تحاليل

الشباب التونسي و الشأن العام

بقلم: أنور يحيى (كاتب روائي ومدیر البحوث والدراسات بالمرصد الوطني للشباب)

یعتبر الشباب لحظة مكثّفة یتم خلالھا اختبار وتجریب مكتسبات وموروث مرحلة الطفولة، ویبرز ذلك في تعبیرات وأشكال متنوعة، وخلال ھذه الحالة من التفاعل ّ والشد بین الموروث والتعبیر تتحدد ملامح العلاقة مع الشأن العام ویتبلور الاتجاه السیاسي.»( آن میكسل muxell anne فرنسیة، باحثة في العلوم السیاسیة والاجتماعیة ومختصة في دراسة علاقة الشباب بالسیاسة.

ھذا التعریف الذي ّ توصلت إلیھ الباحثة میكسیل للشباب یركز بالأساس على عملیة الجدل الذي یعتمل في عقول ھذه الفئة، جدل بین ما تعلّموه وما لُقِّن لھم وبین ما اكتشفوه بأنفسھم وما یرغبون في تحقیقھ، أو بعبارة أخرى ھو جدل بین ما أُراده لھم الكھول وبین ما یریدونھ ھم بأنفسھم، ّ وكل عملیات الجدل تبرز نتائجھا في مواقف وتعبیرات تختلف مواقف المتابعین لھا باختلاف زاویة التقییم والقراءة، ولذلك لا یمكن الحدیث عن الإجماع والإطلاق في الحكم على التعبیرات الشبابیة.

تُواصل السیدة میكسیل توصیفھا لعلاقة الشباب بالسیاسة والشأن العام فتضیف «ولئن تبدو بعض سمات ھذه العلاقة أكثر وضوحا مما ھي علیھ في الفئات العمریة الأخرى فإن فئة الشباب تبقى الفئة الأكثر تذبذبا وترددا في اختیاراتھا ففي حین ّ یتصدر بعضھم حركات الاحتجاج والرفض والممانعة للسائد السیاسي لا یختلف آخرون في اختیاراتھم السیاسیة مع التوجھات الانتخابیة العامة بینما تختار فئة أخرى المقاطعة والإعراض عن السیاسة والشأن العام عموما.» من خلال ما ّ تقدم،حددت الباحثة ثلاثة أصناف لعلاقة الشباب بالسیاسة، صنف ثائر وصنف تابع وصنف مقاطع، طیب لنحاول تطبیق نظرتھا على الشباب في تونس

ما علاقة الشباب التونسي بالشأن العام إذن؟

عدیدة ھي المحاولات البحثیة التي حاولت استقراء علاقة الشباب التونسي بالسیاسة، لن نتعرض لھا بالرصد والتقییم ولكننا سنسعى إلى تقدیم قراءة خاصة بنا تنطلق من آراء السید میكسیل التى ّصدرنا بھا مقالتنا وتستند إلى بعض الإحصاءات والمعطیات الرسمیة ومن بینھا تلك التي تضمنھا المسح الوطني حول الشباب الذي أنجزه المرصد الوطني للشباب سنة 2018. /

الشباب في تونس مشكل أم فرصة؟

یشدد الخبراء على ضرورة اعتبار الشباب التونسي ثروة بشریة- حوالي ثلث السكان- یتحتّم إسنادھا وتأطیرھا وتمكینھا في كل الخیارات التنمویة خاصة في ظل ما شھده المجتمع التونسي من تغییرات بعد الثورة ولعل أھمھا التوجھ الاستراتیجي والدستوري نحو دعم السلطة المحلیة وإرساء اللامركزیة. ولكن المفارقة أن تعاطي مختلف الفاعلین مع فئة الشباب مازال مترددا ومتذبذبا حیث أن حوالي ملیون شاب تونسي خارج تغطیة الدولة ومازال أغلب الشباب (نسبة 62 (%لا یثق فیھا وفي مؤسساتھا ویشعر بالتھمیش والإقصاء وانسداد الأفق. والواقع الیوم، واقع التعاطي مع الشأن الشبابي فیھ مشاكل قد نختلف في توصیفھا واستقرائھا وفي فھم أسبابھا ومسبباتھا وفي تبخیسھا وتسطیحھا أو في تضخیمھا وتھویلھا، والمھم أن الجمیع تقریبا غیر راض عن الواقع ّ وكل حسب زاویة النظر التي یعتمدھا في القراءة، والجمیع یتمنى سواء أكان مؤسسات رسمیة او ھیاكل المجتمع المدني وحتى التنظیمات السیاسیة أو النقابیة، أن یسترضي ھذه الفئة ویستمیلھا إلیھ ولكن لن یتحقق ذلك الا متى ّ تحولت وترجمت ھذه الأمنیات والرغبات إلى رؤى وسیاسات. وحتى یستقیم الحدیث عن تحویل الشباب إلى «فرصة تنمویة» لابد للدولة أن ّ ترسخ مقاربة الشأن الشبابي في بعدھا المجالي، أي الشباب كفئة عمریة واجتماعیة تتدخل فیھا مختلف أجھزة وھیاكل الدولة حسب الاختصاص ونوعیة العلاقة والارتباط، وان تدفع في اتجاه الإقناع بأن التعاطي الناجع للدولة مع الشباب یستوجب إحكاما للتنسیق بین مختلف المتدخلین لرسم استراتیجیا شبابیة مجالیة متعددة الاختصاصات ّ تحول موضوع الشباب من عبء ومشكل إلى فرصة تنمویة، لا بد أن تتطور آلیات التعاطي مع الشأن الشبابي، لابد أن نؤمن أن الشباب ھو صانع المستقبل ولذلك یتحتم إشراكھ في صیاغتھ بمقاربات حداثیة وجدیدة، لابد كذلك أن نشرع في تھیئتھ منذ مرحلة الطفولة، أن نغیّر ّ ونبدل ّ ونطور المضامین التي نقدمھا لھ وھو طفل وأن نراجع المقاربات والطرق التي نعتمدھا في تنشئتھ، فالشباب حسب المسح الوطني للشباب یقترح خمسة قیم ی ّ توجب التركیز علیھا في تنشئة الأطفال ویقدمھا بشكل تفاضلي كالتالي، التسامح واحترام الآخرین ثم العمل الجاد ثم الإیمان الدیني ثم التعبیر عن الذات وأخیرا التصمیم والمبادرة.

فھل یسعى مجتمع الكھول إلى ترسیخ ھذه القیم في عقول الأطفال؟ لا أعتقد، ولذلك لا یجب أن نستغرب تعبیرات الشباب ومواقفھ حتى وان كان فیھا تھدید صریح للقیم والضمیر الجمعي وللأخلاق عموما، لابد أن نتّفق أن ما سنجنیھ ھو بالضرورة نتاج لما زرعناه، ملامح شبابنا الیوم ھي نتیجة التفاعل بین ما اكتسبھ وھو طفل وبین ما اكتشفھ لاحقا بالأساس

المشاركة السیاسیة والمدنیة للشباب في تونس

یكشف المسح الوطني حول الشباب لسنة 2018 الذي أنجزه المرصد الوطني للشباب عن اتجاھات ومواقف الشباب التونسي من المشاركة السیاسیة والمدنیة حیث ّ تقدم ھذه الدراسة احصائیات ّ مھمة یمكن أن تجلي ولو نسبیا علاقة الشباب بالشأن العام عموما ّ وتمكننا من تتبّع الصنافة التي ّقدمتھا الباحثة آن میكسیل للتعبیرات السیاسیة للشباب التونسي. ویمكن استیضاح ھذه العلاقة من خلال اجابتھ على سؤال مباشر في الغرض وھو حدد مدى اھتمامك بالشأن السیاسي وكانت الإجابات متفاوتة بین المھتم جدا( ّ متحمس) وغیر المھتم وغیر المھتم ّ بالمرة(مقاطع) شباب فاعل في الشأن العام: تبدو ھذه الفئة من خلال نتائج الدراسة محدودة عددیا ونسبتھا أضعف بكثیر من الفئات الأخرى، حیث أن 5.11 % فقط یھتمون بالشأن السیاسي، و4.6% فقط من بینھم منخرطون في المجتمع المدني وأقل من 3 %من بینھم منخرطون فعلا في النشاط السیاسي ولا یتجاوز عدد من عبّر منھم أو شارك في نشاط سیاسي 8% في أقصى الحالات( المشاركة في تظاھرة سیاسیة) ولم تتجاوز 7)% المشاركة في وقفة احتجاجیة) ولم تبلغ 5)% المشاركة في إضراب) ولا یتجاوز عددھم 2 %من المتابعین لأنشطة الأحزاب والجمعیات على شبكة الانترنت، ونعتقد كذلك ھم أنفسھم الذین یشكلون الأقل من 18 % من الشباب المطالعین للكتب في تونس. شباب مقاطع/غیرمعنيبالشأنالعام: ھي النسبة الغالبة حسب المسح وبفارق كبیر ّجدا وتفوق 80 ،% بل أن 3.97 ّ % أقروا صراحة بكونھ لا نشاط سیاسي لھم، وأن 3.93.% غیر منخرطین في العمل الجمعیاتي المدني وبأن 75 .%لا رغبة لدیھم في التسجیل في الانتخابات ولعلھم ھم تلك الكتلة الكبیرة من الشباب الغیر راضیة عن الأوضاع السیاسیة بالبلد (اكثر من 80 ،(% ولعلّھم أیضا أولئك الذین لم یقرؤوا كتابا واحدا والذین بلغت نسبتھم 6.82 %. من الشباب التونسي.

تمثلات الشباب التونسي:

قلنا سابقا أن المواقف والسلوكات والتعبیرات التي یأتیھا الشباب(التمثلات) ھي نتاج للجدل مع تلقاه وما اكتسبھ في مرحلة الطفولة، فأغلب الشباب التونسي غیر معني بالشأن العام كما تبیّنھ الإحصائیات، ولا یأبھ بسیاسات البلد الحالیة وثقتھ تكاد تكون منعدمة في جل الھیاكل الرسمیة والسیاسیة ومنظوماتھا المعتمدة حالیا، لأنّھ وجدھا غریبة عنھ ومتناقضة ربّما مع ُمدركھ،من ذلك مثلا أنھ طالب بترسیخ قیمة التسامح وقبول الآخر في عقول الأطفال لأنھ یُجمع وبنسبة مرتفعة جدا1.94 % على انتشار العنف في أوساط الشباب، ھو استشعر الخطر واستنھض المجتمع لیراجع أولویاتھ ّ وقدم لھ احد الحلول، ّقدم لھ باقة من القیم التي لابد من زرعھا في الناشئة، اقترح الشباب ترسیخ قیمة ّ الجد في العمل منذ الصغر حتى یستعید الشباب لاحقا ثقتھ في المدرسة، فأكثر من نصف الشباب الیوم لا یرون في المدرسة السبیل الأمثل للنجاح في الحیاة، طالب الشباب بالتركیز على تنمیة تثمین الذات في الطفل وتنمیة روح المبادرة والتصمیم لدیھ حتّى لا یشعر لاحقا بأن البلد یعاني تمییزا بین مواطنیھ (9.74 ّ % یقرون بوجود تمییز بسبب اللون أو الانتماء الجھوي أو انعدام الوساطات والاكتاف

الخلاصة اذن وبالاعتماد على نتائج المسح الوطني للشباب لسنة 2018 أن نسبة كبیرة من الشباب التونسي لا یھتم بالشأن العام وغیر راض على ما تقترحھ الدولة وأغلبھ (4.75 ( % غیر راغب في ممارسة واجبھ الانتخابي، ھذا الشباب الذي تبلغ نسبة ّ المستعدین منھ للقبول بأي فرصة عمل مھما كانت صیغتھ تفوق 66 % مازال ینتظر الفرص والتمكین وللأسف لا یرى في المؤسسات الرسمیة بوابة لتشغیلھ (8.4 % فقط تحصوا على عمل عن طریق مكاتب التشغیل في حین تحصل 4.29 % على عملھم بمساعدة الأقارب والوساطات). وجلّھ (83 (%غیر راض على معالجة قضایاه في وسائل الإعلام، ویقر باستشراء العنف والتمییز بین المواطنین، ھذا الشباب الذي لا یتابع إعلامھ الوطني حیث أن 9.79 % منھ لا یطالع الصحف و 4.68 %لا یستمع إلى الإذاعات العامة والخاصة في حین یقضي حوالي 62 % منھ أكثر من ثلاث ساعات یومیا على شبكة الانترنت، یبدو أنّھ في قطیعة مع مجتمعھ ُم ٌ عرض عنھ یشعر بالغربة فیھ وعنھ، ولذلك فان تمثلاتھ تتشكل من روافد أخرى غیر مجتمعھ ھو شباب في أغلبھ لھ أفكار وسلوكات مستحدثة لا یعرفھا جیل الكبار وینظر البھا ّ بتعجب واستغراب والى حد الاستھجان أحیانا. فما العمل؟

بعض الحلول لاستعادة الثقة:

قبل أن نفكر في الحلول لابد أن ّ نھتم بمعطى آخر صار یُسھم بشكل كبیر في تشكیل تمثلات الشباب وھو «مكان العیش»، ففي ظل تراجع الشعور بالانتماء للوطن والانخراط في الأحزاب السیاسیة والجمعیات المدنیة یتنامى الشعور بالانتماء ّ للحي وأصبحنا الیوم إزاء ما یمكن الاصطلاح على تسمیتھ «بالھویة الحیّیة» والاعتزاز بالانتماء لمكان العیش وكما یقول Martin. G Deborah و Miller Byron «فالمكان لم یعد مجرد «حاویة» للنشاط، بل صار یشكل العلاقات والشبكات ویبنیھا بما في ذلك تلك العملیات التي تنتج الھویات الطبقیة والعرقیة، صار یكیّف نسق الحیاة الاجتماعیة والثقافیة ، وی ّحرك مجالات الاحتجاج، صار عاملا مھما في تحدید التھدیدات والفرص». ھذه الھویّة الحیّیة صارت رافعة للتعبیر عن التمثلات، وصرنا ّ نتحدث عن تشكیلات اجتماعیة الرابط الأساسي بینھا ھو الانتساب إلى مكان ما والشعور بالانتماء إلیھ، كالكامور والحوض المنجمي والأحیاء الشعبیة المشھورة في المدن الكبرى والخطاب الجوھري الذي ّ یقدمھ شباب ھذه الأماكن ھو الرفض والاحتجاج إلى ّحد معاداة الدولة ومؤسساتھا وتھدید سیطرتھا الرمزیة والقانونیة على أحیائھم ومناطقھم وثرواتھا. إذا اتفقنا أن نسبة ھامة من الشباب ضعُفت صلاتھا بالدولة الوطنیة وخالفت الموروث المجتمعي التقلیدي وابتدعت أشكالا وأنساقا اجتماعیة بدیلة تعبّر من خلالھا عن تمثّلاتھا فما علینا إلا إیجاد الحلول قبل أن تتّسع ّ الھوة ّ وتتحول أشكال الاحتجاج والرفض الشبابي إلى عصیان أو عصابات تمارس الجریمة بشكل یھدد كل شيء في المجتمع ونعتقد أن الشباب من خلال المسح الوطني للشباب وكذلك من خلال الحوار المجتمعي حول الشباب وقضایاه الذي انجز سنة 2016ّ قدم بعض الحلول العاجلة ویمكن تلخیصھا في النقاط التالیة:

1 – تحسین ظروف العیش في الأحیاء-  الأماكن وإشعار الشباب بعنایة الدولة بمتساكنیھا، باعتماد سیاسات فعالة ّ تحد من الفقر والتھمیش وتعزز العدالة الاجتماعیة وتوفر فرص الترفیھ، بما یُشعر شباب ھذه الأحیاء أنھم یتمتعون بنصیبھم من الثروة الوطنیة فالتدخل والتعدیل في ظروف المكان یؤدي بالضرورة إلى تغییر سلوكات المقیمین فیھ.

2 – محاربة الفساد وتشدید العقاب على مرتكبیه.

3 – مراجعة آلیات التشغیل المعتمدة وتوفیر التسھیلات والضمانات الحقیقیة الكفیلة بإنجاح مبادرات الانتصاب للحساب الخاص وبعث المشاریع خاصة في الأریاف والمناطق الداخلیة للتقلیل من النزوح والھجرة غیر الشرعیة.

4 -إقرار امتیازات وتسھیلات ّ تیسر حركیّة وتنقّل الشباب بین المدن للبحث عن فرص التشغیل وربط صلات الاستثمار وترویج المنتوجات.

5-إصلاح منظومة التكوین والتعلیم في اتجاه مزید ملاءمتھا لسوق الشغل.

6 -حث وسائل الإعلام على مزید الاھتمام بمشاغل الشباب الحقیقیة والبحث عن سبل معالجتھا بتشریك المختصین.

7 – دعوة الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني ومؤسسات الشباب والثقافة إلى تكثیف أنشطتھا وبرامجھا الموجھة للشباب وإقرار حزمة من الحوافز والامتیازات المالیة للأفكار والمشاریع التي تستھدف نشر ثقافة الحوار والسلم وتعزیز الھویة الوطنیة

للاطلاع على المصدر: اضغط هنا

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى