تحاليل

الفقر في تونس بين الجذور التاريخية المكرسة له والقصور الراهن للأطراف السياسية والاجتماعية (2 من 4)

علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي

** تمهيد

يُعتبر عدم تغيير منوال التنمية عشية الثورة التونسية (والتي كانت من حيث لحظتها بناء تراكميا لغضب شعبي متنام منذ أواسط ستينات القرن الماضي ضد سياسيات القهر والعسف والتهميش والاقصاء)، خطأ كبيرا خاصة وانه مفتاح كل الحلول بناء على تنامي التحديات الاقتصادية والاجتماعية وخاصة في الوضع الراهن والصعب للجارتين الغربية والجنوبية أي “الجزائر” و”ليبيا” الأولى بناء على طبيعة صعوبة المرحلة السياسية والثانية نتاج الحرب بالوكالة الدائرة على أراضيها منذ ماي 2014…

في الجزء الأول من هذه الدراسة التحليلية تعرضنا إلى عرض الجذور التاريخية للفقر في تونس بين سنتي 1881 و1987 بينما نستعرض في هذا الجزء الثاني كيفية تكريس نظام الرئيس المخلوع للفقر عوض معالجة أسبابه…

 

** الفقر في الحقبة النوفمبرية أو في سياسة تكريس الفقر والتفقير                            

  • رغم أن الرئيس المخلوع حكم طوال 23 سنة، إلا أنه قاد النظام بنفس آلياته السابقة والحقيقة أنه أفسد أيضا حتى ما كان مضيئا في سياسات النظام البورقيبي، والثابت أنه زوّر نسب الفقر وأخفى كل الأرقام الحقيقية في كل الاحصائيات وضخمها بل ان بعض اداريين غيروا في مقاييسها (Paramètres) بأوامر عُليا من قصر قرطاج بل أن ذلك تم ضمن غُرف أجهزته القذرة وغير الرسمية…
  • كرَّس النظام عقلية اقصاء نفس الجهات التي همشها النظام البورقيبي عبر احتواء بعض ساستها ونخبها عبر الإعلان الكاذب عن سياسات لا تُنفذ ولا ترى النّور وعبر إجراءات ستُضر مستقبلا بالمؤسسات الاجتماعية والاقتصادية على غرار بعض الإعفاءات من حيث الدفع ولتُصوَّر لاحقا وكأنها إجراءات غير مسبوقة، بينما هي إجراءات مُدمّرة إذ هي تُقدم به كرئيس في ذلك الوقت لدى قطاع بعينه بل في مناسبة بعينها، بينما الحقيقة أنها تُرسي وتُكرس الفقر والتهميش…
  • بقيت ولايات “القيروان” و”القصرين” و”سيدي بوزيد” و”قفصة” و”تطاوين” وغيرها من الولايات مُهمشة، بل أنه تم تكريس تهميشها عبر صنع شبكات التهريب والاجرام التي صنعها أباطرة النظام نفسه ووكل ذبك تم لصالح عائلات أصهاره والمقربين منه ولصالح عائلات أصهار اشقائه وخاصة في بعض مدن الساحل حيث سيطرت على مؤسسات وشركات كانت خادمة لتلك المدن المهمشة بطبيعتها، كما أن الرئيس المخلوع نفسه كان أحد الأهداف التي جاء من أجلها للسلطة وبتخطيط من أطراف دولية وإقليمية، هو  تنمية وصنع شبكات التهريب والإرهاب في كل المنطقة الشمال افريقية في تناغم مع بعض أنظمة مشرقية ومغاربية بعينها، وقد راجت مُعطيات مفادها أنه أصلا كان أحد أهم تجار نبتة “المارخوانا” المخدرة، وهذه المهام والسياسات كرست الفقر والتهميش اضافة للقبضة الأمنية التي منعت التحرّر في بناء أسواق وشركات تُشغّل اليد العاملة التونسية والتي جاء المخلوع للسلطة على ظهرها بناء على أنَّ أولى خطواتها في السلطة بُنيت اثر طرد العمال سنة 1985 من ليبيا مع أن البعض يعتقد أن ذلك تم بحبكة عالية من طرف القذافي نفسه لايصال المخلوع لسدة السلطة…
  • عيَّن الرئيس المخلوع كاتب دولة خاص بالخوصصة في أكثر من حكومة وهو ما أدَّى الى تدمير ممنهج وبيع لمؤسسات عمومية بل أنه تم منحها للبعض من المقربين منه كعطايا مقابل الولاء (محاولة منه في إيجاد رأس مال تابع ومُلحق به)، كما قضى نظامه على بعض شركات كُبرى ومؤسسات خاصة تعود مليكتها لعائلات ارستقراطية تونسية رغم أن بعضها يحترم واجباته تجاه الدولة والمُجتمع ولتتحوَّل مُلكيتها لعائلات أصهاره من “آل الطرابلسي”…
  • تحوَّل أصهار الرئيس المخلوع لأباطرة في العمليات التجارية والصفقات التي عادت ما تُوزع في مكاتب خاصة في المنارات والمنازه أو في الضاحية الشمالية للعاصمة أو في أحد نزل جهة الساحل، كما سيطرت تلك العصابات على شركات التوريد وكرست التوريد العشوائي والذي أضر بمعامل تونسية عريقة في صفاقس وسوسة مما حدا بمعامل للغلق وان صمدت لمدة، فأن بعض ترتبات ذلك سيؤدي لإغلاقها بعد الثورة وخاصة بعد ترتبات جائحة “كورونا” في نهاية 2020….
  • نفس أولئك الأصهار والمُقرَّبين منه سيطروا على الضَّيعات الكبرى ومنعوا مؤسسات أجنبية من الاستثمار في تونس بناء على رفض مسؤوليها الأوَّلين من دفع رشاوي كُبرى، واضافة لذلك أصبح العديد من المُقاولين يحتمون ببعض أصهار ومسؤولين ولا يعطون حق العمال بناء على أنهم يحصلون على صفقات بناء على قربهم من الثنائي “عماد” و”بلحسن” أو بتعليمات من “ليلى” نفسها واضافة الى ذلك تم محاصرة ما هو خادم للتونسيين اذ تم السيطرة على التجارة البينية في الجنوب التونسي وغلق بعض أسواق بناء على ان أولئك التُجَّار تم تهديديهم في أرزاقهم ومكاسبهم وتم تسليط الأجهزة الأمنية عليهم…
  • لم يضع النظام أيَّة استراتيجيا لمقاومة الفقر رغم أنه مدته فاقت العقدين من الزمن بل أنه أخفى وعتم على حقيقة أرقامه وتفاصيله، ولم يفكر في تغيير السياسات التنموية أو في توأمة أي من المدن مع أخرى واكتفى بالمناسبتية والصورة الملمعة لقراراته المؤقتة والفارغة من أي محتوى مضموني واجرائي من الممكن ان يحد من الفقر والتفقير، كما فقَّر النظام جزء من الطبقة الارستقراطية واستعمل سياسة المكاتب الاستثنائية التابعة له على غرار (الجباية – الضمان الاجتماعي) والتي كانت تشتغل على رجال أعمال بعينهم أو بعض التكنوقراط الذين يشتم منهم روح المعارضة للنظام، وهو ما يعني أن دفع الى تفقير حتى غير المفقرين والتحكم في سيولة المال لغير منتسبي النظام من اداريين وشركات خاصة، وهو ما حدا بالبعض للهجرة والاستثمار في دول أخرى…
  • اكتفى النظام الذي استفاد من هبات نظام “القذافي” ووضعه لودائع في البنك المركزي التونسي (سحبت سنة 2008)، بتحويل تلك المزايا لصالح النظام مركزيا فيما بقيت الجهات الداخلية مهمشة وتم سلب خيراتها لصالح رموز النظام ولوبيات المُتنفذين الجدد الذين حاول المخلوع تكوين رأسمال وطني ولكن بحيث أن يكون متحكما فيه ومواليا له، فتم الحد من أنشطة عائلات تجارية كانت معروفة في نظام بورقيبة أو هي تقليدية منذ بداية القرن الماضي…                       المصدر : جريدة الراي العام بتاريخ 28 جانفي 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى