تدوينات

الحبيب بوعجبلة : المشهد السياسي التونسي ……

احزاب تتداول الاضمحلال و نهضة كسيحة تسبح في الفراغ ... نص ممنوع عن المطمئنين لحقائقهم اليقينية ...

ازمة الاحزاب و التيارات العربية الكبرى بمختلف سردياتها اليسارية و القومية و الاسلامية تعرض لها بالتحليل و الاستشراف الفكر العربي النقدي(الجابري.حنفي.تيزيني.برهان غليون.بلقزيز.الخ الخ) ..
الثورات العربية ا ابرزت محدودية التيارات العلمانية او ما يعرف بالتيارات المدنية و الديمقراطية و غياب حضورها الشعبي تقريبا مما يجعلها منتهية بحكم التاريخ .
لكن التيارات الاسلامية التي اكتشفت في المقابل وزنها الشعبي بعد الانتخابات الحرة التي شهدتها هذه البلدان السائرة نحو الديمقراطية لم تسلم بدورها من الفشل و التعثر الذي يؤكد انها تعيش كغيرها من التيارات الكبرى ازمة رؤية و تنظيم بقطع النظر عن الصعوبات الموضوعية التي اعترضتها …
في تونس تبدو النهضة الحزب الاول و الاقل تعثرا بالمقارنة مع مثيلاتها من الحركات الاسلامية او بمنافسيها التونسيين من احزاب “علمانية” لكن ذلك لا يخفي حجم الازمة الفكرية و القيادية التي تعيشها النهضة و التي مازالت تلقي بظلالها على تمشيات هذا الحزب الذي لم يعرف منذ 2011 على اي رجل يرقص في علاقة باستحقاقات الثورة و الديمقراطية و الموقف من الدولة و الرؤية و المشروع و التنظم و التدوير القيادي وهو ما يجعلها في حيص بيص دائم كلما تعلق الامر بالقضايا القومية و الدولية و التموقع الجيواستراتيجي للبلاد او في ما يتعلق بقضايا الفساد و الاصلاحات الهيكلية و منوال التنمية و الخيارات الاستراتيجية الكبرى للبلاد .
هناك فراغ كبير حول النهضة نظرا للضعف الهيكلي لبقية الاحزاب رغم ما يتاح امامها من فرص و ما تملكه هذه الاحزاب من امكانات دعم اعلامي و اداري و دولي . لكن حركة النهضة بدورها تبدو عاجزة عن الفعل في وضع الفراغ باعتبار ان كل فعل سياسي طبيعي يحتاج توازنا لم يتمكن احد من منافسيها من صنعه بما يغيب التوازن الديناميكي المطلوب لكل فعل كما تقتضيه قوانين الفيزياء الطبيعية و السياسية .هذا الفراغ حول النهضة يلتقي بالفراغ داخلها فيؤدي الى وضع جمود مخيف في الحياة السياسية .
راشد الغنوشي رئيس الحزب و البرلمان يبدو اللاعب الاكبر الوحيد في الساحة السياسية بعد رحيل الباجي قايد السبسي كما يظهر وسط حزبه مثل ضابط بلا جنود في حركة لم تتمكن من تطوير منتوجها القيادي و الرؤيوي لتحمل الدور المحلي و الاقليمي الذي وجدته الحركة على اكتافها في فراغ حزبي تونسي بارز .
ما يملكه الرجل من مفاتيح علاقات دولية و قدرة على استدراج دعم ممكن للتجربة التونسية عبر ما راكمه من مرونة في تجاوز الخطوط الحمراء لمراجعات الاسلاميين العرب جعلته رقما تونسيا و مغاربيا بل و عربيا مهما في خطط القوى الدولية المعنية بعالمنا العربي و ترتيباته القادمة و لكن ذلك الحجم نفسه سبب لخصومه توجسا رهيبا منه ما جعلهم يسعون و ينجحون في هرسلة صورته تونسيا في سياق تنافس غير عقلاني معه داخل الحركة او في الساحة السياسية بما فوت على البلاد الاستفادة سابقا من توافق الشيخين كما قد يفوت عنها الاستفادة من براغماتية “الغنوشي الدولي” .
ما قلناه عن الغنوشي لن يقرأه المنافسون و اتباعهم ضمن توصيف حقيقة الوضع الحزبي و الزعاماتي بالبلاد بل سيقحمه السطحيون مرة اخرى في تهمة الاصطفاف و هي التهمة البائسة التي ضيعت على احزاب كثيرة الاستماع الى نصائحنا لقراءة الواقع على حقيقته بعيدا عن غرائزية التحاليل الغبية التي يغرقهم بها ناصحون سيئون و قيادات تراكم فشل تنظيراتها و اتباع مهووسون بلعن من ينصحها و مدح من يخدعها .
بناء على ما تقدم ستكون الاسئلة الموضوعة على طاولة الاحزاب المنافسة للنهضة :
هل سيكون من الممكن صناعة ما تسميه الطبقة السياسية الضدنهضاوية بالتوازن السياسي وهو العنوان الذي يتم اعتماده من كل القوى السياسية المنافسة للنهضة منذ اكتوبر 2011 ككلمة السر الوحيدة لملء الفراغ المحيط بالنهضة ؟
و هل يعتبر فعلا صنع التوازن مع النهضة هو المطلوب حاليا ؟
و اذا كان ذلك فعلا هو المطلوب فهل ستصنعه هذه القوى المتداولة على الصراع مع النهضة منذ 2011 و هي قوى تظهر و تتشظى و تضمحل باستمرار ؟
اليس مطلب التوازن بما هو في عمقه العمل على عزل و تحجيم النهضة هو العنوان المغلوط في مشهد يحتاج قبل كل شيء استقرارا يبني المجال السياسي قبل التنافس فيه ؟
هل يكون بديل بناء التوازن هو ما عرف منذ 2014 بالتوافق مع النهضة ؟ لكن الم يؤدي ذلك بدوره الى تكسر هذا التوافق بتكسر القوى التي صنعته مع النهضة ؟
امام النهضة ايضا اسئلة اصعب لن يخلصها من ضرورة الاجابة عنها ” زعيم ” يحسن الان الخروج بها من كل المنعرجات بجروح اقل…هي مطالبة بالاجابة السريعة فوجودها وسط مشهد حزبي تبدو هي اقوى ضعفائه لن يحفظ بقاءها و وحدتها طويلا و لعل اهم الاسئلة : هل مازالت هذه الحركة تملك ما يكفي من رؤية و تنظيم و قيادة ما يؤهلها للاستمرار على رأس قائمة الضعفاء في سياق شعبي يقطع باطراد كل تعاطف مع مشهد حزبي يذبل باستمرار ؟
صعوبة صنع التوازن …انهيار تكتيك التوافق الخاوي …سقوط محاولات الاسقاط و لكن اشراف المشهد كله على الزوال ….تلك هي عناوين مراحل المسار السياسي الذي حكم تونس منذ عشر سنوات بنهضة هي اقوى الضعفاء و بقوى سياسية تتداول على التشظي و الاضمحلال و الحصد الدائم للخيبات ….ضمن هذا الوضع السريالي العجيب يجب ان تفكر قوى سياسية جديدة و غير مسبوقة تخرج تماما من صندوق التقدير التقليدي و اعادة انتاج قوى سياسية تقليدية ذاهبة الى الزوال بحكم السياسة و التاريخ ….
Brahim Belkilani, Tarek Boumnijel et 227 autres personnes
3 commentaires
23 partages
J’aime

Partager

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى