رأي

الاستاذ سعيد بحيرة : فوضى الشوارع في الليالي السود …

 

يا حادي الركب هل في القوم يقظان؟؟؟
ماذا يحدث في بلادنا؟؟ فجأة و دون سابق إنذار خرج مئات من الشبان من منازلهم زمن الحجر الصحي و منع الجولان ليحدثوا الفوضى في الشوارع!!! هل دفعهم القلق الكوروني إلى تحدي الوباء و السلطة معا ؟ أم طالهم الفقر و العوز فخرجوا للاحتجاج؟؟ أم أشعل الشرارة الأولى مناورون لتنتشر الظاهرة على نطاق واسع عبر الشبكة العنكبوتية؟؟ كل الاحتمالات مفتوحة بما فيها الغموض و التعتيم لإخفاء الخفايا.
لكن الأهم من كل ذلك كيف تصرفت الدولة لمعالجة الظاهرة و هي المؤتمنة على تطبيق القانون و ضمان سلامة المواطنين و حمايتهم مع ممتلكاتهم من كل أشكال الاعتداءات و الأضرار، خاصة و نحن نبني الدولة الديمقراطية التي تضمن الحقوق و تحفظ الحريات …ثم إننا لا نزال في مرحلة الانتقال الديمقراطي الذي يضع الأسس للديمقراطية الناشئة و يرسخ العقد الاجتماعي الجديد الكفيل بتجاوز عقلية البيليك و الرعايا، و عقلية التسلط و الخوف …فهل نحن جاهزون لذلك؟ و هل نحن طلبنا هذا العقد بوعي و جاهزية؟؟ أم هي الارهاصات التي تهزنا لنتقبل الانتقال المنشود..تماما كما كان الأمر في سنوات الاحتجاج في سبعينات القرن الماضي؟؟
فالشبان المشاغبون أغلبهم لم يعرف مرحلة الحزب الواحد و القائد الأوحد..و الكثير منهم كان في عمر الزهور سنة 2010 و بلغ العشرين أو تجاوزها بقليل اليوم..فمن أين له النقمة على السلطة الظالمة و الدولة القاهرة؟
لا…إنما نهل هؤلاء الشبان من ثقافة الفايسبوك و الانستغرام و التيكتوك.. و تتلمذ الكثير منهم على أيادي قراصنة الانترنات المروجين لكل أنواع الأخبار و الأقاويل بما فيها الكاذبة و الخاطئة عن سوء نية…و في أحسن الأحوال سمعوا السيل الجارف من الخطاب السياسي الرديء الذي ينضح حقدا و قدحا و تخوينا، و لا يبشر إلا بالافلاس و الانهيار و الكوارث…فكيف نطلب من الشبان المتظاهرين الرصانة و التعقل و السلوك المدني المهذب؟؟؟ و شاهد هؤلاء الشبان السياسيين يتبادلون الاتهامات الثقيلة و العبارات النابية و يحقر كل واحد من الآخر قدر المستطاع…بل و يصنفه في خانة الخونة و اللصوص و العملاء و الجهلة و الضحالة و كل ما يجعله رذيلا قميئا لا يؤتمن له جانب..
و أفضل إلهام لكثير من هؤلاء الشبان يأتي من الفرجة بدون حدود على ما تعرضه مواقع الإنترنت بعد حذف كل أشكال الرقابة الهادفة…إلى جانب برامج التلفزيون التي لا يستنكف أصحابها من تسميتها ” تيلي بوبال” ..أي تلفزة المزابل..و هي البديل زمن الكورونة و تهميش الثقافة و احتقارها و تغييب المثقفين و المبدعين و أهل الرأي الحصيف. أما إذا بحثنا عن العقلاء في أهل السلطة فإننا سنفاجأ بانقسامهم و تضارب خطابهم و تنافر رؤاهم…فهذا يهادن المحتجين و يعتبرهم أهل حق، و الآخر يهدد بتطبيق القوانين، و الثالث يوجه الإتهام لمن يقف خلف التحركات!! فهل في القوم يقظان و عاقل؟؟ و هل تدار شؤون الشعوب بمثل هذا التركيب الذي يفتقد إلى الانسجام و لو على المسائل و القضايا الأساسية؟؟
لا أظن ذلك، و لا سيما إذا اعتمدنا المقارنة مع البلدان الأخرى و خاصة الديمقراطية منها و إن كان البون شاسعا و الفرق كبيرا. و حتى في ظل مخرجات الانتخابات المعقدة مثلما هو الحال عندنا فإن حدا أدنى من التوافق الفعال يصبح ضروريا لقيادة البلاد و السهر على استقرارها و نموها…في ايطاليا مثلا يرأس الحكومة أستاذ جامعي إستطاع السمو فوق خلافات السياسيين و الإفلات من قبضة الشعبويين ليضمن الاستقرار و الرفاهية لبلاده…و في فرنسا يرأس الدولة شاب غير متحزب استطاع أن يفتح الباب أمام طيف واسع من السياسيين و يضمن التجديد دون قطيعة و كسور…و في ألمانيا لا تزال تلك المرأة الهادئة القادمة من أزلام الشيوعية المنهارة تقود بلادها بمهارة نادرة….فهل نستلهم من الشعوب التي سبقتنا إلى الديمقراطية؟ أم نواصل الصراعات الجوفاء و النزاعات العقيمة و نعمق الانقسامات..و نهمل الشعب و قضاياه و مستقبل أبنائه؟؟؟ للغفلة ساعة و تمر…أما إذا طالت فتلك هي الطامة الكبرى.

-سعيد بحيرة

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى