تحاليل

قيس سعيد يُفقد تونس حيادها الايجابي في الصراع الجزائري-المغربي الرهيب!

بقلم: معز زيود

مؤسفٌ ومريرٌ ما يحدث بين الجزائر والمغرب، ومخيّبٌ للآمال موقف تونس شبه الغائب من التصعيد الخطير السائد بين البلدين الشقيقين…

تشهد العلاقات الجزائريّة المغربيّة هذه الأسابيع أسوأ حالاتها منذ أعوام طويلة، ممّا فوّت على البلاد المغاربيّة فرصا جديدة في التكامل والتآزر، وحلّت محلّها حملات دعائيّة كريهة لا تفعل سوى صبّ مزيد من الزيت على النار. التصعيد المتزايد بين البلدين الجارين لم يقف عند اتخاذ الجزائر قرار قطع علاقاتها مع المغرب أواخر الصيف الماضي وإغلاق مجالها الجوي أمام جميع الطائرات المغربية، ثمّ إيقاف ضخّ الغاز في الأنابيب التي تعبر الأراضي المغربيّة نحو إسبانيا. الأخطر أنّ هذا التصعيد بلغ حدّ التهديد العسكري وقرع طبول الحرب، على إثر قصف شاحنات جزائريّة كانت تسير في اتّجاه موريتانيا على خطّ التماس بين الدول الثلاث، واتّهام الجزائر الرباط بتدبير الحادثة وتوعّدها بأنّ عمليّة اغتيال الجزائريّين الثلاثة «لن تمرّ من دون عقاب». وفي الأثناء تقف تونس موقفا سلبيّا إزاء هذا التصعيد العبثي بين بلدين عزيزين لدى كافّة التونسيّين، وكأنّها دبلوماسيّتها معصوبة العينين ومكتوفة الأيدي جرّاء حسابات سياسيّة يلفّها الغموض.

مقدّمات التصعيد

لا يخفى أنّ هذا التصعيد لم يكن من دون مقدّمات واستفزازات دبلوماسيّة، فضلا عن استعدادات عسكريّة من الجانبين، جعلت المغرب والجزائر أكبر مستوردي الأسلحة على الصعيد الإفريقي. فقد لامست السلطات المغربيّة، في نظر الحكم الجزائري، الخطوط الحمر حين سمحت لوزير خارجيّة الكيان الصهيوني بالتهجّم على الجزائر في عقر الرباط أواسط شهر أوت الماضي. كان همُّ المملكة المغربيّة التي ترأس لجنة القدس، من وراء التطبيع مع الصهاينة آنذاك، ضمان تفعيل الاعتراف الأمريكي بمغربيّة الصحراء الغربيّة ومباركة إسرائيل لسياساتها في هذا المضمار. ومع ذلك فإنّ هذا «الانتصار» الرمزي، المقترن بسياسة الابتزاز الأمريكي في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، ورغبة الرباط الضمنيّة في عزل الجزائر دبلوماسيّا، قد جعلها تُسيء تقدير عمليّة استهداف جارتها على لسان وزير خارجيّة كيان الاحتلال الصهيوني عند زيارته الرسميّة للعاصمة المغربيّة. فمن المعلوم أنّ المحاور والمواضيع المطروحة خلال المؤتمرات الصحفيّة في مثل هذه المواكب الدبلوماسيّة الرسميّة يتمّ الإعداد لها ثنائيّا بشكل مسبق ودقيق. ومن ثمّة، لا يتعلّق الأمر أساسا باستكمال خطوات التطبيع الرسمي، باعتبار أنّ المغرب حافظ منذ عقود طويلة على علاقات وطيدة غير معلنة مع الإسرائيليّين، وإنّما يخصّ حشر الجزائر حشرًا في ملفٍّ متناهي الحساسيّة.

في المقابل التزمت المغرب، خلال الفترة الأخيرة، الصمت شبه التّام حيال الاتّهامات الجزائريّة للرباط بأنّها قصفت «بسلاح متطوّر الشاحنات الجزائريّة التي كانت تحمل بضائع إسمنت وشحنة طلاء متّجهة ضمن قافلة تجاريّة إلى موريتانيا»، حتّى أنّ الملك محمد السادس كان قد تجاهل كليّا تلك الاتّهامات وخلافات بلاده مع الجزائر في الخطاب الذي وجّهه مؤخرا إلى الشعب المغربي بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء في اتّجاه الصحراء الغربيّة.

تجدر الإشارة إلى أنّ كبار المسؤولين الجزائريّين كانوا قد كرّروا وعيد الرئاسة الجزائريّة ولو ضمنيا بالردّ على ذلك الهجوم الموصوف جزائريا بـ»العمل الجبان». فقد أكّد وزير الداخلية الجزائري كمال بلجود، أمس الاثنين خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الموريتاني، على أنّ «الجزائر تعمل على تأمين جميع المناطق». وهو ما يُكرّر مضمون رسالة وزير الخارجيّة الجزائري رمطان لعمامرة إلى الأمين العام للأمم المتحدة الذي أكّد «استعداد الجزائر وقدرتها على تحمّل مسؤوليّاتها في حماية مواطنيها وممتلكاتهم في جميع الظروف». وممّا يُثير القلق ما قد يطرأ مستقبلا من حرب بالوكالة بين البلدين. فليس مستبعدًا أن تمضي السلطات الجزائريّة في تطوير دعمها العسكري لجبهة «بوليساريو» (الجبهة الشعبيّة لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب) من أجل دفعها إلى مواجهة نوعيّة غير مسبوقة مع الجيش المغربي، عبر استخدام طائرات بلا طيّار لمواجهة مثيلاتها المغربيّة. من السابق للأوان طبعا استشراف ما قد يحدث خلال الفترة المقبلة، غير أنّ الصمت المغربي لا يعني أنّ المغرب لا تمتلك معلومات استخاراتيّة عن ذلك الهجوم وعن المكان الدقيق الذي جرى فيه داخل الجزء الذي تسيطر عليه من الصحراء الغربيّة أو في تخومه بمنطقة «بئر لحلو». وهو ما يؤشّر على استعداد الجانبين لمواجهات عسكريّة محتملة مستقبلا.

الموقف التونسي

بعيدا عن الاصطفاف وراء هذا الجانب أو ذاك، كما هو الحال بالنسبة إلى معظم وسائل الإعلام العربيّة المريضة بارتهانها لأجندات تفرضها عليها أنظمة الحكم، فإنّه ليس بخفيّ أنّ أغلب التونسيّين الذين هم على دراية بملف الصحراء الغربيّة لا يعتقدون فعليّا بوجود دولة اسمها «الجمهوريّة العربيّة الصحراويّة الديمقراطيّة». وعلى الأرجح أنّ قلّة قليلة من التونسيّين على علم بهذا المسمّى أصلا. وبصرف النظر عن الحقائق التاريخيّة وعن احتمال الخلط العرقي الذي قد يكون المغرب مارسه في الصحراء الغربيّة من أجل ضمان نتائج استفتاء على تقرير المصير عجزت الأمم المتحدة عن إجرائه منذ طرحه قبل ثلاثين عاما، فإنّ ما يتأصّل في أذهان التونسيّين بشأن تلك المنطقة الصحروايّة الشاسعة أنّها جزء من المغرب، وأنّه من العبث إضافة دولة سادسة إلى البلاد المغاربيّة. لا يُعدّ ذلك في الحقيقة موقفا سياسيّا بقدر ما يُنبئ بتصوّر عاطفي يأبى المزيد من التشتّت والتشرذم لشعوب المنطقة. كما لا يعني التونسيّين أصلا أن يكون للجزائر منفذ على المحيط الأطلسي، مثلما لا يقبلون بهيمنة أيّ بلد على سائر الدول المغاربيّة. وهذا على الرغم من حبّهم العميق للجزائر والمغرب على حدّ السواء، وإيمانهم بوحدة شعوب المنطقة، وألمهم لضياع بوصلة مختلف أنظمة المنطقة التي ما انفكّت ترمي عرض الحائط بآمالهم في تفعيل فرص التكامل والنماء المشترك…

هذا المنزع المتعلّق بالمصير المشترك لشعوب المنطقة كثيرا ما أثبتته حقائق التاريخ ومعاركه الفاصلة منذ فترة الاحتلال الفرنسي البغيض لتونس والجزائر والمغرب. فلا أحد يمكنه شطب تاريخ الحركات الوطنيّة المغاربيّة المتآزرة آنذاك واختلاط دماء مناضليها. لا ينبغي أن ينسى التونسيّون أيضا الموقف الشهير للمغرب بشأن تهديد استقرار تونس بعد عدوان نظام القذافي على قفصة. يومها قال الملك المغربي الحسن الثاني حرفيّا إنّه «في حال هوجمت تونس فإنّ لها أصدقاء لن يكتفوا بالدفاع عنها بالصحافة والراديو. المغرب مستعد عسكريّا بل وقد أخذ احتياطاته أصلا من أجل أن يكون إلى جانب الشعب التونسي… ولكن ما دام هناك تونسي واحد فإن الشعب التونسي سيبقى». كيف ننسى ذلك؟، وقد جسّمت المغرب الأمر آنذاك ميدانيّا عبر إرسال ثلاث طائرات عسكريّة إلى تونس لدعمها في التصدّي لهجوم على أمن البلاد، بتآمر أجهزة مخابرات بلد جار.

وقع التاريخ هذا يدفعنا إلى التساؤل عن مسبّبات الذاكرة القصيرة التي استبدّت اليوم بالدبلوماسيّة التونسيّة، رغم إدراك القائمين عليها مدى حساسيّة الخلاف المغربي الجزائري بشأن الصحراء الغربيّة. فقد دأبت تونس على الالتزام بما تسمّيه بـ»الحياد الإيجابي» المتمثّل في الحرص على تجنّب الانحياز إلى بلد شقيق على حساب الآخر، فضلا عن العمل الدؤوب على رأب الصدع بينهما وتخفيف حدّة التوتر الذي كان يسود من آن إلى آخر. يبدو أنّ الحسابات الظرفيّة لقصر قرطاج قد أسقطت قوّة هذا النهج الدبلوماسي التونسي القويم. هذا ما يمكن أن نفهمه من امتناع تونس عن التصويت على قرار مجلس الأمن بتمديد مهمة بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية. قرار لا يتعلّق بمجرّد تردّد، وإنّما بانحياز للجانب الجزائري، حتّى لا نقول باصطفاف من شأنه أن يسيء إلى الدبلوماسيّة التونسيّة في حال لم يتمّ تداركه مستقبلا. فمن المعلوم أنّ تونس لم يسبق لها أن اعترضت على تجديد مهام البعثة الأمميّة في الصحراء، باعتبارها مهام سلميّة تهدف إلى الفصل بين الجانبين المتنازعين وإرساء السلام في المنطقة إلى حين إقرار حلّ دائم.

الدبلوماسيّة التونسيّة لم تقف عند هذا الحدّ من التخبّط، بل نزعت إلى سياسة النعامة إزاء التصعيد الماثل بين البلدين الشقيقين خلال الفترة الأخيرة. ويبدو أنّها أمست عاجزة حتّى على توجيه النصيحة للأشقّاء، خشية من انزعاج السلطات الجزائريّة من مجرّد دعوتها إلى حلّ الخلافات بالحوار بدلا من قطع العلاقات الدبلوماسيّة مع المغرب والمضيّ في السياسات الاقتصاديّة العقابيّة التي لن يتضرّر منها سوى الشعبين الشقيقين.

لن يبلغ بنا الأمر طبعا حدّ القول إنّ تونس تخلّت بعد عن نهجها الدبلوماسي الرصين والعقلاني والمتبصّر، لكن يبدو أنّها تتّجه إلى هذا السبيل الوخيم، وما عليها إلّا أن تستفيق من غيبوبتها الظرفيّة ولا سيما حيال دول الجوار. معلوم طبعا أنّ تونس في أمسّ الحاجة اليوم إلى الدعم الجزائري، مثل حاجة الجزائر إلى الدعم التونسي. ومع ذلك فإنّ تميّز العلاقات بين البلدين لا ينبغي أيضا أن يُلحق الضرر بعلاقات بلادنا بالمغرب اليوم وغدا، على الرغم من الانعكاسات السلبيّة السائدة للتنافس الاقتصادي في بعض القطاعات المتماثلة. من مصلحة تونس وشعبها، في الآن ذاته، أن تكون بمثابة صوت الحكمة بالنسبة إلى دول المنطقة المغاربيّة بأسرها، وخصوصا في ظلّ سياسة الابتزاز والصيد في المياه العكرة التي يمارسها الكيان الصهيوني منذ فترة من أجل تعفين العلاقات بين الجزائر والمغرب. ولا أدلّ على ذلك من تواتر الحملات الدعائيّة الخسيسة التي ما فتئ يشنّها الإعلام الحربي للجيش الصهيوني ضدّ الجزائر الشقيقة اليوم. دعوة إلى الحكمة والأمر

للاطلاع على المصدر:اضغط هنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى