تحاليلغير مصنف

لماذا تُسارع قوافل آل نوفمبر والأن بالذات بتوظيف مساحات وهوامش ضد قُوى الثورة؟

علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي

 

** تمهيد

1- يبدو أن مُربعات مشروع “قيس سعيد” السياسي، قد تفكَّكت وان ما بَقي منها أصبح في حالة ارتباك وتَفكك آلي (بالمعنى السياسي)، فلَا التَنسيقيات قادرة على التحول الى حزب سياسي ولا “سعيد” نفسه مقتنع تمام الاقتناع بأن الوقت قد حَان لتنزيل مشروعه الأصلي الموسوم بـــ”الديمقراطية المباشرة” والتي يؤمن بأنها لابد أن تَرث وتقبر الديمقراطية التمثيلية…

2- لا يختلف اثنان من المتابعين على أن السياسة الاتصالية للقصر الرئاسي منذ أكثر من سنة ونصف هي كارثية بامتياز – خاصة في ظل تناقض بلاغات الرئاسة مع بلاغات مؤسسات أجنبية إثر العديد من مقابلات الرئيس ومساعديه مع شخصيات أجنبية- كما أن مؤشرات عدة تؤكد أن قوَى وظَّفها الرئيس المخلوع (على غرار العديد من قيادات الوطد بمختلف فصائله وبعض ناصريين وبعثيين وليبراليين، وهم أساسا من المتنفذين في أجهزة إدارية بغض النظر عن هويتها الوظيفية)، ورغم ذلك فإن الأغلبية المطلقة من المديرين العامين والمديرين والاطارات في مؤسسات الدولة غَير راضين على عودة ذلك المنطق وغير مرتاحين لما يجري منذ أسابيع وخاصة منذ يوم 22 سبتمبر الماضي…

3- لا علاقة لفكرة ومقال الحال بالموقف من سياسات الرئيس اَو مواقفه أو اجراءاته – فهي موضوع ثان ليس هنا المجال مجاله- كما أن قراءة/مقال الحال لا علاقة له بمضمون خطب الرئيس وكل قراراته الأخيرة…

4- الثابت أن الدولة التونسية بما هي كيَان مؤسس على ثقافة المدنية واحترام القانون لم ولن تسقط، وهي ستدافع عن نفسها في كل لحظة تَتحسَّس بالخطر الذي يمكن أن يمس تونس وشعبها وأنها (الإدارة – القضاء – العسكر – الأمن بمختلف أسلاكه وأجهزته)،ستتكيَّف مع كل منطق للبناء والحوار والاستمرار في التكاتف والتكيّف مع مَقتضيات التطوّر الإقليمي والدولي…

5- ما حَدث يوم 25 جويلية/يوليو الماضي هو في رأينا هو انقلاب ولَيس تصحيح مسار كما يَدّعي البعض بناء على أن الانقلاب مفهوميا هو عمليا “استعمال الأدوات غير السياسية ( القوى الصلبة للدولة وخاصة جهازي الجيش والأمن)، لتغيير المعادلات السياسية التي كانت قائمة…

6- لا يعني ما سبق طبعا الاصطفاف للأداء السياسي الرديء للنخبة السياسية قبل 25-07 سواء كانت معارضة أو حاكمة وخاصة وان تلك النخب لم تصطف مع شعبها وطُموحاته ولا راعت آلامه وآماله اليومية، ومعلوم أن كل مُساندي الانقلاب والإجراءات الاستثنائية هم أساسا من كانوا وزراء وكتاب دولة أيضا وكانت أحزابهم طرفا في بعض الحكومات السابقة على غرار “زهير حمدي” ( رئيس ديوان وزير سنة 2012 ) و”عبيد البريكي” (وزير الوظيفة العمومية سنة 2017 و”ناجي جلول” ( وزير التربية سنتي 2015و2016 ) و”زهير المغزاوي” (حزبه كان عضوا في حكومة “الفخفاخ” بوزيرين مكلفين بحقيبتي “التجارة” و”التشغيل”)…

7- تَتضمنُ قراءة الحال كشف هوية المُنتسبين والفَاعلين في قوافل آل نوفمبر، والاجابة على سؤال لماذا لم ينتبه إليهم الرئيس “سعيد” وأهم مساعديه الاستشاريين؟

** من هم قوافل آل نوفمبر، ولماذا لا ينتبه الرئيس سعيد الى خطورتهم والى آخرين ممن يسيئون اليه وهم من حوله؟

1- إذا ما أعدنا تعريف “سعيد” من جديد وبغض النظر عن التفسير التآمري في قراءة أحداث التاريخ والوقائع بين 2011 (سنة الثورة) و2019 (تاريخ صعود “سعيد” للرئاسة)، فإننا يمكن أن نقول ونؤكد أنه قد سرق من نَاخبيه وأنه أخطأ المنهج والوسيلة لاحقا في تلبية طموحات شعبه وجمع الأطراف السياسية والاجتماعية على نفس طاولة الحوار طبعا، كما أنه فقد في رأينا رصيده السياسي الرئيسي وكرس سياسة اتصالية غير سليمة، كما أن الذين من حوله قد حولوا مشروعه الى غير الوجهة الوطنية الحقة التي بني عليها في البداية وأنه أصبح محاصر سياسيا بقوى هواها نوفمبري الهوية والا ماذا يعني انه ضد قمع الحريات وفي نفس الوقت نسمع كثيرا عن الاعتقالات والاقتحامات والتجاوزات، و”سعيد” تعريفا هو ذلك الشخص الذي انتخبه التونسيون لصدقه وصراحته وسهولة التعبير عن فكرته وهو الذي انتخبته في الدور الثاني كل جماهير كل القوى السياسية والفكرية، ولكن السؤال راهنا: أين هو اليوم من كل ذلك؟ …

2- قوافل آل نوفمبر هم أولئك الذين صنعهم المخلوع وهيأوا أنفسهم لخدمته عبر التملق والتبرير وتهيئة الأجواء لذلك مضاف إليهم جوقة من نخب ناصرية ووطدية ويسار ثقافي (من الناقمين والمعقدين من هوية تونس وخصوصياتها الحضارية) وهم أيضا كمجموعات يضمون في صفوفهم بقايا عتاة في الإدارة بكل تفرعاتها كما هم بعض متقاعدين ممن يشتغلون مستشارين في غرف نُزل عند بعض لوبيات المال والأعمال الفاسدة (أي رأس مال غير وطني) وبعضهم الآخر هم نقابيون في مربعات النقابات المهنية والأمنية…

3- لقد جاء “سعيد” للرئاسة لخدمة بلده وذلك أمر لا غبار عليه وهو حاليا رئيس منتخب وبأغلبية معتبرة، ولكن الواضح أنه لم يضع أي استراتيجيا قوية ومتماسكة الخيوط تمكنه من تجنب سياسات الاحتواء التي يضعها عادة الانتهازيون والوظيفيون، ونكاد نجزم أن بعض عتاة وظيفيين قد استطاعوا ان يبنوا حلفا بين الفاشيين (الذين تمثلها واجهيا رئيسة “الحزب الدستوري الحر”) وبعض وظيفيين في أحزاب عدة ان لم نقل كلها – وعلى رأسهم حزب “التيار الديمقراطي” والذي أطنبنا الحديث عن وظيفيته في مقالات ودراسات سابقة، أما “حركة الشعب” فهي جمعت بين مساوئ المركبات الثلاث ونهلت منها أي “الشعبوية” و”الوظيفية” و”الفاشية” (والدليل ان الانقسام والتناحر داخلها اليوم قائم ومبني على الجهوية والنفعية المباشرة لقياديي تياراتها)،

4- والخلاصة في هذا الاطار أن “سعيد” سقط فعليا في أتون تكتيكيات أحزمته السياسية والاستشارية باعتبار ان محيطه ينقسم في قراءة أهم الملفات اليوم ( طبيعة الحكومة وتركيبتها – زمن وتوقيت تنزيل مشروعه – الموقف من المجتمع المدني- كيفية التعاطي مع مكونات التيار الإسلامي وخاصة حركة النهضة)، وهي أحزمة أمكن للوظيفيين والفاشيين اختراقها كما أنه تمادى حتى بعد انتخابه في تبني الشعبوية والتمسك بمشروع “الديمقراطية المباشرة” فاستطاعت قوافل “آل نوفمبر” الاقتراب من مربعاته واحتواء بعضها وتوظيف أخرى وخاصة على المستويين الجهوي والإداري التنفيذي…

** لماذا تُسارع قوافل آل نوفمبر الى تفكيك مشروع “سعيد” بآليات ناعمة وخفية؟

1- أوهمت بعض النخب الرئيس “سعيد” والمقربين منه أنها طرف حليف بينما هي طرف وظيفي سياسيا لا غير ومن ناحية ثانية هي أطراف توظيفية له بناء على تعليمات أطراف توظفها وتعد نفسها لوراثتها في اللحظة المناسبة، اذ هي أطراف وظيفية دوما حتى لو لعبت أدوار التوظيف المسند لها من طرف لوبيات المال والأعمال أو هي وكيلة ثقافيا وفكريا وسياسيا لأذرع إقليمية او قوى دولية بعينها…

2- تغيّر فريق المستشارين وان نتج على حقيقة وواقع أن “سعيد” كرئيس منتخب لم يكن له حزب أو مشروع فكري متكامل وهو ما يعني أنه اعتمد ويعتمد منهجية التجربة والخطأ – أي أن من يتلاءم معه يبقى ويتطور موقعه ومن لا يتكيف يغادر الفريق – ولعل تغيير رئيس الديوان في جانفي 2020 ومغادرة حوالي 8 مستشارين في ظرف سنتين مثال دال ومعبر، ولكن القوى الوظيفية أربكته ودفعته سياسيا الى خطوات غير محسوبة سياسيا على غرار اهتزاز علاقته بالمنظمة الشغيلة تواصليا ذلك أنه لا يمكن تصور حوار وطني لا تكون فيه هذه الأخيرة طرفا رئيسيا – وهي حقيقة تاريخية بغض النظر عن الموقف من بعض اعصاء المركزية النقابية الحالية أو السابقة أو التي كانت تقود المنظمة قبل 2010-

3- مَاذا يعني أن تَتغيَّر مواقف الرئيس من كل الأطراف التي كانت علاقاته بهم جيدة بما في ذلك “ائتلاف الكرامة” (أغبهم جلس للرئيس قبل وبعد انتخابه رئيسا)، وماذا يعني تباين علاقاته مع “التيار الديمقراطي” في أكثر من مناسبة قبل وبعد حركة/انقلاب 25-07-2021، وماذا يعني أن تسوء علاقته بحركة النهضة لهذه الدرجة وهو الذي سبق أن حذر من سنة 2016 من اسقاط جسم قوي وأنه يجب البناء بجانبه؟، ان كل ذلك يعني أن هناك الى جانب مربع القابلية (الرئيس وفريقه)، أن هناك أطراف تضع الحواجز ولو بأشكال خفية وبعيدة عن الأنظار، والا ماذا يعني ان تكون مواقف الرئيس من ملفات ذات بعد مضوني وفكري وسياسي متباينة قبل وبعد انتخابه رئيسا؟ (من علاقة رئيس الحكومة بالرئيس – ومن الدستور – ومن العلاقة بالمجتمع المدني – من حركات المقاومة الفلسطينية ولعل عدم مقابلته مع ممثل “حماس” طرح أكثر من نقطة استفهام…)

4- إنَّنا نعتقد وان تلك القُوى الوظيفية هي التي بَنت أسوار من عدم الثقة بين الرئيس وكل من حوله من رؤساء حكومات وأحزاب ومنظمات وشخصيات وطنية وبعض مستشارين له، وهي أيضا في اعتقادنا من دَفعته لمساحات بعينها بحثا منها على إطلاق قطار جديد بعد توقف القطار الحالي والذي يُخفي ذلك القطار الذي يُهيّأ البعض لانطلاقه بلافتة “نوفمبرية” واضحة بعد تهيئة الأجواء للمساحات ولتقبله ولو بتعسف على الرأي العام…

** ماذا تفعل قوافل آل نوفمبر حاليا، ولماذا بدأت في استهداف بعض أجنحة الثورة بهذه السرعة؟

1- من يعتقد وأن الوظيفيين في الإدارة وفي كل أجهزة الدولة لم تستعد لهذه المرحلة منذ سنوات فهو واهم، ذلك أنها قوى وفَّرت مساحات للإرهاب وأجنحته (وذلك موضوع ثان وطويل)، ومن ثم توسع آثاره ووفرت الأجواء ليتمكن الفساد والفاسدين من مساحات حتى ثَملت تلك المساحات بالفاسدين، انها أطراف كما أوضحنا أعلاه اخترقت كل المنظمات والأحزاب والهيئات لتُجهز لنفسها للمرحلة الحالية ولتكسب مستقبلا مساحات أكبر وتحتل مقاعد أكثر وأوفر وهي في تزاوج منهجي مع أجنحة مكونات سياسية لم تحاكم في عهد المخلوع ولا في عهد الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة بسبب أدوارها الوظيفية والقذرة…

2-  سر مسارعة تلك القوى الوظيفية والآن تحديدا للعب أدوار وبعيدا عن الرئيس – وبغطاء ظاهر وكأنه هو من يأمرها ويُعطيها الأوامر- هو احساسها بضيق الوقت وبخطورة التطورات اللاحقة وما يجري في الإقليم وبأن المساحات قد بدأت تضيق عنها وأن بعض خياراتها قد سقطت في الماء (استئصال حركة النهضة – العجز في قلب الإقليم والمجتمع الدولي على خيار ضرب الحريات وسجن سياسيين وناشطين…)، ومن ثم عمدت الى التركيز على “ائتلاف الكرامة” باعتبار ان رأسه مطلوب أصلا من طرف دولي معروف ومن بعض النقابات الأمنية ومن أطراف مهنية ونقابية بعينها ومن طرف مكونات سياسية في حزام الرئيس، وها هي تسارع اليوم الى ضرب مربعات الاعلام البديل وبعض قنوات تلفزية بعينها وهي لن تتوقف ما لم ينتبه الرئيس وكل الدولة الى مخاطر تركها تعبث بتونس وبالحريات….

3- الإرباك الحاصل في مواقف الرابطة من قضايا حقوقية فضيحة كبيرة أما الفضيحة الأكبر فهي صمت النخب الجامعية وعدم تكاتفها كما أنه من الغريب أن لا تتحرك “نقابة الصحافيين” اثر إيقاف اعلاميين واثر الاعتداء على مقرات قنوات وإيقاف اعلاميات واعلاميين واقتحام مساكن سياسيين وناشطين على غرار اقتحام بيت الجامعي والسياسي “جوهر بن مبارك” (أمس الأربعاء 06 أكتوبر)، ولو تم الصمت على تلك الممارسات فان التمادي سيكون الى مساحات أوسع حتى يطال الأمر الجميع مثل ما حدث وتم بداية التسعينات، وكل ذلك ما هو الا استراتيجيا غامضة موضوعة فعليا بترتيب ودقة متناهية بحثا واستباقا لما قد يجري يوتم خلال قادم الايم والأسابيع وهو تفكير وطدي وببصمات وظيفيين وفاشيين، والا ماذا يعني تحريك ملفات لهذا الطرف او ذاك والسكوت الممنهج عن تصرفات وممارسات وتجاوزات “عبير” وحزبها رغم وضوح تجاوز القانون والارباك الذي احدثته سابقا في البرلمان؟ (معلوم أنها مست الرئيس وانتقدته بطرق غير ديمقراطية وتدخلت في آليات ممارساته لمهامه، ثم لماذا يتم الصمت على أموال في حساب حزبها البنكي هي نفسها أشارت اليه) …

4- اننا في الختام نوجه الدعوة للرئيس ان يلتقط اللحظة ويجلس الجميع لطاولة الحوار وان يوقف عبث الفاشيين والوظيفيين من “آل نوفمبر” وان يكف عن الشعبوية لأنها لا تقدم ولا تؤخر ونقول له أن فلسفة التنوير تقوم على أن ندافع على من يخالفنا الرأي، وإننا نُهيب بالدولة ككيان وخاصة في ظل مهنية المؤسستين الأمنية والعسكرية أن تتحرك لإيقاف النزيف نزيف الفوضى والاعتداء على حرية التعبير لأنها مكسب عظيم والدليل أننا أطردنا المخلوع يوم 14-01-2011 تحت شعار “خبز وماء وبن علي لا …”، أما الخبز والرفاه فسيكونون رهينة تحررنا وسيادتنا الوطنية بدولة مدنية جماعة تضم الجميع ولو كانوا مختلفين سياسيا وفكريا…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى