تحاليل

أي مستقبل لكتلة “الإصلاح” ولرئيسها؟

يغلب على فعلهما السياسي المناورة والانتهازية والوظيفية والبراغماتية

علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي

** تمهيد

1- مكنت الخلفية الأمنية لوالد “حسونة الناصفي” وتواجد احدى قريباته في مواقع التأثير في مبنى لجنة التنسيق بقابس بداية الالفية الحالية، من أن يدخل مُربعات الحزب الحاكم وان يلج لمواقع التأثير والفاعلية بسرعة حتى أصبح في الأخير أمينا عاما لطلبة الحزب الحاكم وهي منظمة عرف عنها أنها أقرب لمنطقي “الطاعة” و”العقلية الأمنية والرصدية” خاصة وأنه ورث المنصب على أمين عام براغماتي أي “سعد الخميري” (ممثل ديوان السياحة في “وهران” الجزائرية حاليا)، كما أن بعض أعضاء المكتب كانوا أكثر تماهيا معه في الفعل والتناغم العلاقاتي ومن أهمهم رفيقه الحالي في المجلس وفي ترتيب المناورات السياسية بعيدا عن الأنظار ماضيا وحاضرا أي “سفيان طوبال”، ومعلوم أن الرئيس المخلوع تدخل بنفسه لتعيين “الناصفي” موظفا إداريا في “الكنام” بل وأصبح في فترة وجيزة مديرا في هياكلها…

2- بعد الثورة مارس “الناصفي” المرحلية والبراغماتية بحثا عن تموقعات جديدة فالتحق بحزب “نداء تونس” ثم انشق مع “مرزوق” وركب موجته وتحالفاته المحلية والإقليمية ولكن بخسارة الحزب في بلديات 2018 وفي تشريعيات ورئاسيات 2019 وظف “الناصفي” رئاسته لكتلة “الحرة” منذ 2018 خلفا لــــــ”عبد الرؤوف الشريف” ليترأس حتى الآن “كتلة الإصلاح”، كما وظف الصراعات والتذرر النيابي ليعب أدوارا سياسية تكتيكية عبر اللعب على التوازنات مع عدم تغييب حنينه وعلاقاته بالمنظومة القديمة ومحاولة إعادة احياء رهانات بعض فاعليها فكانت مواقفه متأثرة بعقليته الوظيفية والبراغماتية في كل مفارق ومحطات مرحلة ما بين أكتوبر 2019 وأفريل 2021 وخاصة بيانه الأخير المُثير للجدل (وهو بين كُتب منذ أكثر أسبوعين ليرى النور منذ أيام)…

3- يمكن التساؤل موضوعيا، أين سيقود “الناصفي” كتلته النيابية بعد خلافاته الظاهرة على الأقل منذ أشهر مع “مرزوق” وحزبه، وأي مدى لفعله السياسي خاصة وأنه مقرب وقريب من رئيس الحكومة الحالي ورئيس ديوانه خاصة وان الأخير هو أولا وأخيرا عديله (مُتزوجين من شقيقتين) ورفيق سابق له في تنظيم طلبة التجمع المنحل، وأي مستقبل لكتلة “الإصلاح” وأي رهانات مستقبلية للرجل سياسيا؟   

** كتلة الإصلاح: البُنية والفكرة

بعد أن مُني حزب “حركة مشروع تونس” عشية اعلان نتائج انتخابات 2019 بهزيمة انتخابية كبيرة ولم يتحصل الا على أربع مقاعد بل هو مُني قبل ذلك بهزيمتين سابقتين أخريين – أي في الانتخابات البلدية وفي الرئاسية حيث لم يحصل مرزوق سوى على نتائج شبه صفرية، وبناء على ذلك تم تجميع الأحزاب القريبة سياسيا من نفس الحزب والحاصلة على أقل من أربع مقاعد (نداء تونس – البديل التونسي – آفاق تونس- مستقلين…)، وتم تكوين كتلة أسندت رئاستها للناصفي والذي سارع لتوضيح طبيعة تركيبتها عبر التصريح أن “اللقاء بين الفاعلين السياسيين بصلب هذه الكتلة “هو تحدٍّ لإبراز أن التجمع في كيان سياسي موحد أمر ممكن حتى تتعظ بقية الأطراف من التشتت الذي أصاب العائلة السياسية الوسطية، وكانت نتائجه في الانتخابات غير مرضية”، كما اعتبر أن التجميع في إطار هذه المجموعة “رسالة إيجابية حمالة للمعاني”1، مضيفاً أنه بالتوازي مع هذا العمل “تولت مجموعة من الفاعلين السياسيين العمل على تجميع الأحزاب السياسية في إطار مشروع سياسي موحد، ولا يزال العمل متواصلاً في هذا السياق”2…

ومن البداية كانت الكتلة هجينة التركيبة أيديولوجيا (يساريين – ليبراليين – -يمين الوسط – مستقلين) مثلما هي هجينة سياسيا (اختلاف نوابها في رؤيتهم لعدد من قضايا الساحة السياسية المحلية والإقليمية…

 

** البيان الأخير للكتلة: براغماتية، مناورة أو تهيأ لسيناريو مخطط له؟ 

1- يمكن الجزم ان البيان الأخير هو انعكاس لواقع الكتلة وخشية من رئيسها على وحدتها بعد خلافات في مواضيع عدة وبسبب تباين القراءات مما يجري في البلاد والاقليم، ذلك أن البيان كان جاهزا قبل عشر أيام من الإعلان عنه رسميا خاصة وأن “حسونة” كان من أكبر مُنتقدي الرئيس منذ أسبوعين – بل وبشدة- في أكثر من وسيلة إعلامية قبل أن يعود عن ذلك في نص البيان ويتحدث عن التوازن في التعاطي مع مواقف الرئيس ودوره وضرورة احترامه (وهو بذلك يعود بدون وعي وانتباه منه الى مواقف العديد من قيادات حركة النهضة على غرار “المكي” خاصة وان هذا الأخير أعلن في احدى الإذاعات الخاصة أنه مستعد للتوجه لقرطاج مباشرة من مقر الإذاعة اذا ما رأى الرئيس ذلك)، وهو ما يدل أن “حسونة” يُناور ويزايد أكثر مما يعبر عن مواقف مبدئية…

2- يعلم الجميع قوة علاقة “حسونة” بأهم أعضاء ديوان رئيس الحكومة، بل أن البعض يتحدث عن لقاءات ومشاورات عدة بينه وبين رئيس الحكومة ورئيس ديوانه، وهو ما يعني أيضا ان لـــــــ”حسونة” حسابات تكتيكية وسياسية مرتبطة ربما بعلاقته القوية مع القيادي في حزب “قلب تونس” وكتلته أي “سفيان طوبال” (وهما كما أوضحنا ذلك أعلاه) رفيقان منذ كان الأخير مساعدا لحسونة في منظمة طلبة التجمع منذ أكثر من 15 سنة…

3- عمليا وجد “حسونة” نفسه بين حسابات وأخرى نتاج ضغوط ومخاطر تفكك كتلته وأيضا هو يريد تحقيق اهداف عدة في نفس الوقت واللعب على التوازنات بين الأطراف والكتل كما هو يرتقب ذهاب الأمور في اتجاه تخمينات ما يروج لها البعض…

4- الحقيقة أيضا أن “حسونة” يعرف إمكانية وفرضيات الذهاب لحكومة سياسية وتلك الفرضية قد تضعه ربما خراج السياق السياسي المستقبلي وخاصة بعدما حرق منذ أكثر من ثلاث أشهر مراكبه مع محسن مرزوق (بيان مرزوق/بن عثمان في 1 فيفري الماضي) …

5- “الناصفي” أيضا وظيفي أيضا بوعي او بدون وعي لأصحاب فكرة أن تبقى الحكومة مستقلة ومدعومة من الكتل والأحزاب وألا تتحول الى سياسية فعندئذ سيخسر كشخص وككتلة وكممثل للقديمة، وهي أيضا حسابات تتناقض مع حليف ثان له وهو مجموعة “الخبثاني”….

6- يهدف بيان حسونة أيضا لكيلا ينتقل بعض نواب كتلته في اتجاه “يوسف الشاهد” (أي العائد بقوة لافتكاك تيارات وافراد محسوبين على العائلة الدستورية والتجمعية)، إضافة لتحقيق هدف ثان وهو ترك حلفائه واقربائه في مربعات ديوان رئيس الحكومة في راحة من أمرهم في التعيينات الإدارية الرئيسية وابعاد مربعات التوافق عليها بين مكونات الحزام السياسي للحكومة…

7- نعتقد أن مُشكلة “حسونة” الرئيسية كسياسي أنه أصبح يعتقد أنه جهبذ سياسة وان خبرته السابقة هي أصل “تجاري” قوي، ونسي أن مربعات التوازن السياسي والبرلماني قريبة وملتحمة ومترابطة وبالتالي فمثلما ربح وناور ببيانه، فإنه قد يدفع ثمنه مستقبلا لا في الكتلة فقط بل في مستقبله السياسي ويخسر بذلك الكثير…

8- قد يغتر حسونة وينتفخ سياسيا خاصة وانه عمليا الأمين العام الوحيد لطلبة التجمع المنحل الذي بقي في الواجهة سياسيا وفي موقع يعتبر متقدما:

  • فالغرياني العائد منذ أشهر للفعل السياسي أخيرا، مستقبله السياسي مفتوح على كل الخيارات أي بين مغادرة الساحة كليا ما بعد 2024 وبين العودة من أكبر أبوابها…
  • “محمد الخضراوي” وجد نفسه مُجبرا على مغادرة الساحة كليا مثله مثل “الخماسي” والذي اشتغل معتمدا قبل وبعد الثورة قبل الاستقالة والابتعاد مؤقتا عن السياسة وأجوائها…
  • “سعد الخميري” بعد التحاقه بحزب “النداء” سنة 2012 استقال منه لاحقا واقتصر فعله الظاهري سياسيا على المتابعة عن بعد…
  • “احسان الوكيل” و”عبد العالم الزواري” اختارا المنزلة بين المنزليتين أي الاشتغال سياسيا في تولي مناصب السلط المحلية والجهوي والتواري المؤقت وعدم الخروج الواضح سياسيا

9- ما اقدم عليه “الناصفي” سابقا وحاليا – أي الاصطفاف المتناقض من مرحلة الى أخرى – هو أقرب للبراغماتية والانتهازية والمناورة، وهو أسلوب قد يأتي أكله تكتيكيا ولكنه أسلوب لا يربح كثيرا من الناحية الاستراتيجية ذلك ان التطورات متسارعة ومن هو حليف اليوم قد يكون قاصما لظهره غدا خاصة وان محيطه السياسي المقرب منه في كل الاتجاهات لا يعرف الرحمة سياسيا خاصة وأنه حرق كما ذكرنا مراكبه مع “مرزوق” وما بقي من “مشروع تونس” إضافة الى حرقه مراكب كثيرة مع “عبير موسى” والتي تنتعه بالانتهازي مرارا وبـــــ”باراشوك سيدي الشيخ” في مرات أخرى رغم وجود خيوط تواصل بينهما، وربما هو اعتقد أنها من الممكن ان يكون لها حليف مستقبلا لو سارت الرياح معها، وهو تفكير خاطئ خاصة وانه يعلم ويعرف أنها وظيفية اكثر منه وأن كثيرين قد تم تهميشهم في منظومتهم القديمة خلال حقبتي الاستبداد واصبحوا في عداد المنسيين يومها واليوم أيضا…

** أي مستقبل لكتلة الإصلاح النيابية؟  

1- المستقبل السياسي لحسونة الناصفي وعلى عكس ما يعتقد البعض ليس مرتبطا بمستقبل “المشيشي” ولا مستقبل حكومته بل هو مرتبط بعوامل إقليمية ومحلية ذلك ان التوازنات الحالية في الحياة السياسية هي توازنات تكتيكية ولا تخضع للاستراتيجي المرتبط بالبحث عن جسم سياسي B مكمل للصراع السياسي وقوى وسطية و”حسونة الناصفي” لا يمكن له لا ترأس ولا تزعم ذلك الجسم ولا أيضا ان يكون شخصية أولية في أي رافد وسطي يُحدث التوازن في الحياة السياسية…

2- طبيعة تركيبة شخصيته وفعله السياسي لا تمكنه البتة من ان يكون زعيما بل في حد أدن قياديا خامسا أو سادسا في أي حزب وارث لبعض مكونات دستورية حالية ووزانا بغض النظر عمن سيتزعمه مستقبليا أو ما هي لافتته الحزبية من حيث التسمية (تراتبيا كثيرين مؤهلين لذلك وهم من حيث دعم المسؤول الكبير بمعنى العبارات التي قصدها المرحوم السبسي: “الشاهد” او “اللومي” او “مهدي جمعة” او “الاميرال العكروت” أو “فاضل عبدالكافي” او أي شخصية أخرى حالمة بذلك وهم كُثر) ….

3- سيبقى “الناصفي” مستقبلا رقما من الأرقام الوازنة -من الدرجة الثانية في الحياة السياسية والبرلمانية ولكنه لن يكون ابدا من الوازنين لأنه فعله السياسية وذهنيته القيادية مرتبطة بالمناورة والتكتيك وبالارتباط بآخرين الداعمين له والدافعين له نحو اتجاهات بعينها كما أنه لم يتخلص من عقليته السياسية القديمة -وهو أمر واضج وجلي في تصريحات صحفية معلومة على غرار مواقفه من المرزوقي ومن قناة الجزيرة ودفاعه عن رموز النظام السابق وتجميل الكثير من علات ذلك النظام…

4- علاقات “الناصفي” عديدة ومتنوعة وهو ما يعني انه قادر على اللعب على توازنات بعينها في الساحة السياسية وستمكنه تجاربه السابقة وجرأته على خوض تجارب النداء والمشروع وترأس كُتلة نيابية هجينه ومتناقضة التركيبة على ربط خيوط مع مكونات عدة فموقعه الحالي ومواقفه الراهنة بين الأطراف المتصارعة سياسيا تمكنه في المدى المتوسط من ضمان مكان آمن سياسيا وهو أمر مؤكد وثابت في المدى القريب والمنظور وخاصة قبل 2024 ولكن مستقبله مهزوز ما بعد 2024 أو أي استحقاقات سابقة لأوانها كما أن تفاصيل علاقته بمجموعة “الخبثاني” (أساسا أعضاء “منتدى الجمهورية”)، ستكون مُحددا رئيسيا في هامش فعله السياسي وبالتالي درجة وعمق فعله المستقبلي…

5- شخصية “الناصفي” ستُربك كتلة الإصلاح وبعد أن كان عامل توازن خلال السنتين الماضيتين لها، فإنه سيصبح عامل ارباك ولن يستطيع مستقبلا حفظ التوازنات داخلها ما بعد بداية 2022 ان لم يكن ما بعد بداية الحوار الوطني رغم ان موقعها ووزنها الحالي سيُمكنان “الناصفي” تحديدا من ان يكون أحد ممثليها في ذلك الحوار المرتقب…

6- من غير المستبعد ان يكون بيان “الناصفي” بناء على رسالة إقليمية أرسلت للعديدين أو توهما من أنه سيتم استبعاد الإسلاميين بناء على ترتيبات بين دول في المنطقة او هو توهم ان الازمة السياسية الحالية ستؤدي الى استبعاد النهضة من المشهد وعلى فرضية حدوث ذلك ليس مستغرب من شخص مثل “الناصفي” أن يدعي البطولة وانه كان سباقا في ذلك، رغم أن التقدير الأقرب انه يناور لكسب أكثر ويريد الحفاظ على الكتلة وأيضا يبحث عن تقرب أكثر من السلطات الثلاث ليكون غدا في مربعات الرابح بل وتقديم تفاسير لبيانه ذلك وفقا لهوية ذلك الرابح سواء كان طرافا أو طرفين …

++++++++++
الهوامش

1- تقرير اسبوعية العربي الحديد “احزاب منهزمة بالانتخابات التشريعية التونسية تتخطى الصدمة وتتحمع تحت مسمى الاصلاح” 06 نوفمبر 2019 ( وهو تقرير يتصمن تصريحات الناصفي التي اوردناها في نص مقالنا )

2- نفس المصدر


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى