تحاليل

خلفيات التحاق “الفاضل عبد الكافي” بحزب “آفاق تونس” وتملّكه عبر آلية الأصل التجاري

في ظل وظيفية "عبير" وانسحاب "ياسين إبراهيم" وفشل أحزاب "البديل" و"بني وطني" و"أمل"

علي اللافي-كاتب ومحلل سياسي

يتعامل البعض من المحللين مع بعض أحداث ووقائع دون فهم سياقاتها الحقيقية وهو ما قد يجعل تحاليلهم غير قادرة على الإلمام بكنه تلك الأحداث ولا فهم ما ستؤدي اليه   ولا حتى استشراف ما قد يقع في علاقة بتلك الوقائع وهو أمر أصبح جار في تعامل الكثير مع تفاصيل المشهد السياسي في تونس وخاصة منذ انتخابات 06 أكتوبر 2019 بناء على تغييب الخيوط الناظمة للأحداث وترابطها بدءا من المحلي وفي اتجاه الإقليمي وصولا للدولي ومن الدولي في اتجاه الإقليمي وصولا للمحلي، ولعل تملّك السياسي ورجل الأعمال والوزير الأسبق للمالية “فاضل عبدالكافي” لحزب “آفاق تونس” منذ أيام عبر آلية الأصل التجاري (غادر “ياسين إبراهيم” والتحق هو بالحزب وليعلن في وقت لاحق عن تفرغه للحياة الحزبية)، ومعلوم أنه رُشّح أكثر من مرة لمنصب رئيس حكومة حيث اقترحته مكونات سياسية واجتماعية مختلفة سنة 2017 وسنتي 2019و2020، ويبقى السؤال الأهم هل أن كل ذلك أو بعضه ما هو إلا ترتيب استراتيجي لسيناريُو قد يكون له الأولوية تنزيلا ما بعد 2024 أو حتى قبلها من خلال تحوير وزاري أو حكومة جديدة أو بعد انتخابات سابقة لأوانها؟

وماهي الأساسيات التي قام عليه هذا المشروع الترتيبي لاختراق المشهد ومحاولة تلافي التشتت عبر العودة مجددا للتوافق وان بأشكال أخرى أكثر جدية وتوازنا ودفعا للنجاعة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في بلد كانت ثورته ولا تزال نموذجا يُحتذى ومثالا يُقتدى؟

 

  • التشخيص المُغيب والتحليل الغائب والحقائق المُتوارية

أقنع الباحث المختص في علم الاجتماع والوزير الأسبق للثقافة “عبد الباقي الهرماسي” الأمريكيين وكل صانعي الاستراتيجيات الغربية منذ بداية الثمانيات أنه ليس من قوتين منظمتين ومتماسكتين في تونس إلا اتحاد الشغل والإسلاميين (وخاصة تمثلهم السياسي أي حركة النهضة)، وتبين ما بعد 2012 وحتى ما قبل 2010 أن الاتحاد والإسلاميين رقمين رئيسيين في الحياة السياسية والاجتماعية وانه لا بد من البحث عن جسم ثالث (لنُسميه الجسم A)، وأنّه لابد منه ليصارع الإسلاميين ويتحالف معهم وفقا للتطورات الإقليمية والدولية ويكون انعكاسا طبيعيا لمصالح الغرب في أبعادها الثقافية والاقتصادية على أن يقبل بمعادلة التوافق مع الإسلاميين ويغالبهم اذا ما اقتضت الضرورات الاستراتيجية ذلك، وعمليا كان “الديمقراطي التقدمي” مرشحا لذلك ولكن نتائج انتخابات 23 أكتوبر 2011 وتسارع التطورات يومها وطبيعة شخصية “الشابي” – عالية النجسية-  لم تمكن الحزب الجامع لكثير من المعارضين قبل الثورة من أن يكون قياسيا ذلك الجسم، وللتطور الأمور ويتم تشكيل وثم صنع “نداء تونس” وليُلبس ذلك الدور لمرحلة ما (2013-2016) قبل ان يتشقق إلى حُزيبات (قاربت الخمس في الذكرى الخامسة لتأسيسه أي في 16 جوان 2017 ثم قاربت العشر في نهاية 2019 )، بل أن جوهر الصراعات داخله كانت حول الشخصية والجسم الحزبي الذي يلعب الدور بديلا عنه (بين “الجمهوري” و”النداء” في مرحلة أولى، وبين جناحي “حافظ” و”مرزوق” في مرحلة ثانية وبين “حافظ” و”الشاهد” في مرحلة ثالثة ومن يبحث في تفاصيل الخلافات سيفهم ان ذلك كان جوهر الموضوع الحقيقي وان الباقي مجرد تفاصيل، أي من يمثل الجسم A ولعل تأسيس “تحيا تونس” قد قام على الموضوع أصلا ويكفي الرجوع لمقالنا عند تأسيسه “تحيا تونس: البنية والفكرة”)، وهو ما أكدته احدى دراسات مؤسسة “هانس” وهي مؤسسة تعتمد عليها الإدارة الامريكية في صنع واتخاذ القرار، وحتى بعد 2019 وبفشل “تحيا تونس” النسبي انتخابيا  رجعنا لنفس المربع أي البحث عن الجسم A   وتم ترشيح ان يكون ائتلافا حزبيا بين “تحيا تونس” و”التيار” وكتلة “الاصلاح” وربما مكونات أخرى ولكن التطورات والحيثيات قادتنا فعليا لمربعات أخرى ومثل اختيار “الفخفاخ” سباحة في اتجاه ثان خاصة وان سياسات الفرنسيين ورؤيتهم كانت تتناقض في بعض مضاربها مع البحث عن الجسم A المصارع للإسلاميين وحليفهم المستقبلي لبعث توافق جديد وبروح أخرى ولا يعني ذلك انهم – أي الفرنسيين- كانوا يبحثون عن اقصاء النهضة كما يري البعض بما فيهم بعض “نهضويين”، ذلك أن رؤية الفرنسيين ومنذ نهاية 2017 تقوم على “نهضة” متوسطة القوة وليس قوية أو متغولة وبالتالي فالنتيجة الموضوعية هي أن الجسم َA لم تتم تحديد هويته ولم يوجد جسم مرشح في ما كان “الغنوشي” يبحث في مربعات أن يكون ذلك الجسم هو “القروي” وحزبه أو القروي وبعض حلفاء باعتبار ان “عبير” اقصائية وغوغائية ووعيا منه أنها “كبش نطيح” وآلية مرحلية للتشويش وأن مستقبلها مرتبط بسيناريو انتهى مع سقوط قاعدة “الوطية” بيد حكومة الوفاق الليبية…              

   2-من هو “عبدالكافي” ولماذا الآن تحديدا، وهل خطواته اعتباطية؟    

الثابت أن الترتيبات السياسية في أي قطر تقوم أولا على ان تُبني على الوقائع على الأرض سواء عبر السياسي أو الاجتماعي باعتبار أن تونس وعلى عكس بقية اقطار القوة المكتسبة عسكريا وأمنيا مُحيّدة ومهنية وجمهورية، وباعتبار أن طبيعة النتائج في 2011 و2014 و2019 بيّنت أن مزاج الناخب التونسي ثابت وغير متغير بنسب عالية وأن هناك ثلاث خيارات (الإسلاميين وحلفائهم حوالي 85 مقعدا – الدساترة ومشتقاتهم الليبرالية والتجمعية وبعض مقربين منهم 85 مقعدا – 47 مقعدا للمستقلين وبعض تيارات يسارية منها العروبي والماركسي واليمين الوسطي القريب من أطروحات اليسار الاجتماعي)، وهو أمر اثبت نظرية أطروحة البحث مجددا عن إيجاد الجسم A  المواجه والمناظر للإسلاميين وجسمهم الرئيس أي B مقابل الجسم C  وهو المنظمة الشغيلة وبعض منظمات مدنية حليفة لها في قراءتها للساحة الاجتماعية والسياسية وباعتبار أن “عبد الكافي” أريد له ان يكون رئيس حكومة في ثلاث مناسبات وكان الإسلاميون والليبراليون وبعض يساريون مناصرين له ولكنّه في الأخير لا يمر بناء على طبيعة الوقائع وآليات غلب عليها التكتيكي وهامش المُناورة المرحلية ورؤية “سعيد” في مُناسبتين كانت تقوم على استبعاد الرجل، فإنّه من الطبيعي أن يبحث عن موقع سياسي له داخل المشهد الحزبي الفُسيفسائي، ولكن السؤال هو لماذا اختار حزب “آفاق تونس” وبتك الآلية أي آلية تملك الأصل التجاري للحزب؟ ولماذا لم يُؤسس حزبا على مقاسه؟ ولماذا اختار ان لا يكون في حزب “القروي” أي “قلب تونس” رغم هامش حضوره البرلماني المحترم؟ ومعلوم أن الرجل قريب للجامعي ورجل القانون “عياض بن عاشور” (ابن اخته)، وهو أيضا رجل مال واقتصاد ويحضى بثقة لدى الأعراف والشغالين ومقبول من الإسلاميين (حتى أنهم طرحوا اسمه مرتين لرئاسة للحكومة)، كما أنه لم ولن يُرفض من مكونات يسارية وقومية عدة، وهوي يحظى بدعم المؤسسات المالية والنقدية الدولية والعالمية ذلك أنه أقرب لليمين المحافظ، وهو ليبرالي اقتصاديا وماليا وقريب من الغرب في رؤيته للمسألتين الثقافية والسياسية، وهو رجل إدارة مُتمرس وبقي له ان يكون حزبيا مقبولا من الطيف السياسي التونسي وخاصة أنه واقعي سياسيا واجتماعيا وله من الفهم لمطامح فئات شبابية كبيرة وواسعة النطاق جغرافيا…

 

3-ترنح “عبير” وفشل حُزيبات “البديل” و”امل” و”بني وطني” يفسح المجال واسعا أمام الرجل

لا يختلف اثنان أن “آفاق تونس” في نسخته القديمة و”البديل” و”بني وطني” ليست الا لافتات حزبية تونسية للفرنسيين باعتبار ان النخبة المؤسسة لتلك الأحزاب تتبنى الرؤية الفرنسية سياسيا وثقافيا واجتماعيا من حيث انتماءاتها الفكرية وحتى في قربها من العلمانية الفرنسية ولكنهم بعيدين عن الرؤية الفرنسية التي تم تحيينها خلال السنوات الثلاث الماضية فالفرنسيين أصبحوا أقرب للرؤية الامريكية التي تقوم على الليبرالية المحافظة ودعم تجارب الانتقال الديمقراطي رغم الاختلاف طبعا في قراءة بعض تفاصل سياسية في التنزيل وفي رؤية الفرنسيين لمستقبل القارة السمراء وخاصة في العلاقة مع دول غرب وشمال افريقيا وبالتالي افرزت المتغيرات وخاصة ثلاث عوامل رئيسية :

  • تحيين الرؤية الفرنسيين تجاه الاسلاميين (يحبذون أن يكون في الحكم اسلاميون معتدلون وغير متغولين وهو خيار جديد قائم على أنه أفضل من غياب يأتي بأجسام سياسية أقرب للجهاديين وما قد يترتب عليه في الاضرار بالمصالح المرحلية والاستراتيجية لفرنسا).
  • ترنح مشروع “عبير موسى” وسقوط خيارات تمكينها وتغليبها بناء على ترنح مشروع “حفتر” العسكري وارتباط مستقبلها بمستقبله من حيث “الوظيفية” لأذرع وسياسات إقليمية بعينها، ولعل فشها في جمع مئات من الأنصار في “صفاقس” و”المنستير” مثال دال ومعبر…
  • عدم قدرة حزب يعينه ومحسوب على الفرنسيين من اختراق المشهد بما في ذلك حزب “التيار الديمقراطي” الوظيفي بطرق غير مباشر لتوجهات بعينها في السياسات الفرنسية…

 

وكل ذلك سيدفع بالفرنسيين الى الالتقاء مع توجهات باقي الدول والأوروبية والأمريكيين في دعم تجارب الانتقال الديمقراطي وخاصة الحفاظ على النموذج التونسي رغم تعثراته، وأيضا في القبول بالإسلاميين ولو مؤقتا كشريك في الحكم على ان لا يغالب ولا يتغول، وبالتالي فان الجسم َA  يمكن أن يكون في تغيير لافتة احد تلك الأحزاب السابقة والخارجة من الجبة الفرنسية ولكن عبر وجوه مقبولة من شركاء أوروبيين وغربيين ولها القدرة على التعاطي مع الملفات الاجتماعية والمالية بناء على طبيعة الوضع في تونس وبناء على الشراكة مع حركة “النهضة” الإسلامية وأن تحضى تلك الشخصية والتي من المرتقب ان تقود المرحلة المقبلة في القصبة أو قرطاج وخاصة بعد 2024 المحطة او بعد أي استحقاقات سابقة لأوانها…      

 

4-الخلاصة، أو في فرادة شخصية “عبدالكافي” وأي موقع لــــــــ”قلب تونس” منه، وماهي المحاذير المختلفة؟      

بغض النظر عن حيثيات الإعلان عن تفرغ “عبد الكافي” للحياة الحزبية وإدارة حزبه الجديد والأخطاء الاتصالية عبر إعادة نفس أخطاء “سليم الرياحي” (أسس حزبين سياسيين والحقيقة انه فتح شركتين تجاريتين بلافتة سياسية ليجد نفسه في الأخير خارج مربعات الحياة السياسية ومغادرا البلاد ومذكرا الناس بطريقة دخوله سنة 2012 وباعثا ريبة وشك للتونسيين أنه سياسي قابل للاحتكام للصندوق)،  فالثابت أن “عبدالكافي” شخصية فريدة سياسيا وماليا واجتماعيا وفي علاقاته الدولية وهو موضع التقاء فُرقاء تونسيين أصبحت الهوة بينهم كبيرة على الأقل ظرفيا، ولكن نجاح الرجل ليس حتميا رغم أن الطريق مفتوح أمامه وكأنه “في طريق سريعة مُدشنة حديثا والحركة عنها قليلة”، ولكن على الرجل أن ينتبه ان للسياسة ابجديات تختلف عن عالم المال والاعمال، وأن بورصتها متحركة وليس مثل تحرك البورصة المالية فالعوامل التي تخدمك اليوم من الممكن جدا ان تكون ضدك غدا بل ومعيقة لك في التقدم حتى لو اردت فعلا ان تتقدم، ولكن عليه أن لا يتسرع في عمليات صهر لمكونات سياسية صغيرة الحجم لأنّها من الممكن ان تكون غدا ألغاما قابلة للانفجار في مُربعات حزبه، وستمنعه عندئذ ان يكون ذلك الجسم َA  المبحوث عنه في الداخل والخارج، وبغض النظر ان كان قد تم ترتيب شروط واتفاقات أن يكون “آفاق تونس” في نسخته الجديدة هو ذلك الجسم فالوضع الاجتماعي متحرك والسياسي أيضا بكل أبعاده المحلية والإقليمية والدولية، وأيضا أمامه عمل كبير في الجهات وفي مركزية الحزب وفي إقامة علاقات مع الأحزاب والمنظمات ولابد من ترتيب أي شكل للعلاقة مع حزبه السابق حتى وان لم ينتمي اليه أي “قلب تونس” ومتى سيقع الائتلاف بينهما؟ وباي صيغة؟ ووهل ستكون الطريقة متمثلة في اضعاف حزب “القروي” ونقل أفراده ونوابه وجزئياته الى “آفاق تونس” المُحين وبرئاسة “عبدالكافي” نفسه فالأمر ليس باليسير وللسياسة مفاجآتها وأسرارها وكوابيسها وكواليسها أيضا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى