تحاليل

بين الماضي والحاضر: لماذا تخلت المنظمة الشغيلة عن دورها الإجتماعي وأصبحت طرفا في الصراع السياسي؟

بقلم: خالد الهرماسي

الزيتونة هي ثاني مؤسسة جامعية وعلمية في العالم العربي والإسلامي بعد جامعة القرويين بمدينة فاس المغربية حيث تأسست سنة 737 ميلادي الموافق (120) هجري مقرها المدينة العتيقة تونس العاصمة وقد أدت دورا مهما في نشر الثقافة العربية الإسلامية الوسطية وقيم الاعتدال والتسامح والعيش المشترك .

من بين العلماء الذين خلدوا أسمائهم بأنوار علمهم نجد على سبيل الذكر لا الحصر العلامة عبد الرحمان ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع في العالم والفيلسوف الكبير إلى جانب ثلة من كبار العلم والنور الطاهر الحداد الطاهر بن عاشور محمد بن عرفة سالم بوحاجب محمد الخضر حسين الذي كان الوحيد من غير الحاملين للجنسية المصرية يترأس جامعة الأزهر ومحمد العزيز جعيط والمصلح الزعيم الكبير عبد العزيز الثعالبي والشاعر الخالد أبو القاسم الشابي وآخرون كتبوا تاريخ الجامعة الزيتونية بأحرف من ذهب وأناروا أسوارها بعلمهم وأدبهم

إلى جانب العلم والنور كان لهولاء العلماء الأفاضل تاريخ ناصع في النضال ضد كل القوى التي تجرأت على المساس بسيادة تونس واحتلالها حيث وقفوا في وجه الاحتلال الأسباني ثم من بعده الفرنسي وساهموا من موقعهم كنخبة البلاد في طرد آخر الجنود الفرنسيين من بلد العلم والنور تونس الزيتونة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء.

توطئة المقال ركزنا فيها على منارة العلم والنور الزيتونة لأن من رحمها تأسست أعرق المنظمات الشغيلة في العالم الاتحاد العام التونسي للشغل على أيادي نظيفة وشريفة وفي أحد فروع الجامعة الزيتونية ألا وهي المدرسة الخلدونية عن طريق الشيخ الفاضل بن عاشور والزعيم الرمز فرحات حشاد كان ذلك في 20 جانفيي 1946.

السبب الأسمى والرئيسي من تأسيس المنظمة الوطنية الشغيلة آنذاك كان الدفاع عن حق العامل التونسي من ظلم المستعمر الفرنسي والنضال لطرد الاحتلال من أرض تونس وهذا ما حصل بفضل دماء الشهداء الطاهرة والزكية وعلى رأسهم الزعيم المؤسس فرحات حشاد الذي كانت وصيته الخالدة أحبك يا شعب !!!

من المؤسف و المحزن أن أغلب القائمين اليوم على شؤون الاتحاد العام التونسي للشغل خانوا الأمانة ووصية الزعيم الرمز فرحات حشاد ليحولوا المنظمة الشغيلة من نعمة إلى نقمة على الشعب.

طيلة الحقبة النوفمبرية تحت ديكتاتورية بن علي، كان الاتحاد العام التونسي للشغل شعبة تجمعية مهمته الأساسية التصفيق والبندير والمناشدة لمواصلة المشوار إلى الأبد ورفع الشعارات وأكبر على ذلك صمت ما يسمى بالقيادة النقابية على الإهانة و الشتم التي لحقتهم من رئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسي والتي وصفتهم بأبشع النعوت وبالعار على تونس حيث كان موقفهم أمام صواريخ عبير الذل والهوان لأنها تدرك تاريخهم الحافل بخدمة ولي نعمتهم بن علي والعائلة !!! حصيلة 23 سنة نوفمبرية للاتحاد صفر إضراب ثم تأتي بعض العصابات النقابية تشيد وتمجد انتعاشة الاقتصاد زمن الديكتاتورية !!! وتخير الشعب بين الحرية والديمقراطية أو الانتعاش الاقتصادي بكل وقاحة وقلة حياء نقابي ونذالة وسقوط قيمي ليس مثله سقوط !!!
الانتعاش الاقتصادي كان نتيجة طبيعية لسياسة تدجين الاتحاد الذي كان يد بن علي القذرة لقمع كل مطالب العمال الشرعية وأكل وهضم حقوقهم مقابل رشاوي لقيادات المنظمة الشغيلة تتمثل في أموال فاسدة وأراضي وعقارات ومناصب دبلوماسية كسفراء في بلدان وعواصم كبيرة إلى جانب تشغيل ابناء وأقارب القيادات في المؤسسات العمومية دون وجه حق وما خفي كان أعظم
الاتحاد العام التونسي للشغل زمن دولة الفساد والاستبداد أيام حكم بن علي والعائلة كان شريك أساسي في سرقة أموال الشعب وتهميش المناطق الداخلية والمنسية وتفقيرها ليأتي اليوم ويحاول مغالطة الأجيال الجديدة التي لم تعاصر فترة حكم الديكتاتورية لتقديم وتسويق نفسه كضامن لحقوق العمال والمدافع الحصري على الشرائح الاجتماعية الضعيفة والهشة في حين أن نكبة وأزمة تونس بنسبة 99,99% سببها العصابات النقابية .

من نكد الزمان أن من تسبب في إفلاس البلاد اقتصاديًا وتدهور الأوضاع الاجتماعية وعزل تونس خارجيًا يقدم مبادرة حوار لإيجاد الحلول في حين أنه هو المشكل لا الحل !!! وهنا على الطبقة السياسية تحمل مسؤوليتها وتحييد الاتحاد ووضعه في مكانه الطبيعي كقوة اقتراح لا كشريك في الحكم والقرار !!!

حالة الإفلاس التي أصابت المالية العمومية هي جراء الديكتاتورية النقابية واغتصابها كل المؤسسات العمومية ونهبها وسرقتها بالكامل وبكل الطرق مما انجر عن ذلك العجز التام والنهائي لأغلب الشركات العمومية للبلاد لتنهار جميعها على غرار الناقلة الوطنية Tunis air شركة فسفاط ڤفصة وشركة تكرير النفط ستير بنزرت الصيدلية المركزية ميناء رادس وكل موانىء تونس التي أصبحت بؤر فساد نقابي إلى جانب انهيار كل المرافق العمومية أهمها الصحة والمستشفيات التعليم والنقل الخ الخ الخ حالة من الدمار والخراب سببها الإرهاب النقابي .

حتى السيدة نصاف بن علية الناطق الرسمي باسم وزارة الصحة ومديرة المرصد الوطني للأمراض الجديدة والمستجدة والعضو في اللجنة العلمية لمقاومة وباء الكورونا لم تسلم من التحرش والابتزاز حيث وقع هرسلتها والاعتداء عليها من طرف نقابة التعليم بفرعيها الأساسي والثانوي بمجرد أن أفصحت عن رأيها العلمي في خصوص إيقاف الدروس وهذا اكبر دليل على فاشية وعنف النقابات التي تعتبر نفسها فوق الدولة والقانون وكل المؤسسات !!!

النقابات اليوم أصبحت تحمل السلاح في ظاهرة خطيرة تهدد السلم الأهلي للبلاد حيث أن قوات الأمن الداخلي المسلحة انخرطت بدورها في العمل النقابي وتسليح النقابات لتصبح قوات مسلحة موازية خارج سيطرة الدولة !!!

ابتزاز الاتحاد العام التونسي للشغل والنقابات التابعة له الدولة وتدمير الاقتصاد الوطني تجاوز المرفق العام ليصل المستثمرين الخواص ومؤسساتهم حيث فرضوا عليهم رسومات وأتوا في شكل رشاوي غير قانونية على طريقة المافيات الإيطالية أو تعطيل الإنتاج عبر التحريض على الإضرابات العشوائية وتشغيل مدمرات الاتحاد مما جعل عديد المؤسسات الأجنبية الخاصة تغادر البلاد لوجهات أخرى جراء البلطجة والديكتاتورية النقابية ومؤسسات عالمية كبرى تعدل عن الاستثمار في تونس بسبب السمعة السيئة والفساد النقابي الذي اصبح حديث ومحور اهتمام ودراسة كل المؤسسات المالية والاستثمارية في العالم مما ترتب عنه انخفاض الترقيم السيادي المالي والاقتصادي التونسي لتصبح تونس منطقة حمراء يمنع الاستثمار فيها جراء تغول النقابات وسيطرة الاتحاد العام التونسي للشغل على القرار السياسي وتعطيله العجلة الاقتصادية حيث أصبح لوبي ووفاق إجرامي يهدد الأمن الاقتصادي والأمن القومي عمومًا !!! وعليه أصبح ضروريًا اليوم على من هم في السلطة الفصل بين العمل النقابي والسياسي وفتح الصندوق الأسود النقابي داخل أسوار بطحاء محمد علي والتدقيق في حسابات الاتحاد العام التونسي للشغل التي هي خط أحمر أمام حتى الهيئات الرقابية المالية مثل محكمة المحاسبات !!!

شركات دولية كبيرة في مجال الطاقة توفر لتونس نسبة مهمة من الغاز الطبيعي الذي يساهم في انتاج الكهرباء زد على ذلك نسبة من الأرباح الهامة و المساهمة في التنمية الجهوية والعمل الاجتماعي كل هذه الشركات اليوم بصدد جمع حقائبها ومغادرة البلاد بسبب إرهاب واجرام النقابات بعلم المركزية النقابية !!!

أكبر جريمة مسكوت عنها هي ما يسمى التفرغ النقابي الذي هو حق أريد به باطل فهذا اجراء فاسد وممنوع قانونًا ويدخل تحت الفصل 96 من المجلة الجنائية المتعلق باستغلال الوظيفة لتحقيق فائدة لا وجه لها لنفسه او لغيره والإضرار بالإدارة ومخالفة الإجراءات القانونية المعمول بها!!! أين الدولة في هذا ؟؟؟ أين النيابة العمومية؟؟؟

الشعارات الفاشية والنابعة من العقلية البلشفية المتطرفة التي ترفعها عصابات الاتحاد العام التونسي للشغل مثل عاش عاش الاتحاد اكبر قوة في البلاد!!! هي أكبر دليل على أن المنظمة الشغيلة أصبحت عصابة ووفاق إجرامي لم يعد يحتمل السكوت عنها وأنه آن الأوان لردعها بقوة القانون لأنها أصل الداء ومنبع الخراب وسبب حالة الإفلاس وعجز الاقتصاد الوطني !!!

إما تونس أو الوفاق الإجرامي النقابي والشعب اختار تونس لأنها وصية الزعيم فرحات حشاد أحبك يا تونس في حين المافيات النقابية شعارها هو انتقم منك يا شعب

للاطلاع على المصدر : اضغط هنا

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى