تحاليل

مسارات وفاعلية الأحزاب خلال عقد ما بعد الثورة (1من4)

علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي)

***  تمهيد         

                مما لا شك فيه أن ثورة الحرية والكرامة قد فسحت المجال للتعددية الحزبية ولحرية الرأي والتعبير بعد أن خنقت الدولة أنفاس المجتمع بين 1955 و2010 كما مارست العسف والقهر والنفي لمعارضي الحكم، وتم تكميم الأفواه وخلق العسس في كل مكان وفي كل حي وشُكلت لجان الرعاية ولجان الأحياء إضافة للشعب المهنية والترابية، حتى اننا إذا ما غادرنا مربعات أدبيات وحلقات المعارضة الراديكالية طوال العقود الماضية فانه أصبح من عادة البعض يومها وطوال عقود عادةُ الالتفات يمينا وشمالا قبل أن يُبدي أي كان رأيه في أي موضوع مهما كان بسيطا إضافة إلى أن منتسبي الحزب الحاكم ومنتسبي أحزاب معارضته الديكورية لا يكادون يفتحون أفواههم الا في عيادات الأسنان، وعمليا وبناء على مرسوم عدد 87 لسنة 2011 ورغبة في التنظم وفي ممارسة السياسية – والتي كانت مربعاتها مقتصرة على منتسبي الحزب الحاكم –  أسست عائلات سياسية وناشطون أحزابا بمسميات مختلفة ومتنوعة و كانت النتيجة فسيفساء حزبية متنوعة حيث يقارب عددها اليوم 228 حزبا رغم أن الأحزاب الناشطة منها إعلاميا وسياسيا هي 30 فقط لا غير في حين يكتفي الباقي بالتواجد القانوني والرسمي لا غير، ورغم سقوط الأغلبية في أتون التجاذبات والمناكفات والصراعات الفكرية العقيمة والمستدعية لصراعات ما بين أسوار الجامعات طيلة عقدي السبعينات والثمانينات فإنها أحدثت ديناميكية اجتماعية وثقافية وسياسية رغم قصورها في تقديم برامج واقعية وفي القدرة على تقديم بدائل ترفع التحديات الاقتصادية والاستراتيجية في عالم متغير ومتطور دراماتيكيا…

وتستقرأ دراسة الحال فاعلية ومسارات الأحزاب بمختلف مدارسها الايديولوجية والسياسية والاجتماعية ومدى فاعليتها، وما بقي منها بعد 10 سنوات من انتصار الثورة في أولى مهامها – أي أجبار رأس النظام يومها على الفرار- وهل هي قادرة مستقبلا على المساهمة في اخراج البلاد  من المأزق الحالي ومن مربعات ترتع فيها “اللوبيات” وأساطين “السيستام” ودولته العميقة وأدواتها المتعددة؟

الحلقة الأولى

 فهرس الدراسة ومسارات العائلات السياسية قبل الثورة (1919-2010)

 

** فهرس الدراسة

 

عمليا قسمنا الدراسة على أربع حلقات وفقا للمنهجية التالية:

  • الحلقة الأولى: فهرس الدراسة  ومسارات العائلات السياسية قبل الثورة (1919-2010)

 

  • الحلقة الثانية:
  1. الأحزاب الليبرالية، أو الليبرالية بدون ليبراليين…
  2. يمين الوسط، أو فقدان وسطية الوسط…
  3. الأحزاب الدستورية والتجمعية: بروز وديمومة “الدستوري الحر” مقابل أحزاب أخرى تولد وتتضخم ثم تتلاشى وتنتهي…

 

  • الحلقة الثالثة:
  1. الأحزاب القومية العربية: “حركة الشعب” ووهم تمثيل التيار الوحدوي الذي لن يتوحد…
  2. الأحزاب اليسارية: “حزب العمال” وصراعاته الداخلية وشتات يسار لم ولن يتوحد…
  3. وسط اليسار أو البحث المُستمر عن يسار الوسط وعن الوسطية…

 

  • الحلقة الرابعة والاخيرة
  1. الأحزاب الإسلامية: “حركة النهضة” البحث عن التجذر وأحزاب اسلامية صغرى لا تكاد تُرى…
  2. الخلاصة أو في القراءات التقييمية للظاهرة الحزبية، وماذا بقى من الكم الحزبي والذي فاق المائتي حزب؟

 

** مسارات العائلات السياسية قبل الثورة (1919-2010)

 

  1. ملخص مسارات العائلة الدستورية(1920-2010)

                منذ نهاية القرن التاسع عشر عرفت تونس حركة إصلاحية تمتد جذورها كرد فعل حضاري على التخلف والاستعمار وفي ترتبات حركة الإصلاح المشرقية وبالتالي أسس العديد من المناضلين لقراءات سياسية مكنت من وضع اللبنات الأولى لتأسيس “الحزب الحر الدستوري التونسي” سنة 1920 من طرف الشيخ “عبد العزيز الثعالبي” وثلة من رفاقه الا أنه وبناء على عدم تفرغه الكامل للحزب وتعدد أسفاره  إضافة الى أسباب موضوعية أخرى، حدثت التباينات داخله إضافة الى محاولات اختراق بنيته الحزبية والتنظيمية (الحزب الإصلاحي مثالا للذكر لا الحصر)، ومع ظهور منتسبين جدد واختلاف القراءات بينهم وبين المؤسسين القدامى ظهر “الحزب الدستوري الجديد” سنة 1934 ( الماطري – بورقيبة – بن يوسف- بن سلمان) والذي اكتسب مساحات على حساب “الدستوري القديم” وبتطور حركة التطور الوطني استطاع ذلك الحزب تزعم الحركة الوطنية وقياداتها الا أن الخلافات داخله أصبحت كثيرة وعميقة وخاصة عشية مفاوضات الاستقلال الداخلي وبالتالي ظهر تيارين داخله (تيار الأمانة العامة – تيار الديوان السياسي) ولم يستطع الدستوريون حل الاشكالات والخلافات والتباينات عبر الحوار بل سيطرت عقلية الولاء للزعيم وتم قتل وتعذيب الجناح المعارض وتصفية قيادييه والتنكيل بهم وتصفيتهم تصفية منهجية وصولا لقتل صالح بن يوسف سنة 1961 بتدير قياديين مقربين من بورقيبة وبأمر منه …

وتم تغيير تسمية الحزب إثر الاستقلال الى “الحزب الاشتراكي الدستوري” في مؤتمر المصير ببنزرت سنة 1964 وتم تبني ايديولوجيا “الاشتراكية الدستورية” والاستحواذ على الساحتين السياسية والاجتماعية (الشعب المهنية – ضم المنظمات الوطنية-حضر الاحزاب)، وعوض تقييم المسار والتراجع عن مسار كارثي اثر سجن “بن صالح” وإلغاء التعاضد فانه تم طرد التيار الليبرالي في الحزب واقرار الرئاسة مدى الحياة وخنق أنفاس المجتمع وحتى عندما تم الوصول للكارثة فان التغيير تم من الداخل عبر انقلاب قاده جنرال أمني وعسكري بغطاء دستوري فج وبأسلوب طبي وتعسفي وتم سرقة الحزب وتوجيهه لصالح الجنرال بن علي في ظل صمت رهيب من طرفة نخب الحزب الحاكم وليتم صنع مسمى جديد هو “التجمع الدستوري الديمقراطي” والذي تحول لقطعة قماش بالية مُسحت فيها كل الجرائم من حاشية المخلوع  وأصبحت هياكل الحزب المحلية والجهوية والمركزية في خدمة المافيا وبقناع هيكلي حزبي وغطاء فكري متكلس…

 

2- ملخص مسارات العائلة اليسارية (1919-2010)

                 

                    بناء على انتشار الفكر الاشتراكي والشيوعي ظهرت خلايا أولى لمسمى “الحزب الشيوعي التونسي” والذي انتمى له أساسا بعض افراد الجالية الأجنبية منذ تأسيسه سنة 1919 حيث لم تتم تونسته إلا سنة 1935، ولكنه بالمقابل بقي نخبويا رغم تواجده في هياكل منظمات تونسية وبناء على مواقفه من استقلال البلاد وطبيعته التحريفية المتهم بها من طرف بعض مُنشقين عنه وبعض شيوعيين لم يلتحقوا به على غرار التروتسكيين حيث أسس الفريقين منظمة “كفاح” التروتسكية في نهاية الخمسينات ورغم المراجعات والتقييمات فانه بقي نخبويا حتى حضره سنة 1962 وهي نفس السنة التي ظهرت فيها في تونس منظمات “اليسار الجديد” بدءا بآفاق ثم “العامل التونسي” ولكن النظام زج بأغلب مُناضيلها في السجون واضطر البعض الآخر لاختيار المنفى وشمل ذلك أيضا  منظمات أخرى على غرار “الشعلة” وتفرعاتها رغم كل ما قيل عن غموض تأسيس بعض فروع وتفرعات “الاوطاد” وفي بداية الثمانينات كان العامل التونسي مجرد بقايا لخطين من بين خطوط عديدة متصارعة منذ منتصف السبعينات بعضها عاد لمربع “الحزب الشيوعي” بينما حاول خطي “المراجعون” و”السائد” بعث تنظيمين حزبيين هما: “حزب العمال الشيوعي التونسي” و”التجمع الاشتراكي التقدمي” ورغم محاولتها النشاط والتقنين لاحقا في عهد المخلوع فانه تم حصارهما رغم تحول الثاني للحزب الديمقراطي التقدمي سنة 2001 والذي كان اطارا جامعا لعديد المعارضين من مختلفي المشارب الفكرية والسياسية كما ضم تيارات يسارية طلابية تنتمي لليسار الماركسي في ما بقيت تنظيمات يسارية أخرى تحت مظلة السرية وفي مربعات المنظمة الشغيلة …

 

3- ملخص مسارات التيار القومي العربي(1949-2010)

                 قمع الحركة اليوسفية وظهور خلايا للبعث منذ نهاية الاربعينات أوجد تيار قوميا لكنه من البداية وقع في تناقض مع مقولات الوحدوية التي رفعها من أجل توحيد العرب ورغم انه تم تشريد مُناضليه في المنافي والسجون الا انه انقسم على نفسه الى أكثر من عشر تنظيمات: “البعث السوري” – “البعث العراقي” (أكثر من ثلاث تنظيمات) – “الناصريون” – “العصمتيون” – “اللجان الثورية” (مثابة تونس) – “الوحدويون الأحرار” – “الجبهة التقديمة القومية لتحرير تونس”، وأولئك وبناء على تناقضاتهم وخلافاتهم استطاع الرئيس المخلوع توظيف ذلك وبعث حزب قومي على مقاسه وتم اسناد قيادته لعضو اللجنة المركزية للتجمع “عبدالرحمان التليلي” وبعد إتمامه للمهمة أدخله السجن وانتقم منه، وفي العقد الأول من الالفية تطور وجود التيار القومي الناصري الى تنظيم “الوحدويون الناصريون” وتم ذلك بعد خروج “البشير الصيد” من السجن ومغادرته لعمادة المحامين بعد 2004، أما البعثيون فقد تشتت شملهم وخاصة بعد موت “فوزي السنوسي” في ظروف غامضة سنة 1988 أما “التيار القومي الديمقراطي” فقد اختفى مناضلوه الرئيسيون منذ 1993 اثر مؤتمر عقد في سوريا ومعلوم انه تم سجنهم تحت مسمى “التنظيم السري” وبعضهم نشط في “الديمقراطي التقدمي” حتى انبلاج فجر الثورة سنة 2011…

4- ملخص مسارات التيار الإسلامي (1969-2010)

                تواجد تيار مؤمن بفكرة الجامعة الإسلامية في “الحزب الدستوري القديم” والذي بقي قائما كفكرة رئيسية في ذهن بعض قياديات الزواتنة رغم انتهاء ذلك الحزب نهاية الخمسينات، وهو ما مكن بعض تونسيين من المتأثرين بجماعة الأخوان المسلمين في سوريا ومصر من تأسيس الخلايا الأولى لــــــــــــ”الجماعة الإسلامية” في نهاية الستينات بناء على التقاء تيارات ثلاث (الإسلام التقليدي – المتأثرين بالإخوان – بقايا الزواتنة)، ومثل مؤتمر الأربعين حدثا فارقا حيث أعتبر مؤتمرا تأسيسيا ولكن التأسيس الفعلي كان في مؤتمر منوبة 1979 والذي أصبح التنظيم على ضوئه يُسمى “الاتجاه الإسلامي” وبانكشافه سنة 1981 أعلنت قيادته في ندوة صحفية تأسيس “حزب الاتجاه الاسلامي” ولكن النظام رد بحملة اعتقالات تواصلت على سنوات وبخروج القيادة في صائفة 1984 تم المرور لمرحلة جديدة عبرت عنها أشغال مؤتمري “سليمان” و”المنار” (1984- 1986)، ولكن النظام البورقيبي وخيارات التنظيم أدت لمواجهة حاسمة بين الطرفين أدت في الأخير الى سجن الآلاف وأحكام ثقيلة ضد القيادات وبحدوث الانقلاب سنة 1987 دخلت الحركة على اثرها مرحلة هدنة مؤقتة مع النظام وليتم تغيير الاسم لحركة النهضة ولكن المواجهة لم تتأخر كثيرا لتبدأ في 91 عميات الاعتقال والمواجهة والتي عرفت سجن عشرات الالاف ونفي اكثر من 5000 شخص وبقي الأمر على حاله من التوتر بين النظام والحركة رغم محاولات تواصل ووساطات حتى انتصار الثورة في 2011، ومقابل ذلك نشأ “حزب التحرير” في منتصف السبعينات ونشط سريا حتى اكتشاف أمره في بداية الثمانينات ولتُعاد محاكمته اكثر من مرة في عهد المخلوع،  ومنذ منتصف التسعينات نشأت فيه التيارات السلفية ومن ثم ظهرت التنظيمات الإرهابية بناء على حبكة محلية وخارجية وبناء على ترتبات الأحداث في المنطقة وبناء على سياساته التعسفية تجاه المعارضين وتجاه التدين ومظاهره …

 

5- كيف يمكن تلخيص تطور الفكرتين الليبرالية والوسطية في تونس (1920-2010)؟

  • في الحقيقة بنى الشيخ “الثعالبي” حزبه سنة 1920 على المزج بين الهوية التونسية والفكر الليبرالي ولكن بورقيبة مزج خياراته الليبرالية مع عقلية أنه الزعيم الأوحد والوحيد فحضر في حقبة حكمه “الليبرالية” وغاب “الليبراليون” وتم طرد الجناح الليبرالي من الحزب بينما دجن المخلوع حزب ليبرالي صنع في مخابره وبأمر منه…

 

  • طبعا من الصعب في ظل نظام قهري ان تناشا قوى وسطية لا سارا ولا يمينا رغم القول الدعائي بوسطية الحزب الحاكم وركوب البعض للوسطية وتحويلها لحصان طروادة سياسيا…

++++++++++

المصدر: دورية 24-24 بتاريخ 05 جانفي/يناير 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى