تحاليل

مسارات ومدى فاعلية الأحزاب خلال عقد ما بعد الثورة (2من4)

علي اللافيكاتب ومحلل سياسي

 

** تمهيد 

 

            تستقرأ دراسة الحال فاعلية ومسارات الأحزاب بمختلف مدارسها الايديولوجية والسياسية والاجتماعية ومدى فاعليتها، وما بقي منها بعد 10 سنوات من انتصار الثورة وهل هي قادرة مستقبلا على المساهمة في اخراج البلاد من المأزق الحالي ومن مربعات ترتع فيها “اللوبيات” وأساطين “السيستام” ودولته العميقة وأدواتها المتعددة؟

وقد استعرضنا في الجزء الأول من هذه الدراسة فهرسها إضافة الى عرض مختصر لمسارات العائلات السياسية الخمس (الدساترة – اليسار-القوميون العرب-الإسلاميون – الليبراليون والوسطيون)

أما في هذا الجزء الثاني فنستعرض الفعل السياسي والاجتماعي للأحزاب الدستورية والتجمعية خلال العقد الماضي ونفس الأمر ما يخص التيارات الليبرالية والوسطية ذات التوجهات اليمينة والاقرب ليمين الوسط تحديدا…

 

الحلقة الثانية

“الليبراليون” و”الدساترة” و”التجمعيون” وتنظيمات وأحزاب يمين الوسط (2011-2020)

 

 

** الأحزاب الليبرالية بعد الثورة، أو الليبرالية بدون ليبراليين…

 

           رغم التطوّر الكمّي الهائل للأحزاب السياسية في تونس (نحو 230 حزبا سياسيا مقننا ومعترف به)، لم تستطع المُسمّيات الليبرالية التونسية أن تجد لها مكانا في المشهد السياسي التونسي المُتشكل منذ 2011 والذي شهد تقلبات في كل الاتجاهات لتبقى الكثير من الأسئلة قائمة ومطروحة وهي:

  • لماذا لم تشهد تونس بناء حزب ليبرالي قوي أو نخبة ليبرالية قادرة على أداء دور المُعدّل بين اليسار الماركسي والتيار الإسلامي؟
  • ما هي معالم الليبرالية في تونس؟ ومن هم الليبراليون التونسيون تحديدا؟
  • ما هو واقع وآفاق وفسيفساء الأحزاب الليبرالية التونسية؟

عمليا لم تتغير وضعية الأحزاب والتنظيمات الليبرالية حيث ظلت تُراوح مكانها من حيث الضعف في البناء الحزبي والعجز عن الحضور والاستقطاب السياسيين، وقد تم الاعتراف بعشرات الأحزاب التي تتبنى المنهج الليبرالي في برامجها، وأهمها من حيث الحضور السياسي والإعلامي:

1- الحزب الليبرالي المغاربي: وهو حزب استطاع الصمود في الساحة السياسية بقيادة “محمد البصيري بوعبدلي” حتى سنة 2014 إلا أنه لاحقا بقي نخبويا ومتكونا من حيث الحضور في الساحتين السياسية والإعلامية على رئيس الحزب والمقربين منه عائليا ومهنيا وليبقى في الأخير اسما بدون مسمى حتى أنه لم يخض انتخابات 2019…

2- حزب آفاق تونس: وهو حزب تأسس بعد الثورة، وتحديدا سنة 2011، وأسسه عدد من مثقفي اليمين الليبرالي، وأساسا من منتسبي جمعية “آتيج” ( الدارسين في المدارس الفرنسية العليا)، وهو حزب حصل على 8 مقاعد في مجلس نواب الشعب الحالي (بينما كان له 4 نواب فقط في المجلس الوطني التأسيسي) أما في 2019 فكانت نتائجه غير منتظرة لياسين إبراهيم وبقية قياديي الحزب بناء على أن له قدرات مالية وقدرة على تأطير النخب الشبابية الليبرالية، ولكنه سقط في مواقف الاصطفاف الإقليمي وأمعن في التجاذبات الأيدولوجية خاصة وأنه كان مرشحا أن يفتك قطاعات واسعة وعديدة من حزب نداء تونس قبل وبعد تفكك هذا الأخير، ونتاج خلافاته الداخلية والاخطاء الكارثية لياسين إبراهيم واستفراده بالرأي وخروج وانسحاب قيادات عدة أصبح الحزب مجرد اطار ولافتة حزبية لا أكثر ولا أقل وهو ما اضطر إبراهيم نفسه لبيع الحزب لـــــــــــ”الفاضل عبد الكافي” عبر آلية التملك التجاري ( خرج “إبراهيم” وقبض الثمن نقدا دون أن يعلن عن ذلك إعلاميا بل أعلن التحاق “عبد الكافي” وتوليه المسؤولية الأولى في الحزب وتفرغه الكامل له)، وفي قراءتنا فان “فاضل عبد الكافي” قادر واقعيا لتحويل “آفاق تونس” الحزب لليبرالي قوي وأن تكون له آفاق سياسية خاصة اذا ما تخلص من أخطاء ارتكبه “سليم الرياحي” و”ياسين إبراهيم” وكل الليبراليين التونسيين…

3- حزب الأحرار التونسي: وهو حزب انشق بعد الثورة عن الحزب التحرري لطبيعة علاقته بنظام الرئيس المخلوع، ونشط مدة محددة بقيادة “منير بعطور” ولكنه بقي نخبويا، إلا أن أحداثا حفت بزعيم الحزب جعلت الحزب في موضع البطالة الكاملة عن النشط السياسي مقله مثل العددي من الأحزاب الليبرالية المثيلة له بما في ذلك النسخة القديمة للحزب التحرري المؤسس سنة 1988…

4- الاتحاد الوطني الحرّ: هو فعليا حزب ليبرالي أسّسه وقاده رجل الأعمال سليم الرياحي منذ سنة 2011 حتى تاريخ فراره للخارج في بداية سنة 2019، وهو حزب تطور وجوده في الساحة السياسة بين يمين الوسط وأقصى اليمين، وكل التقييمات والتحليلات تؤكد أنه كان أقرب إلى المؤسسة والشركة منه إلى الحزب السياسي، وقد ضم يساريين سابقين وقوميين عرب غادروا أحزابهم، وليبراليين لم يتموقعوا سياسيا قبل الثورة، إضافة لانضمام بعض الكوادر الوسطى السابقة للتجمّع المنحل اليه… واثر خيبته في انتخابات 2011 استقطب وجوها جديدة  أعطته البُعد اليميني ومن ثم الليبرالي، وهو ما سمح له بالتموقع السياسي خاصة بعد حصوله على 16 مقعدا بمجلس نواب الشعب سنة 2014 ولكنه سرعان ما عاد للخيبات حيث فشل في استقطاب بعض النخب الليبرالية الجديدة رغم أنه أحد مكونات حكومتي الحبيب الصيد (2015-2016)، كما أنه لم يتحول إلى حزب سياسي ذي أطروحات تؤطر القادمين الجدد للحزب ولم يعرف أي استقرار سياسي لقيادته المركزية التي حطّ فيها وغادرها أكثر من وجه سياسي معروف ( خالد شوكات – القديدي – بن ضياء…)، قبل أن يدخل الرياحي في خصومات وتجاذبات مع قيادات نداء تونس وأطراف سياسية واجتماعية بل ومع رئيس الحكومة يوسف الشاهد سنة 2018 ليجد نفسه مطلوب للقضاء في قضايا عدة ومن ثم الفرار للخارج حتى أنه خاض الدور الأول للرئاسية في سبتمبر 2019 من مهجره الأوروبي وليشكل عبر محاميه الخاص المدعو “أكرم بالصادق” حزبا جديدا او بالأحرى لافتة ليبرالية جديدة “حزب الوطن الجديد”، ولكنه لم ينجح ولم تحصد قائماته الـــ33 أي مقعد برلماني رغم التمويلات الضخمة لها ولينفض من حوله كل شركائه السياسيين بما في ذلك المترشحين في قائمات الحزب ومسؤولي هياكله الجهوية والمركزية…

5-  هل يمكن اعتبار أحزاب “النداء” و”البديل” و”النهضة” و”قلب تونس” أحزابا ليبرالية؟

             أولا من المهم التأكيد أن أحزاب مثل “قلب تونس” والبديل التونسي” ونداء تونس أو بعض مشتقاتها هي أحزاب أقرب للليبرالية رغم ضمها لمكونات يسارية واجتماعية وهو ما ينسحب على الأحزاب الدستورية أيضا ولكن من حيث تصنيفها فهي تنتمي للمدرستين الدستورية (قلب تونس) والإسلامية (النهضة)

ثانيا حزبي “النداء” و”البديل التونسي”، يمكن القول بشأنهما ما يلي:

  • حزب نداء تونس، وهو حزب اعتبر ليبراليا ذلك أنه أقرب من حيث بُنتيه التي تأسس عليها في 16 جوان 2012 الى أحزاب أقصى اليمين الليبرالي رغم أن مكوناته متعددة (دستورية ونقابية وتجمعية ويسارية بل هو ضم عناصر من الحزب الشيوعي والوطد)، كما أن بعض خياراته وتوجهاته هي أقرب للليبرالية المتوحشة رغم خطابه المغلف ببعض مقولات اليسار  وهو ما ينطبق على بعض أحزاب أخرى ليبرالية ولكن مؤسسوه يقدمون خطابا اقرب للاجتماعي ويمارسون سياسات ليبرالية ويطفون مع اليمين الليبرالي في الداخل وفي علاقاتهم الخارجية على غرار حزب “بني وطني” وبعض أحزاب أخرى انشقت وتولدت عن نداء تونس بداية من سنة 2016وما أكثرها على غرار  “مشروع تونس” (بقيادة محسن مرزوق) و”تونس أولا” (بقيادة رضا بلحاج) و”الائتلاف الوطني” (بقيادة نجلي جلول) و”أمل تونس” (بقيادة “سلمى اللومي”)…

 

  • حزب البديل التونسي، الذي أسسه رئيس الحكومة الأسبق “مهدي جمعة” هو من حيث أطروحاته في انتخابات 2019 هو حزب ليبرالي باعتباره ضمّ شخصيات وكفاءات وطنية بعضها كان له منصب وزير في حكومة التكنوقراط التي قادها “جمعة” سنة 2014 ولكن الحزب بقي نخبويا وعاجزا عن الاستقطاب والتأثير السياسي…

 

6- قراءة تقييمية للفعل السياسي للأحزاب الليبرالية:

               خلال السنوات العشر الأخيرة فان كل الأحزاب التي وسمت نفسها بالليبرالية ما هي الا أحزاب ضعيفة واقعيا وعاجزة عن الاستقطاب، خاصة في الجهات الداخلية، بل هي تفتقر فعليا إلى برامج سياسية حقيقية تنبئ عن فهم للواقع السياسي والاجتماعي المتغير بالبلاد، حيث عجز عقلها السياسي عن فهم المتغيرات السياسية الكبيرة التي حدثت في تونس بعد الثورة، والحقيقة أن أزمة الأحزاب الليبرالية في تونس (وربما الفكرة الليبرالية ذاتها)، تعود في جانب منها إلى الأزمة التي تعرفها المنظومة الحزبية، باعتبار أن الأحزاب التونسية بعد الثورة لم تصل بعد إلى درجة النضج وفهم معنى الحزب السياسي في بنيته العميقة، باعتباره مدرسة للتربية السياسية للمواطن، ينخرط فيها ليتدرب على مساهمته في الشأن العام، وعلى ممارسة حقوقه السياسية الأساسية، ولكن تحقيق هذه المهمة في صورتها المثلى ليس بالأمر اليسير في ظل حالة الاضطراب التنظيمي الذي تشهده غالبية الأحزاب السياسية وحالات الانشقاق التي تعرفها، أضف إلى ذلك السياحة السياسية التي زادت من قتامة المشهد الحزبي القائم على منطق المؤسس والزعيم الأوحد، وليس على أنه تنظيم ذو بنية واضحة وأهداف سامية…

 

** يمين الوسط، أو فقدان وسطية الوسط

 

              وهي الأحزاب التي تتبنى الفكرة الليبرالية في رؤيتها السياسية دون أن تتبنى خيارات اليمين المحافظ، وباعتبار ان في تونس بقي الوسط فارغا طيلة السنوات الماضية، ويُمكن التأكيد أن العديد من الأحزاب والتي قارب عددها 16 حزبا هي أقرب لأحزاب يمين الوسط أو وسط اليمين تحديدا وهي تلك الأحزاب التي لم تستطع أن تكون في المشهد من حيث درجة الفاعلية السياسية، وهي أحزاب قد انقسمت الى اقسام ثلاث من حيث ما آلت اليه وما يمكن أن تؤول اليه:

1- قسم أول، ويضم تلك الأحزاب التي اندثرت تماما ولم يعد نشاطا على غرار :

  • حزب المجد: وهو أقرب لحزب الفرد الواحد وقد  انتهى أمره بمجرد انتقال مؤسسه للنشاط الحقوقي الدولي)،
  • “حزب الوطن الجديد“: حزب أسس صائفة 2019 كبديل حزبي عن “الوطني الحر” بعد فرار سليم الرياحي للخارج)
  • “حزب البناء الوطني”: بمجرد رجوع بعض مؤسسيه وخاصة رياض الشعيبي لحركة النهضة)
  • حزبي “الثقافة والعمل” و”الإصلاح التنمية” (تم حلهما بعد التحاق جزء من قياداتهم بأحزاب أخرى على غرار “النهضة”)
  • حزب “الآمان”: وخاصة بعد التحاق أمينه العام وجزء من قياداته الرئيسية بحزب “الحركة الديمقراطية” سنة 2017

2- قسم ثان، أحزاب لا تزال ناشطة ولكن تقلص حضورها التنظيمي والإعلامي وهي حوالي عشر أحزاب ومن بينها حزب “بني وطني” (بقيادة “سعيد العايدي”) “حركة البناء المغاربي” (بقيادة “نورالدين الختروشي”)

3- قسم ثالث، وهي أحزاب أعطت الفرصة لإعادة هيكلة أنشطتها وتقييم مسارها أو حتى الانصهار مع مكونات أخرى ومن بين تلمك الأحزاب نذكر:

  • حزب “أمل تونس”، وهو حزب أعلن في ندوة صحفية في نهاية سبتمبر الماضي عن تشكله الجديد مع رضا بلحاج ونجيب الشابي)
  • “حركة الديمقراطيين الاشتراكيين”، والتي اعادت بناء هياكلها وبدأت في العدوة للساحة السياسية بقوة عبر استقطاب وجوه جديدة وضم مكنات حزبية قريبة منها…
  • حزب “البديل التونسي”، والذي أرجأ فعبه السياسي في انتظار إعادة تشكل المشهد السياسي واقتصرت أنشطته على الحد الأدنى الاعلامي…
  • حزب “قلب تونس”، رغم أنه أكثر يمينية من بعض أحزاب وسط اليمين، ووضعه الحالي انتقالي ومؤقت ولن يتوضح الا خلال الأشهر القادمة…

 

** الأحزاب الدستورية والتجمعية: بروز “الدستوري الحر” مقابل أحزاب أخرى تولد وتتضخم ثم تتلاشى وتنتهي…  

 

            كانت ثورة الحرية والكرامة سنة 2011 ثورة على حزب “التجمع الدستوري الديمقراطي” وهو الحزب الذي حوّله الرئيس المخلوع لقطعة قماش بالية بل أنه مسح فيه هو وأجهزته القمعية كل جرائمهم مضاف اليها جرائم اصهاره ومستشاريه، وفعليا تنامى غضب التونسيين قبل وبعد الثورة على جزء كبير من العائلة الدستورية التي سلمت المخلوع حزب بورقيبة والدساترة صائفة 1988 ذلك أنه لم يقل لا للمخلوع أي كان إلا قلة قليلة من الدستوريين واكتفى بعضهم بالصمت وملازمة بيوتهم كيلة 23 سنة، وعمليا يمكن تقسيم الفعل السياسي للدساترة والتجمعيين إلى أربع مراحل خلال السنوات العشر الماضية:

1- المرحلة الأولى: مرحلة جس النبض (جانفي 2011- جوان 2012)

           بتطوّر الأحداث في مارس 2011 تم تشكيل عشرات الأحزاب والتي وسمت بأكثر من صفة على غرار الأحزاب الدستورية (وهي حوالي 17 حزبا على غرار الدستوري الجديد بقيادة “أحمد منصور” و”الحزب الاشتراكي الدستوري”) وأخرى “بورقيبة” (على غرار “حزب البورقيبية الجديدة”)  وثالثة ليبرالية ويمينية، فيما تم فعليا تأسيس أحزاب تجمعية المنحى والتكوين والقيادة (ومعلوم أن بعضها رُسمت ملامحه في دار أحد وزراء المخلوع بحي “المنار 3”)، وجميعها تقريبا دخل في ائتلاف موله أحد رجال الأعمال المتنفذين تحت لافتة “الائتلاف الجمهوري” وهو الائتلاف الذي خاض باسمه الدساترة والتجمعيين تحت لافتة انتخابات 23 أكتوبر وكانت الهزيمة نكراء من حيث النتائج،  رغم أن تصويت التجمعيين والدساترة كان لذلك الائتلاف ولحزب “المبادرة” (بقيادة كمال مرجان) وأيضا لحزب العريضة الشعبية (بقيادة محمد الهاشمي الحامدي) رغم أن الأخير لم يكن يوما لا دستوريا ولا تجمعيا…

وبعد الإعلان عن نتائج انتخابات 23 أكتوبر 2011 انقسم الدساترة والتجمعيون لثلاث فرق:

  • فريق أول، اختار الضمور واستقراء المهد أكثر والاقتراب من اللوبيات وانتظار التطورات وهو أمر مارسه الكثيرين على غرار قيادات لجان التنسيق في الجهات وبعض فاعلين سابقين وأعضاء الشعب التجمعية…
  • فريق ثان، اقترب من حزبي “الوطن” (فريعة وجغام) و”المبادرة”(مرجان) ونشطوا خلالها وبحث عن توحيد العائلة الدستورية مع مكونات ليبرالية ويمينية (“العجرودي” وآخرين)
  • فريق ثالث، التف حول “الباجي قائد السبسي” قبل وبعد تأسيسه لحزب “نداء تونس” وحول رجل الأعمال “كمال لطيف” خاصة أن “السبسي” يومها كان يُردد مقولته المعروفة في كل اجتماع حزبي”نحن الفترينة(أي نداء تونس) والتجمع هو الماكينة” ومعلوم أن “الطيب البكوش” قال لهم “خبوا وجوهكم حاليا” وهو ما لم يغفروه له لاحقا…

 

2- المرحلة الثانية: رسكلة التجمعيين (جوان 2012-مارس 2015)

            وهي مرحلة انحسر فيه الفعل السياسي والعددي للفريقين الأولين فيما برز الفريق الثالث وتم ما سمي برسكلة التجمعيين وإبراز فقط ما كان يعرف بالشباب الدستوري وبعض عناصر طلبة التجمع والذين اثثوا هياكل النداء في الجهات والتنسيقيات المحلية ولكن وراء وجوه يسارية ونقابية وليبرالية وبعضهم مارس ذلك مضطرا الا ان البعض الآخر اعتبر ذلك مرحلة ضرورية وبناء تكتيكي في اطار استراتيجيا متكاملة الا ان طبيعة تشكيل الحكومة وظهور الصراعات في نداء تونس وتنامي الخلافات في مارس 2015 غيرت تلك الاستراتيجية وخاصة بعد تنامي دور السبسي الابن وسيطرة يساريي النداء في مرحلة أولى على مفاصل الحزب والمواقع الرسمية…

ولا يمكن اغفال أنه في هذه المرحلة تم تأسيس حزب الحركة الدستورية (بقيادة حامد القروي) وبروز أولي لــــــــــــــــ”عبير موسى” وخاصة منذ ماي 2016، والتي كانت أحد قيادات الحزب ولكن لم يكن لها حتى 2017 نفوذ مطلق أو كبير والحقيقة أن ذلك الحزب كان خطوة تكتيكية لبعض أطراف محلية وإقليمية بغض النظر عن اهداف “القروي” من التأسيس (أنظر مذكراته والتي لم ترتح “عبير” لمضمونها)…

 

3- المرحلة الثالثة، التشظي وظهور الدستوري الحر (أفريل 2015 – ماي 2018

              تنامت في هذه المرحلة وبقوة الصراعات داخل “النداء” وبدت تتبين مراحل تفككه وخاصة بداية أكتوبر 2015 وليدخل في هستيريا التجاذبات الداخلية مركزيا وجهويا وخاصة بعد تأسيس “مرزوق” لحزب جديد أطلق عليه تسمية “مشروع تونس” كما سيطر “السبسي الابن” على مفاصل الحزب وهي المرحلة التي انقسم فيها التجمعيون المرسكلون إلى فريقين:

  • فريق أول، بقي في الحزب وتقرب من “السبسي الابن” وخاصة في الجهات والمحليات واعتبروا أنفسهم ممثلون له واطردوا مخالفيهم وخاصة من يساريي النداء وبعض ليبراليين…
  • فريق ثان، غادر الحزب سواء مع “مرزوق” أو في اتجاه حزب “عبير موسى” بعد أن تسلمت الحزب من “القروي” في ماي 2016 وخاصة وأنها طردت “حاتم لعماري” بطريقة تعسفية بل وأطردت كل من تشتم منه رائحة منافستها…

اما خارج “النداء” و”الدستوري الحر” فان فريق موسعا من التجمعيين اختاروا عقلية البقاء على الربوة وانتظار المآلات فيما لم يحسن مرجان قراءة المرحلة وخاصة قبل التحاقه بالحكومة فبقي مترددا في خياراته الحزبية والمستقبلية حتى انه لم تكن له أي استراتيجيا بل أنه لم يُعط لكل من “الغرياني” و”محمود مفتاح” أي مساحات لتصدر قيادة الحزب أو هما لم يريدا ذلك وخيرا البقاء في الخلف…

 

4- المرحلة الرابعة، عبير تتصدر المشهد مقابل التشظي والانتظارية من جديد بالنسبة للبقية (جوان 2018 – ديسمبر 2020)

             وهي مرحلة ارتبك فيه كل الدساترة والتجمعيين من خارج مربعات “الحزب الدستوري الحر”، وهذا الأخير جمع فعليا كل التجمعيين القدامى وخاصة أولئك الذين لا يستطيعون لا قيادة العمل الحزبي ولا السياسي وبالتالي تحول الحزب لحزب موالاة لزعيمته بعد ان أطردت قيادات أخرى فيه، حيث تحوَّل الى مربع نفوذ لها وقادت به الانتخابات بنُسختيها التشريعية والرئاسية ولتتحصل على 17 مقعدا وهو ما شجع اطراف إقليمية ومحلية على الاقتراب منها أكثر ودعمها مرحليا لتحقيق أهداف خنق الثورة التونسية جزء من مناصرة الثورة المضادة في كل الدول العربية…

وعمليا غادر الكثير من الانتظاريين مواقعهم والتحقوا بعبير وحزبها مباشرة وبطرق غير مباشرة ولكن عبير لم ترتق لبناء حزب سياسي كبير يقيم الرحلة ومتطلباتها بل بقت رهينة أجندات محلية تبحث عنها أطراف ولوبيات وأطراف إقليمية مثلما واصلت ممارسة الاقصاء من حيث الخطاب تجاه الآخر السياسي وأيضا داخل الحزب (طرد احدى النائبات من الكتلة) وأيضا بعد طرد من رفضوا خياراتها في تسمية رؤساء القائمات…

مقابل ذلك عاد في هذه المرحلة فعل تيار دستوري في هدوء وفي صمت وتم ذلك بقيادة أحد الولاة السابقين وعبر خطوات هادئة وعبر تلمس مرحلي للمشهد السياسي والمحلي والإقليمي خاصة وان له علاقات قوية مع قيادات مركزية في المنظمات الاجتماعية إضافة الى مساحات اقتراب مع فاعلين سياسيين من غير العائلة الدستورية ومساحات تفاهم مع الآخر السياسي…

** ملخص تقييمي حول الاحواب الدستورية والتجمعية

1- بعد عشر سنوات من الثورة ومن حل التجمع – بناء على اساءاته وظلمه لتونس والتونسيين- أصبح نداء تونس المؤسس بعقلية وراثته اسما بدون مسمى وهو اليوم متمثل في بقايا ومسميات عبر   أكثر من 8 أحزاب لا رابط بينها سوى انها كانت مجتمعة وملتفة حول الراحل السبسي

2- رغم الدعم الإعلامي والإقليمي المرحلي لـــــــــــــــ”عبير” وحزبها فهي لا تمتلك أي برنامج ولا أي أطروحات تذكر، بل هي لا تفلح سوى في المناكفة السياسية والأيديولوجية، وهو ما يعني أن مستقبل حزبها سيبقى مفتوحا على خيارات واختيارات إقليمية رغم قول البعض أنه وقع التخلي عنها من حلفائها المحليين والاقليميين وأن هناك من سيرث فعلها وتجميعها للتجمعيين وبعض الدساترة…

3- بقي التجمعيون وسيبقون كقواعد تاريخية منقسمون وفي حالة انتظار مستمرة لمن سيتصدر المشهد مستقبلا للالتحاق به سواء كان حزب عبير ومن معها او كتلة الإصلاح المنتظر تحولها لحزب باسم ثان…

4- حزب “تحيا تونس” ورغم فشله النسبي في انتخابات 2019 وعجزه البنيوي والتنظيمي الحالي الا أنه مؤهل مستقبلا للتحوّل لجامع لمكونات وسطية وأيضا أن يكون مستقبلا حزبا قادرا على ضم وسطيين ودستوريين تحت لافتة وسطية وجامعة ربما جالبا لكتلتي “المستقبل” و”الإصلاح” وبعض فاعلين سابقين في التيار الدستوري والمتخلصين من العقلية التجمعية البالية لعبير وأمثالها وخاصة ممن يؤمنون بالثورة وفعلها وما أتت به كمرحلة خاصة وأن مسميات “مشروع تونس” و”أمل تونس” وغيرهما سيتحولان لمجرد مسميات لا غير إضافة لترهل وضعف مسميات أخرى حاولت ن تكون البديل وما أكثرها…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى