بالكلام، قبل أن يُدخل معه في صلب الموضوع أو استشارته أو مناقشة موضوع الاستضافة من طرف الرئيس أو بعض مساعديه/مستشاريه…

4- رابعا، السياسة الاتصالية للقصر الرئاسي ومهما أنصفناها ووجدنا لها الأعذار، لَا يمكن تغييب المعطيات والانتقادات التالية بشأنها:

  • السياسة الاتصالية للرئاسة تتسم بعدم الاستمرارية خلال السنتين الماضيتين شأنها شأن بقية مجالات الفعل السياسي للرئيس وخاصة في ظل التغييرات الكثيرة التي حصلت في كامل تركيبة الدوائر الاستشارية حيث تم تَغيير الفريق الاستشاري الموسع في أكثر من مرة واستقال الكثيرين في مربعات رئاسة الديوان (استقالة “طارق بالطيب” لتخلفه “نادية عكاشة”)، والدائرة السياسية (اعفاء “عبد الرؤوف الطبيب”)، وهو ما انطبق أيضا على بَقية الدوائر الاستشارية…
  • تغيير عديدين من الفريق الاستشاري للرئيس، أربك السياسة الاتصالية (على احتمالية وجود فلسفة اتصالية أصلا في مؤسسة الرئاسة منذ أكثر من ثلاث عقود كما أن استقالة “النيفر” منذ أكثر من سنة ونصف أربك السياسات الاتصالية في القصر وتركها في حالة ذهول رغم مجهودات رئيسة الديوان، كما زادتها استقالة “ريم قاسم” ارتباكا على ارتباكها السابق ومن ثم بدأ التذبذب الاتصالي والذي نعتقد أنه لا يزال قائما خاصة في ظل وجود تركيز على الشبكات الاتصالية والاعتماد فيها على منطق الولاء السياسي وعبر عناصر مقربة من الفريق الاستشاري وخاصة بعد حركة/انقلاب 25-07-2021
  • تَعدَّدت عملية الحذف من الصفحة الرسمية لمؤسسة الرئاسة في أكثر من مرة، وهو أمر يعني الكثير ولعل مثال حذف تصريح الرئيس بعدد مليون و800 ألف في المسيرة المساندة له بتاريخ 03-10-2021 بعد اكتشاف فَبركة خبر TV5 مثال دال ومعبر…
  • السياسة الاتصالية لمؤسسات الدولة بما فيها سياسة مؤسسة الرئاسة في القطاع السمعي البصري وفي التعاطي مع قطاع الاعلام الورقي، شُبه مشلولة وتقوم على التلقائية ومنطق الاستعجال والضرورات العاجلة وخاصة قبل 25-07-2021 فيما اعتمدت بعده على منطق أن الاعلام العمومي تابع بشكل شُبه كلي للمؤسسة الرئاسية وأنه لا مجال للنقاش والرأي والرأي الآخر…
  • لا وجود لأيّ استراتيجيا ولا أي تَوجه بعينه، فماذا يعني وجود قناة خليجية دوما في تحركات الرئيس غير الاعتيادية، وماذا يعني أن الذين يُدافعون عن الرئيس في القنوات لا جامع بينهم لا إعلاميا ولا فكريا ولا من حيث القدرة على استيعاب مشروع الرئيس – بغض النظر على الموقف منه-
  • فعليا لا تُجيب مؤسسة الرئاسة على العديد من نقاط الاستفهام سواء في تبيان المواقف أو أسئلة طبيعية يطرحها الرأي العام وأيضا بخصوص مشروع الرئيس وحول التشكيكات التي يروج لها معارضي إجراءات الرئيس وخاصة بعد 25-07-2021 …

5- خامسا، تتضمن قراءة الحال محاولة فهم العقلية الاتصالية والسياسية التي قادت الى مواصلة التعاطي مع التونسيين بتلك العقلية،والاجابة على سؤال: لماذا تم صياغة نص انشائي وطويل بتلك الطريقة للإعلام على مضمون اتصال وزير الخارجية الأمريكي؟، وبناء على ذلك تقديم إجابة شافية على سؤال: لماذا تفشل السياسات الاتصالية الرسمية بعد 25-07-2021 رغم انخراط كثير من الإعلاميين مع جوقاته، في تحقيق أي نجاح وفي اقناع الرأي العام بالحد الأدنى من مقولاته؟

** حيثيات اتصال “بلينكن”/”سعيد” وظروفه الموضوعية

1- من المهم القول إن الأمريكيين في كل العالم يبحثون عن مصالحهم الاستراتيجية في كل بلد أولا وأخيرا ولا يلتفتون لأي شيء من حيث رسم الأولويات ولم ولن يكونوا حلفاء لأي طرف سياسي محلي مهما كان، وإن كان من الواضح ان سياسات “بايدن” الرئيسية تقوم على دعم تجارب الانتقال الديمقراطي وخاصة في تونس ولبنان (كنموذجين للحداثة الغربية) …
بَدت الإدارة الأمريكية من خلال التصريحات في واشنطن أو في بلاغات السفارة ومرامي زيارة الوفود العديدة التي زارت تونس، جد قلقين من طبيعة التطورات السياسية في بلادنا منذ صائفة 2020 على عكس مواقفهم السابقة والمتفائلة بالتجربة التونسية (جانفي 2011-جويلية 2020)

2- بدا خطاب الإدارة الأمريكية أكثر انتقادا لما جرى ويجري بعد الانقلاب وخاصة منذ بداية اوت/أغسطس الماضي وليتطور أكثر نحو الدفاع بقوة عن المسار الديمقراطي من زيارة الى أخرى ومن تصريح الى آخر لاحق له بغض النظر عن صفة المتحدث (نائب من الكونغرس أو نائب من مجلس الشيوخ أو موظف سام في البيت الأبيض أو في وزارة الخارجية أو أي إدارة أخرى)

3- الثابت أن الأمريكيين لم يكونوا مرتاحين للكثير من الإجراءات المعلن عنها يوم 22 سبتمبر الماضي، إلا أنهم واقعا تماهوا مع مواقف مؤسسات دولية وشركاء دوليين وخاصة الأوروبيين بالذات والتي ذهبت لمنطق وسطى بين رؤية “سعيد” ومواقف معارضي الانقلاب على غرار الترحيب بحكومة بودن رغم كل هناتها (من حيث الشكل والأداء) …

4- ما يَغيب على البعض هو أن الأمريكيين وفي كل دولة وخاصة في العالم العربي يعرفون كل صغيرة وكبيرة ويدركون التفاصيل التي قد لا يعرفها بعض موظفين مباشرين وحكام في الكثير من الإدارات وقصور الحكم العربية، وبالتالي أي حديث عن اتهام البعض من الفاعلين بالوقوف وراء ما يُسمى بالمغالطات والافتراءات، أمر لا يدخل سوى في خانة الاستخفاف بالرأي العام وبالنخب التي تفهم مثل تلك التفاصيل وحيثياتها وخلفياتها…

5- الاتصال الذي قام به وزير الخارجية الأمريكي السبت الماضي (20 -11-2021) مع الرئيس “سعيد”، هو حلقة وخطوة مبنية على الحلقات السابقة خاصة وأن الوزير سبق له أن زار تونس -وهو صديق للعديد من السياسيين منذ بداية الألفية بالنسبة لبعضهم ومنذ 2016 بالنسبة للبعض الآخر-والثابت أنه على دراية بالملف التونسي وحيثياته وتفاصيله كما أنه مستوعب للوضع في المنطقة وترابط ملفاتها ببعض، وبالتالي فان التبريرات التي أوردها نص بلاغة الرئاسة بدت مجانية وتم انتقادها بقوة من طرف أحزاب على غرار “تونس الإرادة”…

6- اتصال الوزير جاء يوما واحدا بعد اعلان الاتفاق السوداني والذي كان الوزير حاضرا فيه بثقل وزارته وثقل كل الإدارة الأمريكية خاصة وأن مبعوثين أمريكيين كانا في العاصمة الخرطوم قبل يوم واحد من الانقلاب (25-10-2021) وذلك لم يمنع الضغوط الكبيرة التي مارستها الإدارة الأمريكية على قادة انقلاب السودان بل وعلى أطراف الازمة فيه وعلى الأطراف الإقليمية التي تداخلت في الموضوع (الإسرائيليين – الاماراتيين – المصريين) ومن ثم تم الوصول للاتفاق الذي أ سقط الانقلاب السوداني او بالأحرى عدل من مساره وسرعته، ومعاني ذلك لا تخفى على أي كان…

7- من المهم التأكيد أن الخلافات السياسية في تونس لا زالت قابلة للحل بالحوار وأنه لا سبيل لإقصاء أي طرف وأن تونس بلد ذو سيادة، ولكن ذلك لا يُغيب أهمية الظرف الذي اتصل فيه الوزير الأمريكي والرجل الثاني في الإدارة الأمريكية، وعمليا الوزير “بلينكن” اتصل بعد يومين من لقاء السفير الأمريكي بوزير الداخلية التونسي، كما أن الاتصال تم بعد 06 أيام فقط من تحرك جماهيري بكل المقاييس( أي تحرك 14-11-2021) لمجموعة “مواطنون ضد الانقلاب” كما ان الاتصال تم بعد يومين من انطلاق جدل حول منع ومصادرة كتب في معرض تونس الدولي للكتاب وتعدد الانتهاكات للحريات العام على غرار منع التنقل للعاصمة وتنامي الجدل القائم بين وزير الشباب والرياضة وعدد من رؤساء بعض الجامعات الرياضية ( أساسا كرة القدم – الكرة الطائرة)

8- من المهم التأكيد أن نص بلاغ صفحة الرئاسة جاء متناقضا في أغلب نقاطه مع ملخص أمريكي للاتصال بين الوزير والرئيس “سعيد” -وهو ملخص نشر في صفحة السفارة الامريكية في تونس-

** سياسة التعويم المعتمدة من طرف صفحة رئاسة الجمهورية، بين منطق التعمد وكارثية السياسة الاتصالية

1- لا شك أن اعلامنا عليل وان السياسات الاتصالية لكل الإدارات والأحزاب والجمعيات والمنظمات والإدارات كارثية وتقوم على الوقائعية وعلى الترقيع وعدم احترام عقول التونسيين…
أن هناك سياسة اتصالية بعد 25 جويلية تعمد منطق الاتجاه الواحد والراي الواحد وانه يغلب عليها الانتصار للانقلاب وفكرته وان المسحة النوفمبرية تُعبر عن وجود عقلية وطدية اقصائية تتناقض مع صراحة الرئيس وبداهته ووضوحه في مواقفه وخاصة بين سنتي 2012 و2019…

2- البعض يُربك الرئيس حتى في ملف محاربة الفساد -وهو ملف يشترك فيه جميع الفرقاء رغم مزايدات البعض على خصومهم السياسيين حيث يبحث الجميع عن اداراته بشكل ناجع وفاعل-وذلك عبر المضي في سياسة ومنهج تعويم البلاغات والتصريحات واللقاءات ومضامينها ومواصلة منطق الإنشائية وطول الجمل والإطناب في الشرح والتفصيل بينما رسالة الاعلام تقوم على الاختصار والوضوح وتبليغ رسالة ومضمون واحد في كل مرة…

3- الحقيقة أننا في تونس اليوم وفي ظل انقلاب 25-07 ورغم تهاويه واقعيا، نحصد ما زرعنا منذ عقود ومنذ سنوات وأننا أمام نخبة خانت شعبها والذي كان سابقا لها ومتميزا عليها منذ عقود وها نحن أمام غباء اتصالي رسمي مبني على حقيقة أخرى وهو أننا أمام اعلام غير مهني في غالبيته وأمام سياسيين كثير منهم لم يعوا اللحظة بعد رغم كثير من الشرفاء الذين أوجدوا ضوء يظهر لنا ساطعا في الأفق…

المصدر : نشر المقال في صحيفة الراي العام العدد 232 بتاريخ 25-11-2021 ص 09

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى