تحاليلرأي

قراءات: قصة الجسم السياسي “B” وهوية الأطراف المتصارعة حوله

علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي

              لا شيء يُربك التحليل السياسي ويجعله مُضلّلا في أي بلد أكثر من تغييب الخيوط الناظمة للأحداث وترابطها بدءا من المحلي وفي اتجاه الإقليمي وصولا للدولي ومن الدولي في اتجاه الإقليمي وصولا للمحلي، وهو أمر قد يفسر القصور في فهم تطورات المشهد السياسي التونسي منذ سنوات وخاصة بعد 2014 وهو ما يجعلنا نتبنى قول المفكر الجزائري مالك بن نبي “أنه لفهم ظاهر سياسية معينة لابد من تنزليها في اطارها السياسي والاجتماعي الذي تنزلت فيه …”، وفي ذلك الإطار يمكن أن نفهم قصة البحث المستمر تونسيا عن الجسم السياسي B والمطلوب محليا ودوليا باعتبار توضح خارطة الفعل الاجتماعي والمنظماتي في تونس بينما سياسيا بقي ان يفعل ذلك الجسم التوازن عبر توافق وصراع وتناف وفقا للمرحلة مع الجسم الــــــA الذي يمثله الإسلاميون وحلفائهم الفكريين والثقافيين وفي رؤيتهم للواقع المحلي والإقليمي والدولي، ومن هي مختلف الأطراف السياسية المتصارعة والباحثة عن اختراق المشهد ومحاولة تلافي التشتت عبر العودة مجددا للتوافق وان بأشكال أخرى أكثر جدية وتوازنا ودفعا للنجاعة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في بلد كانت ثورته ولا تزال نموذجا يُحتذى ومثالا يُقتدى؟

** التشخيص المُغيب والتحليل الغائب في قراءة الأحداث بين سنتي 2011و2019[1]

تبين لكل المتابعين للساحة السياسية في تونس ما بعد 2012 وحتى ما قبل 2010، أن الاتحاد والإسلاميين هما رقمين رئيسيين واساسيين في الحياة السياسية والاجتماعية وانه لا بد من البحث عن جسم ثالث، لنُسميه الجسم “B” وأنّه لابد من ايجاده بهدف أن يُصارع الإسلاميين ويتحالف معهم وفقا للتطورات الإقليمية والدولية ويكون بذلك انعكاسا طبيعيا لمصالح الغرب في أبعادها الثقافية والاقتصادية على أن يقبل بمعادلة التوافق مع الإسلاميين ويغالبهم إذا ما اقتضت الضرورات الاستراتيجية ذلك…

وعمليا كان “الحزب الديمقراطي التقدمي” مرشحا لذلك ولكن نتائج انتخابات 23 أكتوبر 2011 وتسارع التطورات يومها وطبيعة شخصية “الشابي” – عالية النرجسية-  لم تمكن الحزب الجامع لكثير من المعارضين قبل الثورة من أن يكون قياسيا ذلك الجسم، وللتطور الأمور ويتم تشكيل وثم صنع “نداء تونس” وليُلبس ذلك الدور لمرحلة ما بين سنتي 2013و2016 قبل أن يتشقَّق إلى حُزيبات (قاربت الخمس في الذكرى الخامسة لتأسيسه أي في 16 جوان 2017 ثم قاربت العشر في نهاية 2019)، بل أن جوهر الصراعات داخله كانت حول الشخصية والجسم الحزبي الذي يلعب الدور بديلا عنه (بين “الجمهوري” و”النداء” في مرحلة أولى وعلل الجميع يذكر قصة مغادرة حوالي 100 شخصية للجمهوري في اتجاه النداء قبل انتخابات 26 أكتوبر 2014 ، فم الصراعات بين جناحي “حافظ” و”مرزوق” في مرحلة ثانية ( وهي صراعات ناسخة في الحقيقة لصراعات عديدين مع السبسي الابن) ثم لاحقا تحولت الصراعات في مرحلة ثالثة بين “حافظ” و”الشاهد” ومن يبحث في تفاصيل الخلافات سيفهم ان ذلك كان جوهر الموضوع الحقيقي وان الباقي مجرد تفاصيل، أي من يمثل الجسم B، ولعل تأسيس “تحيا تونس” قد قام على الموضوع أصلا ويكفي الرجوع لمقالنا عند تأسيسه “تحيا تونس: البنية والفكرة”[2]، وهو ما أكدته احدى دراسات مؤسسة “هانس” وهي مؤسسة تعتمد عليها الإدارة الامريكية في صنع واتخاذ القرار…

 

** في البحث عن الجسم B بعد انتخابات 06 أكتوبر 2019

             اثر فشل “تحيا تونس” النسبي انتخابيا  رجع المشهد لنفس المربع أي البحث عن الجسم ” B” وتم ترشيح أن يكون ائتلافا حزبيا بين “تحيا تونس” و”التيار” وكتلة “الاصلاح” وربما مكونات أخرى على غرار حركة الشعب الناصرية وحزب “التكتل” باعتبارهما ممثلين رئيسيين لليسار العروبي ويسار الوسط، وهنا غلبت الفكرة أن يكون الجسم المُتحدث عنه ذو طبيعة ديمقراطية اجتماعية، ولكن التطورات والحيثيات قادتنا فعليا لمربعات أخرى ومثل اختيار “الفخفاخ” سباحة في اتجاه ثان خاصة وان سياسات الفرنسيين ورُؤيتهم كانت تتناقض في بعض مضاربها مع البحث عن الجسم B المُصارع للإسلاميين وحليفهم المستقبلي لبعث توافق جديد وبروح أخرى ولا يعني ذلك انهم – أي الفرنسيين- كانوا يبحثون عن اقصاء النهضة كما يري البعض – بما فيهم بعض “نهضويين”- والحقيقة أن رؤية الفرنسيين ومنذ نهاية 2017 تقوم على “نهضة” مُتوسطة القوة وليس قوية أو متغولة وبالتالي فالنتيجة الموضوعية هي أن الجسم B لم تتم تحديد هويته ولم يوجد جسم مرشح في ما كان “الغنوشي” يبحث في مربعات أن يكون ذلك الجسم هو “القروي” وحزبه أو القروي وبعض حلفاء له باعتبار أن “عبير” اقصائية وغوغائية ووعيا منه أنها “كبش نطيح” وآلية مرحلية للتشويش وأن مستقبلها مرتبط بسيناريو انتهى مع سقوط قاعدة “الوطية” بيد حكومة الوفاق الليبية[3]

 

** الأطراف المُتصارعة والباحثة أن تكون هي بعينها الجسم B 

             كما أكدنا أعلاه وبناء على أن كثير من النخب على علاقة بالفاعلين الغربيين سواء كانوا سياسيين أو صانعي سياسات (أجهزة استخبارات أو مراكز بحوث وصنع قرار واستراتيجيات)، يعرفون بنسب مختلفة ماذا يُريد الغرب من بلدان الشرق الأوسط وشمال افريقيا، ذلك أن بعضهم يتبنون سياساته وقراءاته للأحداث والتطورات بغض النظر عن التماهي الكامل معه أيديولوجيا وفكريا، بينما البعض الآخر يمارس السياسة بواقعية، وهو ما يعني أن بعض المكونات السياسية هي فعليا تتصارع وتلعب في ملاعب بعضها البعض، لافتكاك الأصل التجاري للجسم B الذي امتلكه النداء قبل تفككه وتلك الأطراف هي وفق للترتيب التصاعدي لتحقيق ذلك:

  • الدستوري الحر: وهو طرف سياسي وظيفي أصلا وشكلا، ولكنه اقصائي النزعة وهو الأقرب لسياسات النظام المصري ومتبن للرؤية الإماراتية ولجناح بعينه في السياسة الفرنسية الحالية، وكل ذلك لن يمكنه من ان يكون الجسم B لاعتبارات عدة بعضها جلي وبعضها الآخر خفي ولأنه في الأخير سيخسر جزء كبير ممن يناصرونه علنا وخفية لان حاضنته الشعبية يغلب عليها الانتهازية والركوب مع المنتصر والرابح، وهو حزب ضد حركة التاريخ والتطور والسياق الإقليمي والدولي الحالي بالذات…
  • الراية الوطنية: وهو مجرد مشروع ائتلاف سياسي لم يتحول الى حزب، وباعتبار أن حتى قياداته غير معلومة للرأي العام باستثناء الوجه القومي السابق “مبروك كرشيد” وبعض نواب لم يعلن جميعهم دعمهم للمشروع، إضافة لآخر رئيس ديوان للرئيس الأسبق “بن علي” (المخلوع سنة 2011)، وهو حزب/مشروع ليست لها أي حاضنة شعبية سوى القضم من قواعد وبقايا التجمع المنحل، وبالتالي فلن فعلا تحقيق أي تطور في أي اتجاه وهو ما يعني عدم قدرته لعب دور الجسم B الا في اطار تحالف مع اطراف أخرى وحتى ذلك غير ممكن بناء على طبيعة شخصيات باعثيه ومؤسسيه…
  • لافتة حُزيب “الائتلاف الوطني” ومثيلاتها: بعض الذين أطردوا من نداء تونس أو بعض شقوقهم تتمثل مشكلتهم الرئيسية اليوم في التموقع السياسي ولعل حزيب الائتلاف الوطني الذي اسسه وزير التربية السابق وأحد قيادات الوطد أي ناجي جلول سيبقى عاجزا على بناء هياكل حزبية في الجهات فبمالك بلعب دور الجسم B الا إذا التحق بركب طرف سياسي ثان من بين الأطراف والائتلافات السياسية الأخرى…
  • حزب مشروع تونس: طبعا تأسس الحزب في 2016 إثر صراعات مؤسسه مرزوق ومن معه مع السبسي الابن في أكتوبر 2015 إثر حادثة العنف بين طرفي الصراع في النداء   ولكن نتائج انتخابات 06 أكتوبر 2019 وتزعم “الناصفي” لكتلة “الإصلاح” وهو ما جعل الحزب نسيا منسيا وبيد “الناصفي” أكثر من “مرزوق”، وهو ما يعني ان الأول مرشحا ان يكون فاعلا في الجسم B وليس الثاني (أي مرزوق) ولا حزب مشروع تونس أيضا بغض النظر عمن يقوده…
  • تحيا تونس: مثله مثل مشروع تونس قام الحزب على فكرة ان يكون هو الجسم B وخاصة بعد زيارة الشاهد لأمريكا سنة 2017 ولكن نتائجه في الرئاسية والتشريعية جعلته وستجعله في موقف ضعف وبالتالي ترتيب أموره من جديد وخاصة بعد انسحاب “العزابي” وقد يضطر للتحالف مع بقايا السيستام ليكون مؤهلا أو أن يكون طرفا في جسم ثان، وأن يكون ذلك الجسم ممثلا للجسمB…
  • قلب تونس: لاعتبارات عدة منها المعلن والخفي فان رئيس حركة النهضة عادة ما دافع داخل وخارج حزبه على فكرة ان يكون قلب تونس هو الجسم B بالذات أو جزء من تحالف سياسي يمثل ذلك الجسم لان الغنوشي يؤمن أولا وأخيرا بأنه لابد من مصالحة وطنية تدفن آلام الماضي وتبني لتونس الغد وفقا لرؤية أو لجزء من رؤية هو يتبناها، ولكن البنى الفكرية والتنظيمية قد تضعف ذلك إضافة لواقع القروي السياسي وملفاته القضائية رغم الفعل السياسي للخليفي واللومي والورتتاني وآخرين في الحزب…
  • آفاق تونس: واقعا كان هذا الحزب قادرا على ذلك ولكنه ضيع فرصة وراثة النداء بناء على طبيعة ونرجسية رئيسه السابق “ياسين إبراهيم”، ولكن تملك “عبد الكافي” للحزب وطبيعة مواقفه ورؤاه ستجعله قادرا ومؤهلا لتحويل الحزب ان يكون الجسم B فعلا ولكن عبر تجنب أخطاء كارثية وقعت فيها أحزاب “الجمهوري” و”تونس الإرادة” و”النداء” و”الوطني الحر”…
  • فرع السيستام أو الدساترة المؤمنين بحقيقة وواقع ثورة 14 جانفي: هناك طرف سياسي فاعل إداريا وسياسيا ومازال لم يتهيكل سياسيا وهو متمثل فعليا في بعض قيادات دستورية بعضهم كانوا قيادات في منظمة طلبة التجمع هم اليوم أهم السياسيين الفاعلين في العائلة الدستورية وهم عمليا على تقاطعات مع كل الفاعلين السياسيين والاجتماعيين وهم من وقفوا وراء اكثر من حدث سياسي أو بالأحرى كانوا شركاء فيه خلال السنوات الست الماضية وخاض أغلبهم تجربة النداء وبعضهم موجود في القصبة وباردو وربما إدارات ومؤسسات فاعلية سياسيا واداريا وفي المنظمات الوطنية الثلاث ( الأعراف – المنظمة الشغيلة – اتحاد الفلاحين) وهؤلاء من الممكن ان يتحولوا الى جسم سياسي مؤثر خاصة وانهم لا يتقاطعون مع عبير وهم يسعون لتجاوزها وهي تسعى لعرقلتهم كما أنهم من الممكن ان يرجحوا كفة الإصلاح أو قلب تونس او تحيا تونس كلافتة من الممكن ان يلتحقوا بها جميعا ولكن الثابت أنهم لم يتخذوا قرارا نهائيا لأسباب عدة ومختلفة باعتبار ان نقاشاتهم لم تكتمل بعد رغم التقاء أغلبهم في ما يسمى منتدى “كلنا للجمهورية”…
الهوامش

[1]  أنظر مقال الكاتب “خلفيات التحاق الفاضل عبد الكافي بحزب آفاق تونس وتملكه بعقلية الأصل التجاري“، مقال نشر في أسبوعية “الرأي العام” 24 ديسمبر 2020 ص 09-10

[2]  أنظر مقال الكاتب “تحيا تونس: البنية والفكرة” مقال منشور في أسبوعية “الرأي العام” التونسية – سبتمبر 2018 …

[3]  أنظر مقال “عبير وحفتر وسر تلازم المسارات ولماذا يرتبط مُستقبل كُلّ منهما بالآخر (1من 2)” نشر في موقع المغاربي للدراسات والتحاليل (www.almaghrebi.net ) بتاريخ 02-12-2020…

+++++++++++++++++++++++++++++++++++++

المصدر : اسبوعية ” الراي العام” التونسية بتاريخ 4 / 2 / 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى