تحاليل

مُستقبل الكُتلة الديمقراطية بين التفكّك والتجذّر

في ظل وُجود تباينات وخلافات داخل كل من "التيَّار" و"حركة الشعب الناصرية"  

علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي

            تباينت وجهات النظر داخل الكتلة الديمقراطية وبين القيادات المركزية في الحزبين الرئيسيين والمكونين لها وخاصة بعد تسريب وثيقة الانقلاب او ما يعرف بوثيقة تفعيل الفصل 80 من الدستور، ورغم ان تلك التباينات في كلا الحزبين سابقة على ذلك وتتركز حول العلاقة مع الآخر السياسي (النهضة – الائتلاف-قلب تونس – الدستوري الحر-كتلة الاصلاح) وحول ابجديات وشروط الذهاب لحوار وطني تنتج عنه حكومة سياسية، وبناء على عقد اجتماعات مطولة للمؤسسات المركزية للحزبين فإنه من المهم طرح أسئلة عديدة تتعلق بمستقبل الكتلة وحزبي “التيار الديمقراطي” و”حركة الشعب الناصرية” في ظل التطورات الأخيرة والمتغيرات الإقليمية…

** واقع الكتلة والحزبين والتجاذبات داخلهما

1- صبغت حدة النقاشات اجتماعي المكتبين السياسيين لحزبيالتيار الديمقراطي” و”حركة الشعب الناصرية” آواخر الأسبوع الماضي، كما حضر الجدل والتجاذب ومن ثم المناكفات والتباينات بين تيارين خلال أشغال المجلس الوطني لحركة الشعب، وكل ذلك يتعلق أساسا بطبيعة وشروط وأبجديات الذهاب لحوار وطني ومضمون ذلك الحوار وتفاصيله، وهل سيؤدي ذلك لتشكيل حكومة سياسية وماهي تركيبتها وبرنامجها المرحلي؟

2- عمليا لم تغب آثار تسريب الوثيقة الفضيحة على أغلب المداخلات والنقاشات التي وسمت بالحادة في الاجتماعات المركزية للحزبين وهما المكونين الرئيسيين للكتلة الديمقراطية خاصة وأن تلك الوثيقة متماهية من حيث مضمونها والمقترحات التي تضمنتها مع تدوينة عبو في 20 ديسمبر 2020 ومع خطاب كل من القياديين “هيكل المكي” و”سالم لبيض” والعديد من أعضاء الكتلة الديمقراطية ومطالبة بعض قياديي الحزبين في أكثر من مناسبة بشكل أو بآخر بتفعيل الفصل 80 من الدستور خاصة في ظل اعتراف ضمني بوجودها الفعلي من طرف الرئيس “قيس سعيد” أثناء لقائه برئيس الحكومة  يوم 27 ماي الماضي وبداية التحقيق في ملابسات وصولها لديوان الرئاسة قُبيل زيارة الرئيس لباريس يوم 16 ماي الماضي (الوثيقة كما هو معلوم مؤرخة يوم 13 ماي أي يوم العيد تحديدا)، كما أن المدعو “وليد البلطي” والذي كان عضوا في حزب التيار الديمقراطي قبل مغادرته بغض النظر عن علاقاته المثيرة للجدل والتي سيكشفها التحقيق خاصة في ظل الحديث في الكواليس عن شكوى مقدمة ضده سنة 2017 بخصوص شبكة علاقاته المثيرة للجدل (حتى أن الشكوى المقدمة تتحدث عن علاقات له مع أركان نظام الرئيس المخلوع وعائلته)…

3- كان موضوع رئاسة الكتلة حاضرا بقوة في اجتماعات المؤسسات المركزية للحزبين حيث تمت المطالبة في أسوار الحزبين – دون موقف معلن ورسمي-باستقالة رئيسها الحالي أي النائب “محمد عمار” كنتاج لتعدد كوارثه وأخطائه السياسية بداية من فضائح التسريبات وصولا لنشر رئيسة الحزب الدستوري لمناقشات بينها وبينه على تطبيقة “الواتساب” بخصوص تنسيق المواقف في ملف العلاقة مع ليبيا كمثال للذكر لا الحصر، إضافة الى كارثية تصريحاته في المنابر الإعلامية حتى أن صفحات ومواقع اخبارية أكدت أن الأمين العام الحالي “غازي الشواشي” قد هدد مجددا بالاستقالة في صورة عدم ابعاد “عمار” من رئاسة الكتلة وعدم فض الخلافات…

4- من الخطأ القول إن التيار الانقلابي والوظيفي داخل الكتلة وداخل الحزبين ضعيف او هو في حالة تضاءل ذلك أن هناك قياديين يؤمنون بجبهة الثورة وببناء كتلة تاريخية لها وهم قياديين وان كانوا ليس في واجهة الكتلة ولا في واجهة قيادة الحزبين، إلا أنهما يدافعان عن سيادة القانون ورفض حل مجلس النواب ومع إرساء المحكمة الدستورية ومع رفض السقوط في شباك وحبال دول خليجية بعينها وأهمية الاحتكام للصندوق وأهمية الذهاب لحوار وطني بدون شروط مسبقة…

5- بعض أولئك واقعيين ذلك أنهم أصبحوا على وعي كامل وهم يعتقدون جازما أن محيط الرئيس “سعيد” الاستشاري ليس متناغما بل وأضر به أيضا وأنه لابد من التصدي لأيّ نزعة انقلابية داخل وخارج الحزبين ولعل نتائج التصويت في البرلمان أكثر من مرة بينت وجود تيارين مخالفين لقيادة الحزبين وضد توجهات مُتصدري المنابر الإعلامية من قياديي الحزبين…

6- كل المُتابعين يجمعون على أن كلا الحزبين المُشكلين للكتلة الديمقراطية يشق كل منهما تيارين مختلفين في قراءة تطورات الساحة السياسية -وهو أمر موجود تقريبا في كل الأحزاب سواء في الحزام الحكومي او في المعارضة-ولكن ما يلاحظ داخل الحزبين تحديدا هو حدة الخلافات وتناميها خلال المدة الماضية وانتقاد واسع داخلهما وضمني وغير معلن رسميا لوظيفية بعض قياديين رئيسيين في كل حزب وهو أمر أصبحت له ترتبات تهدد الوحدة التنظيمية للحزبين:

  • حركة الشعب، تطورت التباينات بين القيادات حول شرط التخلي عن “المشيشي” قبل الذهاب لأي حوار وطني تنتج عنه حكومة سياسية ببرنامج عمل متوافق عليه، ورغم التباينات في أكثر من ملف وقضية أصبح أمرا دارجا منذ 2019 فان محاولات مجموعةUDU بقيادة “المسليني” وآخرين والتطرف السياسي والفكري للنائب “هيكل المكي” (وهو المقرب من مربعات قصر قرطاج) واعلانه الصريح عن رفضه الذهاب لأي حوار، ومقابل ذلك يوجد تيَّار ثان أكثر واقعية يقوده أساسا الوزير السابق “فتحي بلحاج” وهو تيار يُؤكد على أن الحزب/الحركة مستفيد من المسار الديمقراطي وأنه لابد وأن يتمايز على بعض أطراف معنية ببعض النزعات الانقلابية…

  •  حزب التيار الديمقراطي، لا يختلف إثنين أن الحزب قد سقط أكثر من غيره في مربع الوظيفية السياسية منذ تأسيسه والتي ساهم فيها مجموعة ما يسمى بــــ”آل عبو” تحديدا حيث تم توريط الحزب وضرب مصداقيته لدى الرأي العام خاصة بعد نشر عبو لتدوينته في 20 ديسمبر 2020، أو موقفه الأخير حول اقالة الوزير شرف الدين وكيف أنها غيرت المعادلات ضد طموحاته الشخصية، ومقابل ذلك يخوض تيار الاعتدال وإن بهدوء وهامش ضعيف ضد تلك الخيارات والتسرع في بناء مواقف وتحالفات أضرت واقعيا بالحزب وبالبلاد، ويظهر أن السيد “محمد عبو” ورغم استقالته من قيادة الحزب ومن مربعاته التنظيمية فانه لا يزال أسيرا للوظيفية بل ولعلاقات وارتسامات سابقة على مربع الحوار الوطني في 2013 وما بعده وأخرى خاصة بشبكة علاقاته ما بعد 06 أكتوبر 2019 وطبيعته وتأثيراتها على أدواره السياسية السابقة والحالية…

**  أي مستقبل الكتلة الديمقراطية ولمكونيها الرئيسيين؟

1- عالجنا في مقالات ودراسات سابقة وظيفية حزب “التيار الديمقراطي” واستقرأنا آفاق مستقبله وتساءلنا عن بحث مؤسسه “محمد عبو” عن دور وظيفي جديد وأيضا درسنا كيفية تعميق “حركة الشعب الناصرية” لأزمة التيار القومي في تونس، وقد خلصنا فيها جميعا إلى أن بعض قيادات الحزبين المعنيين بمقال الحال قد كرسوا منطق الوظيفية للمنظومة القديمة ومن ثم الانخراط في بعض أجنداتها أولا (يمكن مراجعة نقاشات النائب ورئيس الكتلة الحالي “محمد عمار” مع “عبير موسي” وهي نقاشات نشرتها بنفسها منذ أسابيع) …

2- هناك اليوم وعي كبير لدى الكثير من نواب الكتلة ولدى أعضاء تيّار بعينه في الحزبين بكارثية تحويل الكتلة الى وظيفية عند الغير سياسيا وتنظيميا على غرار تحولها لجزء من الحزام البرلماني للرئيس بدون فاعلية ونتائج سياسية مرجوة حتى أن البعض في الحزبين اكتشف أخيرا أن مربعات القصر هي موظفة لهم كحزبين وككتلة وأن تلك المربعات قد أضرت وستضر بالرئيس “سعيد” نفسه وأنها أبعدته عن ناخبيه الحقيقيين ويستشهد أولئك بأنَّ كثيرين لم يعجبهم فوز “قيس سعيد” عشية انتخابه وهم اليوم يدافعون عنه بحثا منهم على تصفية خصوم سياسيين لهم ومن ثم سينقلبون بالتأكيد على الرئيس وخياراته وحلفائه الحقيقيين وذلك لا يعني البتة أن الرئيس لم يخطأ في عديد التقديرات والمواقف)…

3- عمليامن الممكن أن يكون المستقبل السياسي للكتلة الديمقراطية ولقيادات من الحزبين واعدا خاصة لو تشجعت تلك القيادات في القيام بعدد من المراجعات للفعل السياسي للأطراف الثلاث (الحزبين – الكتلة)، ومن ثم انتقاد جملة خطوات وأنساق تبنتها واتبعتها بعض القيادات للحزبين، وهو أمر ممكن لو توفرت الإرادات ولكنه أيضا صعب الحدوث بمنهجية صحيحة وفاعلة ذلك أن طبيعة وذهنية شخص مثل “محمد عبو” وطبيعة تركيبة الحزبين والفاعلين الرئيسيين فيهما وطبيعة الأطراف الحليفة لقياديي الحزبين، وكل ذلك لن يُمكن الكتلة الديمقراطية فعليا من أيّ جدّي وبالتالي لا ينتظر تطورهما في ظل المعطيات الحاصلة الآن اللهم الا اذا سارعت قيادات ونواب في فهم اللحظة التاريخية والوعي بخطورة وظيفية بعض قياديين من الحزبين على غرار “سامية عبو” و”هيكل المكي” وآخرين والضغط عليهم لمغادرة تلك المربعات والالتباسات…

4- عمليا إن لم يقم العديد من المؤمنين بالخيار الديمقراطي في الحزبين بخطوات تقييمية لابد منها فانوظيفية الحزبين والكتلة ستتدعم أكثر فأكثر، وبناء على ذلك لا يمكن البتة لــــ”عبو” و”المغزاوي” وحزبيهما أن يكسبا سياسيا أكثر مما كسباه منذ 2013 الى الآن، وسيبقى مستقبل الحزبين ومستقبل الكتلة الديمقراطية مرتبطا ومرهونا بطبيعة التطورات محليا واقليما ودوليا وخاصة الاحداث في ليبيا وسوريا ولبنان…

5- قديحقق كل من “هيكل المكي” و”سامية عبو” وغيرهما من الوظيفيين بعض مكاسب سياسية وظرفية أساسا شخصية مستقبلا، ولكن من غير المستبعد أن حزبيهما قد يتفككان (وخاصة “التيار الديمقراطي” باعتبار ان حركة الشعب عقائدية التركيبة والبُنية التنظيمية)، أو يبقيان في نفس المربعات…

6– ستكرر عمليا نفس المواقف ونفس الاصطفافات في أفق سنة 2023، وقد يصل أمثال “ليلى الحداد” و”القمودي” و”العجبوني” الى لعب أدوار وظيفية جديدة ولكن سقطاتهم السياسية ستتكرر وتتواصل بنسق أسرع من السنوات والأشهر الماضية…

7- غياب التقييمات داخل أسوار الحزبين وسيطرة تيّارين محافظين على الحزبين لهم هوس وفوبيا مع الإسلاميين ومع الآخر السياسي عموما وحلم بعض قياديين على غرار “المكي” و”القمودي” و”لبيض” بان تطورات الإقليم ستُريحهم من الإسلاميين وفي الحلم بأن التطورات قد تجبر الجزائريين والقطريين والأتراك على الاسهام المباشر وغير المباشر في ضرب وتفكيك التيَّارات الإسلامية، كما أن عدم فهم ما يجري في مصر وفي أن هناك تباين بين “القاهرة” و”أبو ظبي” سيربك تحالفات وتواصل البعض من الناصريين التونسيين مع بعض أركان نظام السيسي خاصة وأن بعضهم هو بصدد تنمية حُلمه في تصدر المشهد بعقلية نسخ النموذج المصري في تونس وبقية البلدان المغاربية وهو أمر قائم على عدم وعي وتغييب أن خياري “استنساخ سيسي ليبيا وتونس” وإعادة انتاج القذافي في ليبيا وغيرها” قد سقطا تماما وان خطة إقامة أنظمة عسكرية في كل المنطقة الشمال افريقية قد سقطت من الحسابات وانها ذهبت في ادراج الرياح مع ترامب تحديدا…

8- يبقىانفجار الكتلة الديمقراطية واردا وقابلا للحدوث والتحقق خلال الأشهر والسنوات القادمة ان لم نقل خلال أسابيع أيبضا ولكنه مرتبط فعليا بمستقبل التطورات الإقليمية أساسا…

9- تجذّر الكتلة الديمقراطية وتناميها العددي والكيفي وتصدرها للمشهد السياسي أمر وارد أيضا بشرط المراجعات واسناد رئاستها لوجه لا لبس عليه علاقاتيا وواع بأهمية دعم المسار الديمقراطية وأهمية بناء تحقيق أهداف الثورة واستكمال مهامها …

المصدر : جريدة ” الراي العام ” العذذ 208 بتاريخ 03-06-2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى