دراسات

الفقر في تونس بين الجذور التاريخية المكرسة له والقصور الراهن للأطراف السياسية والاجتماعية (1 من 4)

علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي

***تمهيد

مما لا شك فيه أن عدم تغيير منوال التنمية عشية الثورة التونسية والتي كانت من حيث لحظتها بناء تراكميا لغضب شعبي متنام منذ أواسط ستينات القرن الماضي ضد سياسيات القهر والعسف والتهميش والاقصاء، خطا قاتلا خاصة وانه مفتاح كل الحلول بناء على تنامي التحديات الاقتصادية والاجتماعية وخاصة في الوضع الراهن والصعب للجارتين الغربية والجنوبية أي “الجزائر” و”ليبيا” الأولى بناء على طبيعة صعوبة المرحلة السياسية والثانية نتاج الحرب بالوكالة الدائرة على أراضيها منذ ماي 2014…

وباعتبار ان الفقر هو من حيث أبعاده الفلسفية والاجتماعية قهر وعسف وتكريس للاعدالة بين المواطنين، وباعتبار أنه في الثقافة الإسلامية مساو للكفر في معناه الروحي والثقافي بناء على:

  • حديث النبي (صلى الله عليه وسلم) “كاد الفقر ان يكون كفرا وكاد الحسد ان يسبق القدر”
  • مقولة علي بن ابي طالب “لو كان الفقر رجلا لقتلته”..

وكل ما سبق، يفرض اليوم على الدولة والنخبة ومكونات المجتمع المدني، التعاطي مع نسب الفقر بواقعية من حيث العمل على فسخه كظاهرة اجتماعية مدمرة اضافة لاكتساب عقلية استراتيجية في وضع خطط القضاء عليه لان سؤال مهم وهو لماذا لم تستطع الدولة طوال ست عقود من القضاء عليه، وماذا يعني عجز النخب السياسية في السلطة والمعارضة إيجاد استراتيجيات واضحة المعالم لحصر نسبته في ارقام صفرية ان لم يكن القضاء عليه تماما في أمد متوسط وبعيد؟…

 

 ** الجذور والأسباب التاريخية للفقر في تونس (1881-1987)

1- ممّا لاشك فيه أن الاستعمار في أي بلد لا تهمه مصائر الشعوب وفقرها ودمارها بقدر ما يهمه امتصاص خيراتها وثرواتها والقضاء على خصائصها الحضارية وطحنها ماديا ومعنويا، وهو ما يؤكد ان الاستعمار الفرنسي الغاشم لم يترك في تونس أي شيء قابل للحياة ولا معنى للكرامة الإنسانية بل أنه كانت له استراتيجية كاملة في تدمير كل ما هو انساني وخاصة في تونس والجزائر،  فهو قد دمر منهجيا المؤسستين الدينية والثقافية ( وخاصة اللغة العربية) ليمر لاحقا للبُنى الجنينية الاقتصادية للبلد فقد دفع نحو تدمير الفلاحة التونسية وشجع على تركها نحو السياحة والخدمات من حيث التخطيط منذ بداية اربعينات القرن الماضي بعد ان استثمرها المعمرون وحرم منها التونسيون…

2- ان استطاعت النخب التونسية بناء لبنات أولى ورئيسية لدولة وطنية ووضع معالمها الأولى نهاية الخمسينات (“أحمد بن صالح” – “المنجي سليم” – “الحبيب بورقيبة”…)، فان النخب الحاكمة ومرتكزها الحزبي أي “الدستوري الجديد” (والذي أصبح بعد 1964 “الاشتراكي الدستوري”) قد عجزت عن وضع استراتيجية طويلة المدى للقضاء على الفقر والتهميش شبيهة بخطتها في نشر التعليم والخدمات الصحية الأساسية (والتي هي في الحقيقة تفعيل لاستراتيجيات أولية خطها ووضعها باي الشعب سيدي “المنصف باي”)، ذلك أنها بقت حبيسة خدمة الحكم الفردي ووضع سمفونيات المدح والتغنّي والصراع على المناصب الرئيسية في الحكومة والحزب الحاكم والوحيد بعد قرارات مؤتمر “المصير” ببنزرت سنة 1964 ( تبني الاشتراكية الدستورية – ضم المنظمات الوطنية لحضيرة الحزب – خلق الشعب المهنية – حظر كل الأحزاب ما عدا الحزب الدستوري)، وبالتالي غابت استراتيجيا تنمية الإنسان وحلت محلها تنمية الحزب والحاكم الفرد وتم تسخير كل الوزارات والإدارات لخدمة اهداف بعيدة عن التنمية الاقتصادية رغم بناء جزء من الفاعلين الاقتصاديين لمؤسسات اقتصادية مهمة ولكن بُناها بقت جنينية وغير مفعلة حتى أن “بنك التنمية الاقتصادية” والذي خُلق من رحم الشركة التونسية للبنك وُلي عليه ابن الزعيم ليُعلن لاحقا تفليسه والاعلان عن اعادته كهيكل ومسمى تحت نفس المؤسسة البنكية التي تم اخراجه منها…

3- بقيت الدولة تابعة وملحقة حضاريا واقتصاديا وساد منطق “Copier “، “Coller” عن التجارب الفرنسية السابقة لنا، وتم تغييب عقلية الاجتهاد ومراعاة الخصوصية، والا ماذا يعني مثلا التعاطي مع غابة الزيتون التونسية بسياسة التخلص من أكثر من 200 ألف زيتونة من طرف المدعو “عمر شاشية ” في الساحة التونسي”، إضافة لذلك لم يترك الوزير والزعيم “احمد بن صالح” يُنفذ برنامجه التعاضدي فجاء مشوها وغير محقق لأهدافه الاستراتيجية سواء كانت قريبة أو متوسطة المدى او تلك البعيدة المدى، بل أنه تمت المسارعة في محاكمته ووضعه في السجن – قبل هروبه للخارج وتأسيسه لحركة الوحدة الشعبية- حتى أن اسم حزبه وان غلب عيله منطق فكرة الوحدة فانه حمل ابعاد اجتماعية منها تقريب الهُوة بين الطبقات المهمشة والفقيرة نتاج سياسات الاستعمار وبين طبقة ارستقراطية وغنية…

4- الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة نفسه -وهو الذي له وعليه في المسألة الاجتماعية-كان يعي من خلال خطبه ان إشكالية الفقر لم يتم القضاء عليها وقد انتبه أنه غيب بعد 1975 على حقائق الأرقام والسياسيات حتى أنه قال ما قال عندما اكتشف ان هناك افراط في بناء طبقة ارستقراطية على حساب قوت الشعب قال قولته المشهورة اثناء تدشين مغازة “التوتة” “هههه، هل تتخيلون أنني لا أعرف ان “توتة” يعني توفيق ترجمان (صهر زوجته وسيلة”)، وهو مثال مُعبر لأن هناك طبقة تنفذت واخذت مقدرات البلاد منذ بداية السبعينات بعد ابعاد “بن صالح” والشخصيات الأقرب للبعد الاجتماعي للدولة، بل أنه تم منذ يومها خنق انفاس المجتمع سياسيا واجتماعيا…

5- مثل الصراع “اليوسفي – البورقيبي” بداية مرحلة انتقام من جزء من المجتمع التونسي، ذلك ان النظام لم يكتف ابدا بسياسات ومنطق تصفية الخصوم السياسيين ( اليوسفيين أساسا) وتعذيبهم واقصاء عائلاتهم من كل توظيف (لم يلتحق أي من الدارسين في المشرق العربي في سلك التدريس والوظائف السامية )، بل تمت معاقبة كل المدن والقرى التي كانت محسوبة على الحزب القديم وعلى اليوسفيين على غرار اغلب مدن الجنوب الشرقي على غرار “الحامة” و”بن قردان” و”تطاوين” و”مارث” و”منزل حبيب” و”سجنان” و”زرمدين” وغيرها كثير (قصة عدم تهميش جزيرة جربة أي مولد الزعيم “بن يوسف”، فتلك قصة ليس المجال مجالها)…

6- سياسات التهميش ولدت أحياء كبرى وفقيرة في العاصمة على غرار “التضامن” و”البحر لزرق” و”السيجومي” و”دوار هيشر ” والملاسين ” وحي هلال ” وهي نفس الاحياء الفقيرة التي سيفترسها الإرهاب وهي أحياء لم تستطع حتى القوات الأمنية الدخول لبعضها حتى بداية التسعينات لان الدولة كانت غائبة تماما من حيث الخدمات والتنمية والالتفات اليها، وفي هذه النقطة بالذات فان سياسات “نويرة” قد جرت عليها الخيبات ولان بورقيبة كان مُغيبا من طرف الحاشية والتي كانت تظهره كواجهة لا غير، واضافة لذلك فإن حتى المدن الساحلية بنيت على هوامشها أحياء فقيرة على غرار حي “الرياض” و”الزاوية” وحي “العوينة” والـــــــــ”كبادجي” وغيرها في سوسة مثلا …

7- مثلت سياسات بداية السبعينات الاقتصادية (قانون 72)، تكريسا لمنطق التهميش والتفقير وتحويل الفئات الشعبية لمجرد ارقام في مخططات بناء الثروات للطبقات الأرستقراطية المقربة من قيادة الحزب ومن كبار مسؤولي الدولة ويكفي تبين ذلك من أن العديد المؤسسات العقارية الكبرى اليوم هي باسم أبناء وعائلات أولئك الأشخاص والامثلة في هذا الصدد أكثر من أن تحصى أو تعد…

8- الدليل أن سياسات التهميش هي التي أسقطت النظام هو أنه سقط سنة 1987 بناء على ازمة شاملة في كل ابعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وان بورقيبة نفسه قد تم ادخاله في منطق العبث في بلد فيه الفقر في كل اركان مدنه وقراه، حتى أنه امر ببعث معتمدية وولى عليها شخص أمي لمجرد أنه مدحه في 03 أوت 1987 في المنستير رغم أنه لا يستطيع حتى الامضاء وتم ذلك في بلد يفتخر بنشر التعليم ومجانيته، وحدث ذلك بعد سنة واحدة من إقرار برنامج الاصلاح الهيكلي والذي كان مفصلا كارثيا في تاريخ تونس المعاصر بل وستكون له ترتبات أكثر من أن تحصى أو تع الى يمنا هذا…

 

يتبع في الجزء الثاني:

الحقبة النوفمبرية أو تكريس التفقير المنهجي وزيادة نسب الفقر  (1987-2010)

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى