تحاليل

في غباء السياسة الاتصالية للانقلاب أو في عقلية تورية حدث بآخر

علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي

** تمهيد
لا خلاف في أن التونسيون والتونسيات قد هربوا من جديد للشبكات الاجتماعية وللتطبيقات المنزلة على هواتفهم الجوالة ولوسائل اعلام عربية واجنبية لمعرفة حقائق التطورات والاخبار لما يجري في تونس في الساحتين السياسية والاجتماعية حتى أن بعض مواقع ولتدعيم مصداقيتها أصبحت تعتمد سياسة البحث عن المعطيات المباشرة وسط غياب صحافة استقصائية بعد أن غَرقت يوميات وقنوات في سياسة التطبيل والتدجيل مجددا…
لا يختلف اثنان من المتابعين على أن السياسة الاتصالية للقصر الرئاسي منذ أكثر من سنة ونصف هي كارثية بامتياز خاصة في ظل تناقض بلاغات الرئاسة مع بلاغات مؤسسات أجنبية إثر العديد من مقابلات الرئيس ومساعديه مع شخصيات أجنبية ودبلوماسيين ولعل أمثلة بلاغات كل من وزير الخارجية السعودي وإحدى مساعدات البيت الأبيض وأحد الوفود الأمريكية هي أمثلة للذكر لا الحصر، والحقيقة أنه ليست مؤسسة الرئاسة فقط هي التي لها سياسات اتصالية كارثية، فكثير من الإدارات والمؤسسات والأحزاب والمنظمات والجمعيات ينطبق عليها الأمر تطابقا كليا حيث تعمد تقريبا لنفس الممارسات والأساليب على غرار:
الهروب من حدث لحدث ومن موضوع لآخر للتورية على فقدان المصداقية ولخدمة أجندات ضيقة ومرحلية في محاولة لتوجيه الراي العام…
القاء المسؤولية وبشكل فج ومفضوح على الإعلاميين والتقنيين وعلى اداريين أيضا، وهو ما ساهم في تعفين الوضع وبالنتيجة زاد في كره الناس للمرفق الإعلامي سواء كان عموميا أو خاصا، فلم يعد هناك ثقة منذ أشهر لا في “الهايكا” (بسبب كوارثها والا قانونية تركيبتها) ولا في الكثير بل في أغلب المؤسسات الإعلامية التونسية وخاصة بعد غلق قنوات الزيتونة ونسمة وحنبعل، بل تعد عهناك ثقة أيضا في النقابات الإعلامية بل وفي أغلب الوجوه الإعلامية بسبب الكيل بمكيالين وعدم تقديم المعطيات على قاعدة أن “الخبر مقدس والتعليق حر ومتاح للجميع”…
تتضمن قراءة الحال محاولة فهم آليات السياسات الاتصالية للسلطة القائمة وخاصة بعد انقلاب/حركة 25-07 خاصة وأن الرئيس “سعيد” منذ عشية الانقلاب جمع كل السلطات في القصر بما في ذلك التحكم في كل المرفق الإعلامي العمومي بغض النظر عن تكتيكية الأهداف الخفية والمعلنة، ومن ثم تحاول قراءة تحليل الحال الإجابة على السؤال الرئيسي وهو: لماذا تفشل السياسات الاتصالية الرسمية الراهنة في تحقيق أي نجاح وفي اقناع الرأي العام بالحد الأدنى ولماذا لم ولن تنجح آلية تورية حدث بآخر؟

** حول السياسة الاتصالية لمؤسسة الرئاسة قبل وبعد 25-07-2021
أولا، اتسمت السياسة الاتصالية للرئيس “قيس سعيد” بعدم الاستمرارية شأنها شأن بقية مجالات فعله السياسي كرئيس منتخب ديمقراطيا خاصة في ظل التغييرات الحاصلة في كامل تركيبته الاستشارية حيث تم تغيير الفريق الاستشاري الموسع في أكثر من مرة واستقال الكثيرين في مربعات رئاسة الديوان (استقالة طارق بالطيب لتخلفه نادية عكاشة)، والدائرة السياسية (اعفاء “عبد الرؤوف الطبيب”) والدائرة القانونية (تعيين المستشار القانوني” هشام المشيشي” وزير للداخلية في حكومة “الفخفاخ”) والدائرة العسكرية/الأمنية (طلب الاستعفاء الذي تقدم به الجنرال “الحامدي”)…
ثانيا، تغيير عديدين من الفريق الاستشاري للرئيس، أربك السياسة الاتصالية (على احتمالية وجود فلسفة اتصالية أصلا في مؤسسة الرئاسة منذ 1987)، كما أن استقالة “النيفر” منذ أكثر من سنة أربك السياسات الاتصالية في القصر وتركها في حالة ذهول رغم مجهودات رئيسة الديوان، كما زادتها استقالة “ريم قاسم” ارتباكا على ارتباكها السابق ومن ثم بدأ التذبذب الاتصالي والذي نعتقد أنه لا يزال قائما خاصة في ظل وجود تركيز على الشبكات الاتصالية والاعتماد فيها على منطق الولاء السياسي وعبر عناصر مقربة من الفريق الاستشاري وخاصة بعد حركة/انقلاب 25-07-2027 كما أن فضيحة الحذف من صفحة مؤسسة الرئاسية في أكثر من مرة تعني الكثير ولعل مثال حذف تصريح الرئيس بعدد مليون و800 الف بعد اكتشاف فبركة خبر TV5 مثال دال ومعبر…
ثالثا، من المهم الإشارة الى أن السياسة الاتصالية في القطاع السمعي البصري وفي التعاطي مع قطاع الاعلام الورقي، شبه مشلولة وتقوم على التلقائية ومنطق الاستعجال والضرورات العاجلة وخاصة قبل 25-07-2021 فيما اعتمدت بعده على منطق أن الاعلام العمومي تابع بشكل شبه كلي للمؤسسة الرئاسية وأنه لا مجال للنقاش في ذلك بحيث غياب الراي الآخر أصبح أكثر شدة من مرحلة الرئيس المخلوع (1987-2010) …
رابعا، لا وجود لأيّ استراتيجيا ولا أي تَوجه بعينه، فماذا يعني وجود قناة خليجية دوما في تحركات الرئيس غير الاعتيادية، وماذا يعني أن الذين يُدافعون عن الرئيس في القنوات لا جامع بينهم لا إعلاميا ولا فكريا ولا من حيث القدرة على استيعاب مشروع الرئيس – بغض النظر على الموقف منه-والذي استطاع تبلغيه عمليا سوى “شفطر” في احدى الاسبوعيات ا, في بعض الندوات الخاصة وشبه المغلقة- وماذا تعني تلك الهزيمة التي عرفها المدافع على الرئيس في برنامج على احدى القنوات الأجنبية ذائعة الصيت؟، وما هي الفلسفة الاتصالية لذلك الحوار الذي أجراه الدبلوماسي السابق والمستشار الحالي في القصر “وليد الحجام” منذ أسابيع ليبين في الأخير أنه مجرد بالون اختبار واختار الرئيس الذهاب في اتجاه مختلف له في وقت لاحق …
خامسا، لا تُجيب مؤسسة الرئاسة فعليا على العديد من نقاط الاستفهام سواء في تبيان المواقف أو أسئلة طبيعية يطرحها الرأي العام وأيضا بخصوص مشروع الرئيس وحول التشكيكات التي يروج لها معارضي إجراءات الرئيس وخاصة بعد 25-07-2021
** الغباء الاتصالي أو في سياسة التورية وصنع حدث لتغيب تداعيات آخر

كل الأنظمة الاستبدادية والقمعية وفي كل التجارب وفي كل البلدان استعملت سياسات المغالطة بناء على توجيهات وتنظير نُخب هيأت لها مواقف وأساليب لتوجيه الجماهير نحو خياراتها ومن ثم استحمارها (العبارة للمفكر الإيراني “علي شريعتي”)، ومن ثم تغييبها عن قضاياها الرئيسية ولتمرير سياسات الحاكم الفرد وحاشيته العائلية والاستشارية والوظيفية سواء كانت محلية أو أجنبية، ولكن التطور التكنولوجي ومؤثرات العولمة وطبيعة القرن 21 ثقافيا وفكريا وسياسيا قاد الى تغييرات في السياسات الاتصالية حتى في مربعات الأنظمة الكليانية، وهو ما يعني أن استنساخها سنة 2021 لا يعني سوى الغباء وتسطير نهاية سالكيها ان آجلا أو عاجلا…
وقف التونسيون عشية ما عُرف بقضية “الحُفرة” في منطقة المرسى على سؤال مهم ورئيسي وهو: لماذا يتم التعاطي إعلاميا وبتلك الطريقة تحديدا خاصة في ظل وعي مواطني ان القضايا الحقيقة هي التنمية والتشغيل ومحاربة الفساد وفي ظل حقائق يعرفها القاصي والداني أن ما يعرف بـــــ”الطرابلسية” قد حفروا في “مكثر” و”المرسى” و”قفصة” وفي كل ربوع تونس بحثا عن الكنوز والثروات لسرقتها، وبالتالي من الغباء الحديث عن حفر سياسي لموضوع حُفرة كفيل بأمرها في اقصى حد لفرقة أمنية مختصة بعيدا عن الشوشرة الإعلامية خاصة ,ان أمنيينا اثبتوا مهنية كبيرة في أكثر من ملف كلما منحوا الفرصة وتم ابعاد التوظيف السياسي عن عملهم…
ما حدث في موضوع الحفرة والتي تحولنا بها الى فضيحة في الاعلام الفرنسي والأجنبي وغيرها من الاحداث التي أثيرت لتغييب قضايا مثارة وسابقة لها، كلها تُذكر التونسيين والتونسيات بمنطق الاشاعات والتأويلات في نهاية 2010 وببرنامج المنظار سيء الذكر، كما تذكر الكثيرين منهم بأحداث ووقائع منتصف الثمانينات عندما كانت حاشية بورقيبة تتصارع حول خلافته لتظهر في الأخير أخبار ووقائع معدة في الغرف المغلقة ويروجها هذا الجناح او ذاك خدمة لمآربه الخاصة…
جاء خبر الحفرة ومنطق تهويله واخراجه عن سياقه ومربعاته كمنطق هروب الى الامام وحتى لا يتساءل الرأي العام مجددا عن قضايا الظرف والخبز المسمومين وفق ما قيل وأيضا حول المؤامرات والتخطيطات التي قيلت في أكثر من خطاب وخبر وبرنامج، وأيضا صنعت أحداث أخرى مشابهة للتورية ربما عن غياب خارطة الطريق التي تحدث وزير الخارجية عن قرب الإعلان عنها مثلا عن غياب مندوب الطفولة في قضية التحقيق الأولي مع قاصرين غادر والدهما المعارض للتراب التونسي قبل ذلك بيوم أو يومين أو ربما ساعات ( تدوينة المحامية “حنان الخميري”)، وقبل ذلك أثيرت قضايا عدة في الاعلام وفي أنشطة رسمية وسط سؤال: كيف ولماذا الغيت مثلا الإقامة الجبرية على الكثير من الناشطين مثلا بدون تعليل رسمي وقبل ساعات من مسيرة معارضين بساعتين ويوم الاحد تحديدا بعد أن حولت برامج وخطب تبرير ذلك الاجراء وغيره من الإجراءات التعسفية وغير الدستورية؟…
ماذا يعني أن “الزكرواي” و”الخرايفي” و”المغزاوي” وبعض تبريريين ووظيفيين للانقلاب، يُغيرون مواقفهم من قضايا أكثر مما يغيرون ملابسهم ربما؟، ثم ماذا يعني تعيين ناطقة رسمية للحكومة في يوم أول ويتم اعفاؤها من الغد؟، وقبل ذلك ماذا يعني عدم تقديم قائمة الحكومة مثلا الا وسط عملية أداء القسم أمام الرئيس، وكثيرة هي الأسئلة حول إجراءات وقرارات وسياسات تنزل، كما أن الإعلاميين في مربعات لا يحسدون عليه وان كان بعضهم ساهم بشكل كبير في المستنقع الحالي للبلد ولواقع الاعلام أيضا فماذا يعني عدم محاورة وكالة تونس افريقيا للأنباء لمعارضي الرئيس وماذا يعني تغييب التغطيات واثارة قضايا بعينها وهي أكثر من أن تحصى أو تعد وأين الفعل الإعلامي المشابه لما كانت تقوم صحيفة “الرأي” في العهد البورقيبي واي هن الفعل المشابه لما اتته صحيفة الموقف ورجالها في عهد الرئيس المخلوع؟
لا شك ان الإجابة الشافية هي أننا نحصد ما زرعنا منذ عقود ومنذ سنوات وأننا امام نخبة خانت شعبها والذي سبقها منذ عقود وأننا ام غباء اتصالي رسمي كما أننا أمام اعلام غير مهني في غالبيته وأمام سياسيين كثير منهم لم يعوا اللحظة بعد رغم كثير من الشرفاء الذين أوجدوا ضوء يظهر لنا ساطعا في الأفق، وحتى نبدأ منذ اليوم وبذلك الضوء مرحلة ما بعد الانقلاب -وان غدا لناظره لقريب وما ذلك على الله أولا وعلى التونسيين ثانيا بعسير-…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى