تحاليل

الكمي والكيفي في الموجة الثالثة من الاستقالات من “الدستوري الحر”

في ظل توضح معالم اهتزاز الثقة الداخلية في "عبير"

علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي

** تمهيد

1- تزامنت موجة الاستقالات الأخيرة في الحزب الدستوري الحر اهتمام وتركيز الرأي العام مع الجدل الدائر حول ملفات وطنية رئيسية (المالية العمومية-المحكمة الدستورية…) إضافة للجدل والمناكفات حول التسريبات المتواصلة والمبنية على خلافات بين محورين سياسيين منذ أشهر، وهو أمر لم يمكن المتابعين من الوقوف على ضعف وهشاشة الحزب الذي يصر “الزرقوني” ومؤسسته (“سيغما كونساي”) ومن وراءه إقليميا ودوليا، في وضعه في المرتبة الأولى وذلك بهدف مرتقب وخفي وهو ارتقاب حزب آخر بديل أو محين لذلك الحزب من داخله مقابل امكانية ابعاد زعيمته (بغض النظر عن الشكل والآليات التي سيتم بها ذلك الأمر)…

2- الاستقالات المتعددة والمتسارعة خلال الأيام الماضية لم ولن تكون لا الأولى ولا الأخيرة وذلك نتيجة وبناء على فاشية “عبير” تجاه أعضاء ومنخرطي حزبها وهياكله المركزية والجهوية (اقصاء أعضاء من الديوان السياسي وهم المنتخبين من المؤتمر – تغيير الأمين العام أكثر من مرتين…)، إضافة الى طرد قياديين مركزيين ومؤسسين وبشكل تعسفي على غرار نزيهة زروق وحاتم لعماري وآخرين كثر وخلال المدة الماضية غلق دوائر محلية تابعة لجامعات بعينها على غرار “الشيحية” (ولاية صفاقس) وإعلان شباب وفاعلين رئيسين في الحزب على استقالتهم المباشرة من الحزب على غرار “سماح دمق” و”اشراق ناصر”…

3- الموجة الحالية ومن حيث الرصد الكرونولوجي لتطور الأحداث داخل الحزب منذ تولي رئاسته من طرف عبير موسى في مؤتمر اوت 2016، هي الموجة الثالثة ذلك أن الأولى ابتدأت وحدثت في صائفة 2018 بينما بدأت موجة الاستقالات الثانية في أفريل 2019 وهي موجة تواصلت فعليا قبل وأثناء تشكيل قائمات الحزب في تشريعيات 06 أكتوبر 2019 (استقالة القيادي “توفيق المرودي” يومها وتفجيره لسلسلة من الحقائق المدوية وخاصة في حواره الإذاعي مع “الديوان آف آم”)، وتلك الموجة بالذات أقلقت “عبير موسى” يومها حتى أنها طلبت من الصحافيين وبتبجح فض عدم تغطية نقطة إعلامية للمستقيلين يومها بقيادة الأستاذة “سماح العويني” …

4- بناء على ما سبق تبقى الأسئلة المهمة موضوعيا هي:

  • ما هي أسباب تنامي موجة الاستقالات وما العلاقة الموضوعية بين الموجات الثلاث، وهل أن “عبير موسى” واعية بما يحدث في الحزب أم أنها تنساق بغير وعي منها لمخططات بعينها بهدف أن يتم في الأخير توريث الحزب لغيرها ورغما عنها رغم انها تتوهم انها تمتلك كل الخيوط وأنها قادرة على خط وخياطة مؤتمر 12 و13 و14 القادم على مقاسها؟
  • هل فعلاومتى-سيتم التخلص السياسي المرتقب والمفترض من “عبير”، وبأي شكل ومن يقود ذلك خفية داخل الحزب ذلك ان موجات الاستقالات غير طبيعية وخاصة الموجة الحالية، وماهي الفراغات التي تركتها عبير أمام المُتصيدين للاستيلاء على حزبها ومن سيعوضها موضوعيا دن داخل وخارج الحزب لو تم ذلك فعلا؟
  • هل ستتواصل موجة الاستقالات ونشهد موجتين أخريين أي رابعة وخامسة وهما لو تمتا ستؤديان بالضرورة الى رسم ملامح الوضع المستقبلي للحزب كجسم منفصل أو جزء من جسم سبق وان أسميناه في مقال سابق لنا بالجسمB (تم ذلك من خلال قراءاتنا لكيفية بناء المشهد السياسي المستقبلي في البلاد)؟
  • لماذا لم ولن تسلط أغلب وسائل الاعلام (أساسا القنوات التلفزية والاذاعية) الضوء على منطق التعسف الذي تُمارسه “عبير موسى” في حزبها وتبيان حقيقة الشوفينية والفاشية في تسييره واداراته بل وحتى تمويله ولماذا يتم تغييب أولئك المستقيلين وخاصة القياديين المركزيين السابقين من وسائل الاعلام المحلية مقابل الاحتفاء بكل مستقيل في أحزاب أخرى على غرار ما تم سابقا مع أحزاب “نداء تونس” و”المشروع” و”التيار” و”الجبهة الشعبية” فمبالك بالنهضة والتي تنتصب البلاتوات حتى لو كتب قيادي تدوينة أو رأي بسيط يشتم معه الخلاف مع قيادتها؟

 

** منطق الفاشية والتسيير الخاطئ الذي فتح أبواب موجات الاستقالة منذ 2018   

1- رغم أن “عبير موسى” هي سليلة الحقبة والمدرسة النوفمبرية سلوكا وتوجها ومن حيث  الاصطفاف الإقليمي، فإنها من حيث الممارسة والموقف من الآخر السياسي تعتبر ريادية من حيث أنها ستالينية المنهج والسلوك، بل هي حولته لخط فعل سياسي داخل الحزب أي ان “من ليس معها وليس واقف وراء شخصها فهو ضدها”، وبالتالي هي تعمد عندئذ وبشكل مباشر وسريع الى قرار أنه لا مكان لذلك الشخص في الحزب…

2- عمليا تم مثلا طرد الأمين العام الأول “حاتم لعماري” بطريقة تعسفية ورغم أن القضاء أنصفه الا انها اعتبرته خارج مربعات الحزب ورفضت أي صلح معه أو مع غيره ممن تم ابعادهم  (هو وأكثر من ست أعضاء من الديوان السياسي حيث تم اقصاؤهم بشكل متراتب زمنيا في ما تم تجميد وضعيات أعضاء آخرين بينما خيَّر آخرون الابتعاد والصمت بعيدا عن الأضواء)، أما الأمين العام الثاني أي “عبدالسلام البيولي” وبعد خلافات معها في رؤيتها وتسييرها للحزب فقد خيَّر الابتعاد والالتحاق بحزب “البديل التونسي” (بل أنه خاض معه انتخابات 06 أكتوبر 2019)، ومن يومها لم تُعلن الزعيمة والمتحكمة في كل مؤسسات الحزب أي اسم جديد لمنصب الأمانة العامة، واضافة الى ذلك تم استبعاد عديدين من الإدارة المالية للحزب بناء على مجرد تساؤلات لا غير…

3-تسيير الحزب تم ويتم موضوعيا وعمليا بأشكال وطرق وكأنه حزب سرّي فلا أحد باستطاعته الاطلاع على قائمة أعضاء الديوان السياسي ولا القيادة الوطنية للحزب (وقد تغيرت تركيبتها في أكثر من مناسبة وتم الحاق بعض عناصر كانت محسوبة على تيارات فكرية وسياسية أخرى على غرار المحامي “عبد العزيز العايب” الذي كان قريبا من حركة النضال الوطني أي تيار “المود”)، إضافة الى تعيين بعضهم بقرار شخصي منها قبل ان تكتشف أن بعضهم قريب عمليا من غرمائها في العائلة التجمعية والدستورية…

4- عمليا كل خانات موقع الحزب (pdl-tunisie.tnا) الخاصة بأسماء أعضاء الهياكل، هي خانات فارغة بما في ذلك أعضاء الديوان السياسي وأعضاء الهيئة العلمية لأكاديمية الحزب وهيئات الجامعات في الجهات، بل أنه لا وجود في ذلك الموقع سوى لصورتها واسمها والهوية البصرية للحزب مصحوبا بكلام انشائي في بعض خانات يوضح الأهداف والأدوار النظرية لبعض الهياكل وهي هياكل ترأساها جميعا “عبير” بنفسها وليس أحد غيرها، بل أن حتى تمثيلها وشبكة علاقاتها لا تأتمن عليها سوى شخصين وهما:

  • “كريم كريفة”، وهو مكلف أساسا بنيابتها في بعض المهام المعلنة والسياسية وخاصة التمثيلية والبرتوكولية (حضوره معها في لقاء السفير الأمريكي)
  • “مجدي بوذينة”، وهو عمليا ممثلها في غير المصرح به للرأي العام أساسا على غرار كواليس المشاورات مع أطراف أخرى عديدة

5- السؤال الرئيسي والمهم وبناء على ما بيناه أعلاه: هل أن الحزب علني ام سري، أم هي دكتاتورية الرئيسية والزعيمة خاصة وأنها لا تنكر من حيث خطابها ورؤيتها لقضايا الإقليم أنها وظيفية وهو ما يعني أنها ماسكة بكل الخيوط المالية والتسييرية والعلاقاتية…

                  "حاتم لعماري" - المقصي من قيادة الحزب-  في لقاء سنة 2016  مع "عبير موسى" ومؤسس الحزب "حامد القروي"

6- كل ما سبق من وصف وأمثلة دالة ومعبرة فتح أبواب الاستقالات ونأي العديدين بأنفسهم على مربعات العفن الذي يعيشه الحزب من تزعم “عبير” له، ذلك ان الثورة التونسية وموجة الحرية ألقت بظلالها حتى على غير المؤمنين بها وهو ما هو بين وواضح في:

  • كلمة المسؤولة السابقة للحزب “سماح دمق” (غير “سماح دمق” النائبة وعضوة حزب “قلب تونس”)، بعد غلق مكتب الحزب في “الشيحية” بشكل تعسفي من طرف عبير موسى
  • تصريحات بعض المستقلين على غرار تصريحات “توفيق المرودي” وآخرين مثله على غرار “حاتم” و”لطفي” و”المقدم”…
  • كلمة ناشطة الحزب في جامعة تونس1 التي تحرش بها رجل اعمال في الحزب (يمكن مراجعة الفيديو الذي تضمن تصريح الشابة لمجلة “قبل الأولى” ودورية”24/24″)، والتي سكتت “عبير” عن التدخل لأخذ حق تلك الشابة….

 

** قراءة في البعدين “الكمي” و”الكيفي” للموجات الثلاث من الاستقالات

1- أولا، من المهم القول أنه وبشكل عام ليس الاشكال الرئيسي في أن تستقيل مجموعة من الأعضاء من أي حزب، فهذا يحدث في كل الأحزاب وفي كل العالم بما في ذلك في أمريكا وفرنسا وهو أمر دارج في العالم الثالث بناء على ضعف التسيير الديمقراطي للأحزاب وبناء على ضعف البُنى الفكرية للأحزاب ولأعضائه، ولكن أن تصبح الاستقالات موجات متتالية ودورية وان ترتكز على رفض سلوك فاشي لشخص قيادي فذلك يعتبر غير سليم وجالب للانتباه ورغم ان الأحزاب التونسية جميعا عرفت ابتعاد قياديين رئيسين منها بما في ذلك الأحزاب العقائدية على غرار “النهضة” وحركة الشعب الناصرية وحزب الوطد الموحد بل وحتى “حزب العمال” (يمكن مثلا مراجعة كتاب “سمير حمودة” حول الاستقالات والخلافات داخل الحزب)، ولكن ما أتته وتأتيه “عبير موسى” جعل حتى شبان حديثي عهد بالسياسة يتكلمون عن دكتاتورية تسييرها وتعسفها وغلقها للمحليات (تم ذلك في بعض دوائر الحزب في الجامعات الجهوية)، ولعل المعبر أكثر هو قول أحد الدستوريين أنه يُفضّل الذهاب للقبر الالتحاق بالقيادة الوطنية لحزب “عبير موسى” كرد منه على طبلها منه ذلك…

2- ثانيا، لقد سطرت “عبير” منذ فترة خيوط خياطة المؤتمر القادم عبر التخلص من كل من الممكن ان يقول “لا” لها، بل هي توترت يوم ظهر الاميرال “العكروت” (الخلاف بينهما لا يمكن ان يكون استراتيجيا بل شخصي وتكتيكي ليس الا )، وهي وفقا لمن يعرفها وكما توضح من تصريحاتها وردود فعلها “البافلوفية” مستعدة أن تقول أي شيء وأي كلام على أي كان في العائلة الدستورية ، رغم أنها تسعى وتريد أن توهم الناس أنها مبدئية بينما هي مغرقة في مربعات الوظيفية والانتهازية المقيتة حتى أنها هاجمت كل المكونات الدستورية وسبَّت تقريبا الجميع ( “مرجان” – “القلال” – “الجريبي” – “العكروت” وآخرين على غرار الغرياني الذي تحقد عليه وتخفي أسباب ذلك الحقد الدفين على غرار أنها تكتب له تقارير وشاية خاصة)…

3- ثالثا، تتوهم “عبير موسى” ومنذ أشهر أنه يتم التآمر عليها من طرف الجميع وهي مناكفة لمجموعتي “الخبثاني” و”الناصفي” حتى أنها عادة ما تصف الأخير بانه “متاع سيدي الشيخ”، وهي فعليا تنقد الشيء وتأتي مثله فقد سبق لها أن انتقدت “مرزوق” لعلاقته بالأمريكيين و”فرديم هاوز” بينما هي تشترك معه في القب من الإماراتيين وسبق أن تحدثت عن الجالسين مع السفراء بينما هي لم تترك أي سفير الا وجلست معه بل هي استقبلت السفير الأمريكي في مكتبها بالحزب بعد انتقاده في وقت سابق وهي تنتقد الرئيس “سعيد” ومحيطه الاستشاري بينما هي تتواصل سرا وبعيدا عن الأضواء مع رئيسة ديوانه وإن وربما عبر وسطاء وعبر بعض من تثق فيهم ( وهو أمر نادر ) على غرار “بوذينة” وربما “سعد”…

4- رابعا، وإضافة الى سلوكها السياسي الفاشي والاقصائي وطبيعة شخصيتها النرجسية والمتعالية على من حولها من أعضاء الحزب ومسكها بكل خيوط القيادة والتمويل والعلاقات، فقد ارتكبت “عبير” أخطاء أخرى قاتلة ستدفع ثمنها آجلا أو عاجلا حيث بينت أنها لا تريد أي سيدة قيادية في مربعات فعل حزبها أو حتى في محيط فعلها السياسي فقد هاجمت صفحاتها التذاة وفاء الشاذلي والإعلامية المقيمة في الامارات “بثينة جبنون” وقبل ذلك أقصت النائبة عن حزبها “جعيدان” والقائمة أكثر من أن تحصى أو تعد ولعل سلكوها تجاه سامية عبو وتجاه نائبة النهضة “جميلة كسيكسي” امر محير وملفت للانتباه…

           وفاء الشاذلي" من السيدات اللاتي تم الهجوم عليهن من طرف صفحات الكترونية يديرها فريق خاص ومقرب من عبير "

5- خامسا، من الطبيعي ان تكون موجة الاستقالات واسعة ودورية وخاصة بناء على ما سبق ذكره من معطيات وخاصة في ظل تمسكها بسلوكها “الستاليني” وغير الديمقراطي حتى مع أقرب المقربين اليها، ولكن لا يمكن تغييب أن هاجس ورايتها بسرعة من طرف مكونات عدة على غرار “الشاهد” و”العكروت” و”اللومي” و”جلول” وآخرين قد سرع في الدفع الى تطور عدد الاستقالات كميا وكيفيا من خلال قراءة جغرافية الاستقالات وموجة هجومات “بديدة” وآخرين لها حتى أن هجمات هذا الأخير عليها اتخذت طابعا جهويا مقيتا، ولكنهم جميعا سيوصلون وسيدفعون الى مزيد من الاستقالات من حزبها بحثا عن وراثته وبحثا عن ضم موجات المغادرين لحزبها …

+++++

المصدر: صحيفة الراي العام التونسية العدد 207 بتاريخ 27-05-2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى