حوارات

المؤرخ عبدالجليل بوڤرّة: أغلب قادة اليسار التونسي أمّيّون

يعتبر د. عبد الجليل بوقرة من أبرز المؤرخين في مجال التاريخ التونسي الحديث. وله العديد من الاسهامات والمؤلفات في هذا المجال، حيث اهتم بالحركة الوطنية في زمن الاحتلال الفرنسي، مُستعرضاً مختلف مراحلها قبل حصول البلاد على استقلالها في عام. كما انه اهتم بتجربة اليسار التونسي في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، مُنتقدا أخطاء هذا اليسار الذي ضللته الايجديولوجيات المتعددة فبات فاقدا للبولة لا يعرف إن كان عليه أن يقتدي بموسكو،أو ببيكين، أو بتيرانا في زمن حكم أنور خوجة. وإلى جانب تدريه في الجامعة التونسية، ترأس د. عبد الجليل بوقرة جريدة”الصحافة” في السنوات الأخيرة من حكم نظام الرئيس الراحل زين العابدين بن علي، فاتحا صفحاتها للجدل والرأي المخالف، وجاعلا منها منبرا ثقافيا لمختلف التجارب في الأدب والفكر والفن.

وبمناسبة مرور عشر سنوات على الإطاحة بنظام بن علي، التقت “ايلاف” بالدكتور عبد الجيلل بوقرة ليتحدث عن الوضع الراهن في تونس على المستوى السياسي والاجتماعي.

مرت الآن عشر سنوات على سقوط نظام بن علي… المناهضون لهذا النظام يقولون أن الثورة الشعبية هي التي أسقطته… هل أنت تعتبر أن ما حدث كان “ثورة” بالمعنى الحقيقي للكلمة؟
– الحكاية بدأت، كما هو معلوم يوم 17 ديسمبر 2010 بمدينة سيدي بوزيد، بالوسط الغربي التونسي، عندما أحرق بائع غلال متجوّل نفسه احتجاجا على احتجاز عربته من قبل الشرطة البلدية، وانتهت بالعاصمة التونسية يوم 14 جانفي 2011 بإعلان اتحاد الشغل عن الاضراب العام، وتنظيم تجمّع جماهيري أمام مقر وزارة الداخلية، وفي المساء غادر الرئيس زين العابدين بن علي البلاد وبدأ سقوط نظامه في الأيام الموالية.

فهل كان ذلك ثورة أم انتفاضة أو انقلاب؟

حقّق نظام بن علي، دون شك، على امتداد أكثر من عشرين سنة تنمية اقتصادية واجتماعية ملحوظة بشهادة أغلب المؤسّسات الدولية، كما يشهد على ذلك المنجز الإيجابي معدّل نسبة النموّ الاقتصادي أثناء حكم بن علي والتي تجاوزت الخمسة بالمائة، وتطوّرٍ البنية الأساسية في أغلب مناطق البلاد، وتعزّز مكانة الطبقة الوسطى، وتوفّر الأمن في محيط مضطرب… غير أنّ النقائص كانت كثيرة ويمكن اختزالها في تعطّل التنمية السّياسية وكلّ ما يتعلّق بالحرّيات العامّة وفي خلل كبير في التنمية الاجتماعية بين الجهات: قسم غربي فقير وآخر شرقي مرفّه نسبيا، وفي فساد عائلة الرئيس. وتبقى أهمّ معضلة واجهت نظام بن علي وعجز عن حلّها وساهمت في انهياره وهي بطالة خرّيجي الجامعات والذين كانوا وراء تنظيم المظاهرات اليومية بمختلف المدن التونسية بداية من 17 ديسمبر 2010، غير أنّ ما حصل يوم 14 جانفي 2011 من مغادرة بن علي الفجائية للبلاد وتخلّي أركان نظامه السّريع عنه، أربك كثيرا المحلّلين وأدخل الشك والرّيبة لدى من اعتقدوا أن تونس كانت تمرّ بأحداث ثورية، ثم تحوّل الشك إلى اعتقاد ويقين بأن البلد مرّ بمؤامرة بداية من يوم 14 جانفي بتدخّل قوى غريبة استثمرت حراك اجتماعي ومطالب مشروعة، لسرقة تونس وتوريطها في مسارات مدمّرة لاقتصادها ولتوازناتها الاجتماعية ولعلاقاتها مع محيطها الاقليمي والدولي.

وأكّدت العشرية الأخيرة أنّ تونس تعرّضت إلى عمليّة تحيّل غير مسبوقة، مّا جعل أغلب القوى الحيّة والشبابية تجدّد النّداء تلو النّداء لإنقاذ تونس من مصير مظلم ومهلك قبل فوات الأوان.

كنت قد خصصت مؤلفاتك الأولى لتجربة اليسار في تونس… كيف تفسر فشل هذا اليسار خصوصا خلال السنوات العشر الماضية في تجميع القوى الوطنية والتقدمية؟
يعاني اليسار التونسي، وفي العالم أيضا، من أزمة فكر وأزمة قيادة. ولأن قيادات اليسار أهملت مبدأ العمل الجبهوي المشترك والانفتاح على القوى الوسطية، العمود الفقري للمجتمع التونسي، إهمالا مقصودًا لأسباب أنانية ولضيق الأفق. ولأنّ أزمة القيادة أدّت إلى ضعف التنظيم، وأزمة الفكر أدّت إلى غياب البرنامج والمهام. ولأن غياب التنظيم والبرنامج أدّيا إلى انتشار الجهل وغياب التكوين والفقر المعرفي وضياع البوصلة.

ولأنّ “قيادات اليسار” مازالت تتصرّف في منظّماتها الميكروسكوبية على الطريقة السوفياتية، يعني قيادة نصف أميّة تكره القراءة وتخاف من المثقفين. ولأنّ الأحزاب اليسارية، والحالة هذه، فرغت من الأذكياء ومن الشباب، ولم يبق فيها إلا أصحاب المحلّات، يُعاونهم أشخاص بلا موهبة ولا طموح ولا خيال ولا قدرة على النقد.

ولأن هذه القيادات لم تدرك بعد أنه في ظروف انتشار المعرفة غير المحدود، والتطور العلمي وطرائق التعليم وتطور وسائل التواصل والاتصال، لم يعُد ممكنا لقرار صادر عن مجموعة ضيقة أن يكون جذّابا ومستساغًا. وأن الممارسة الديمقراطية تشكل حجر الأساس في أي مبنى سياسي أو فكري في هذا الزمن.

ولأن القيادات اليسارية وحاشياتها ومريدوها، لم تفهم بعد أن قرار “الزعيم الملهم” لم يعد سِراطًا مستقيما، بل يجب أن يُعرض للنقد والدرس والتحليل والرفض إذا لزِم الأمر. وأن إصرار القيادات الحزبية على مواقفها ومواقعها، من منطلق أنّها الأكثر فهما ووعيا، باتت مسألة مثيرة لسخرية أيّ تونسي متحصل على شهادة التعليم الابتدائي.

ولأن المنهجية التي تُدار بها المنظمات اليسارية، هي منهجية شبه إقطاعية في زمن الثورة الصناعية الرابعة.
ولأن هذه الأحزاب فقدت مصداقيتها في نظر الناس. ولأن هذه الوضعية المتعفنة، أفرغت الأحزاب من المثقفين. وغياب المثقفين جعل التكوين الفكري والسياسي، ورسم التخوم، وتأصيل المشترك، وتأطير التحالفات وكشف أسسها ودواعيها أمرا غير ممكن.
ولأنه لا يوجد حزب يساري واحد في تونس له قسم تكوين. والحال أن كل مفاهيم اليسار الكلاسيكية يجب إعادة بحثها وتشريحها وتحيين بعضها وتجاوز البعض الآخر، وإحالة البقية على المكتبات التراثية..

ولكي تفهم أن هذه الأحزاب ليست يسارية ولا يمينية ولا أي شيء، بل هي تُشبه إلى حدّ كبير قيادات عسكرية مهزومة، وقّعت على استسلامها خِلسةً، وتركت الجنود لمصيرهم، بلا سلاح ولا قرار، نذكر أنّ اليسار يعاني من مصيبة معرفية وسياسية مزدوجة، ألا وهي الخلط بين نظام الحكم والدولة من جهة، ومن أخرى عندهم غموض في فهم الدولة والموقف منها. فغالبيتهم العُظمى مازالوا يعتقدون أن “التزامهم الثوري” يجبرهم على “هدم جهاز الدّولة”، ويتكتّمون على ذلك. ولأن أغلبيتهم قيادات من الدرجة الرابعة، لم يفهموا، بعد كل التجربة التي راكمتها البشرية، أن فكرة “هدم جهاز الدولة” أصبحت فكرة رجعية داعشية وخاطئة تماما. وأنّ الحريات العامّة والفردية المتوفّرة اليوم، لم يكن بوسع أيٍّ من مُنظِّري الاشتراكية توقّعها. وأن مهمة التغيير أصبحت مقتصرة على تغيير القوانين وفرضها، وإصلاح الإدارة، ومحاربة البيروقراطية، وتغيير عقيدة الأجهزة الأمنية من أجهزة نظامية إلى أجهزة في خدمة المواطنين، وإجراءات التأميم حيث يجب التأميم، وتشجيع رأس المال الوطني حيث يخدم الاقتصاد الوطني، وكلّ قرار يؤخذ بخلفيته العلمية الناجعة…

وهذا كله يحصل بأغلبية برلمانية تفرزها انتخابات تجديد الشرعية. وعلى فكرة 90% من اليسار، في تونس، فهمهم للدولة التونسية، هو نفس فهم لينين لدولة القيصر، انطلاقا من كتابه “الدولة والثورة”. هذا الكتاب الذي يتباهون به، وهو نصّ تبريري مملوء بالشتائم، من الفقرة الأولى يبدأ بالحديث عن كون “عظماء التاريخ تتم ملاحقتهم وتشويه مقاصدهم…” إلى آخر الملزومة، وبأسلوبه المعتاد في طرح خصومه أرضا. وهذا الكرّاس كُتِب لتبرير ما انجرّ على شعار لينين الشهير “كل السلطة للسوفياتات”، والذي زجّ بالبلاد في حرب أهلية قضى فيها ملايين البشر، تحوّلت إلى مجاعة، فأزمة اقتصادية، وخلقت واقعا أجبر البلاشفة على تشييد دكتاتورية لا مثيل لها في التاريخ. وهذا أدى في الأخير إلى هزيمة الاشتراكية كفكرة نبيلة توصلت لها الإنسانية. كما استهدف كتاب لينين أيضا الاشتراكي الألماني كارل كاوتسكي، لأن هذا الأخير رفض فكرة “العنف الثوري وهدم جهاز الدولة ودكتاتورية البروليتاريا” في ألمانيا، لأن ألمانيا في ذلك الوقت كان فيها هامش مهمّ من الحريات يسمح بالنشاط السياسي العلني، وبالمشاركة في الانتخابات، فكتب كاوتسكي يقول “إن هدف نضالنا السياسي يبقي كما هو حتى الآن: الاستيلاء على سلطة الدولة عن طريق الحصول على أغلبية في البرلمان وإعلاء شأن البرلمان بحيث يتبوأ وضعاً قيادياً داخل الدولة. بالتأكيد ليس تدمير الدولة”.

يتخوّف أغلب اليساريين من التشكيك في صحة تعاليم كارل ماركس وكتابات لينين أو دحضها، ويجهلون أن التاريخ البشري هو تاريخ الإمكان، وليس تاريخ الحتمية. وإذا كان كارل ماركس عبقريّا فإنّ ذلك كان في عصره وزمنه، أواسط القرن التاسع عشر، فلو جاء اليوم ورأى هاتفا جوّالا، لأُغمي عليه أو مُسّ في مداركه العقلية.

ثانيا، هؤلاء القادة الأُمّيّين في أغلبهم، مازالوا مصرّين على أن القاعدة الاجتماعية لأحزابهم هي الطبقة العاملة. وهم غير مقتنعين بعد أن الطبقة العاملة الصناعية التي تناولها كارل ماركس بالبحث، لم تعد موجودة أصلا. وأن هنالك تغيرات عميقة وجذرية في بنية الرأسمالية أدّت إلى تغيّر بنيوي في قوى الانتاج، وبالتالي في كامل التركيبة الطبقية للمجتمع، بحيث لم تعد الطبقة العاملة الصناعية هي مركز الثقل في عملية التغيير. وهذا يتطلب جهدا جبّارا لتجدبد الفكر وإبداع نظرية جديدة لفهم إحداثيات التغيير في ظل واقع متغيّر ومتجدد بوتيرة غير مسبوقة. وبالنتيجة، ووفق هذا الفهم، هذه أحزاب لن تتمكن من كسب قاعدة اجتماعية إلى يوم القيامة، لأنها تبحث عن طبقة اجتماعية لا وُجود لها في الواقع.

ثالثا، قضية التعددية الحزبية والتداول السلمي على السلطة، لم تُحسم بعد إلا في مستوى المنطوق المخادع. وهذه أيضا فضيحة كبرى. فعدد غير محدود من اليساريين لا يؤمنون بالتعددية، وهم أقرب للحركات الاخوانية في فهمهم لطبيعة الدولة التي يبشّرون بها.

مختصر الكلام، هذه الأمثلة التي عرضتها من ضمن عشرات القضايا الجوهرية الأخرى، لم تتدارس منها المنظمات اليسارية التونسية شيئا، ولم تُناقشها على الإطلاق، وهي غير مؤهّلة معرفيا لبحث مثل هذه القضايا، أو لإنتاج ولو نصّ نظريّ واحد محترم.
ولكلّ هذه الأسباب من الطبيعي أن تكون البوصلة معدومة لدى أنصار أحزاب اليسار. وبطبيعة الحال نجد شبابها تائها تتقاذفه الأحزاب يمينا وشمالا.

تونس التي تعرّضت إلى عمليّة تحيّل خطيرة تحتاج اليوم إلى يسار آخر اجتماعي ديمقراطي وحقيقي، تونسي دما ولحما وعقلا وروحا. يسار منفتح وعقلاني، يضمّ كل المتضررين من السياسات الرجعية المافيوزية، وحكم المهرّبين.

كيف تفسر تنامي الظاهرة الشعبوية في تونس لدى أغلب الأحزاب إن لم يكن جميعها؟
– نشر المفكّر السعودي عبدالله الغذامي، في مطلع هذه الألفية، كتبا غاية في الأهمّية موسوما بـــ”الثقافة التلفزيونية، سقوط النّخبة وبروز الشعبي”، رصد فيه بدقّة متناهية استتباعات الثورة الصناعية التكنولوجية وانتشار التلفزيون على نطاق واسع مّا أدّى إلى تراجع مكانة النخب وبروز “زعامة” جديدة وهي “الصّورة” التي أصبحت الموجّه الرّئيس للرّأي العام. لقد كان للتلفزيون ثمّ للأنترنيت دور مساعد في انتشار الشعبوية في عديد البلدان لكن أسباب عودة الرّوح إلى الشعبوية تبقى مرتبطة بانهيار المعسكر الاشتراكي في أوروبا الشرقية، تسعينات القرن الماضي، وفي أزمة الليبرالية الجديدة في بداية القرن الواحد والعشرين. صحيح أنّ الشعبوية ظاهرة قديمة تعود إلى العهدين الإغريقي والروماني، لكنّ لكلّ “شعبوية” خصائصها وأدواتها. ففي العهود القديمة كانت للسّاسة الشعبويين “كاريزما” وبراعة في الخطابة لجذب الجمهور العريض وسحره بالكلام العاطفي المؤثّر، مثلما كان معلوما منذ عهد الديماغوجي كليون الأثيني Cleon والإمبراطور الروماني يوليوس قيصر مرورا بالأرجنتيني خوان بيرون والمصري جمال عبدالناصر في أواسط القرن العشرين…

أمّا الشعبويون الجدد فهم يفتقرون إلى كاريزما وصنعتهم الصّورة التلفزيونية ثم الأنترنيت وخاصّة شبكات التواصل الاجتماعي ذات القدرة العالية في التحكّم في الرّأي العام وأثبتت قدراتها العالية في أحداث السنوات الأخيرة ببعض البلدان العربية المسمّاة بـبلدان ” الربيع العربي” للتعمية والتضليل وتجميل القبح. وقد شاهدنا في تونس، في العشرية الأخيرة، كيف اختفت البرامج الاقتصادية والاجتماعية في خطب السياسيين ودعاياتهم وعوّضتها الشعارات العاطفية من نوع “الشعب يريد”، وكانوا يتداولون على “الزعامة”، حيث يبرز فجأة في كل انتخابات “زعيم جديد” يغرق المشهد الاعلامي والفضاء السيبرني بخطابت شعبوية فارغة فيكسب الأصوات ويستوي على عرش الحكم ثم يغادر مخلّفا تركة من الخراب والدّمار للدّولة التونسية… ولم يعد الصّراع السياسي حول برامج تنموية للنهوض بتونس واللّحاق بقطار الثورة التكنولوجية السّريع، بل أصبح تارة حول “الهوية” وأخرى حول “التطبيع مع إسرائيل”… وكلّه نتيجة سطو التيّار الاخواني على مؤسّسات الدولة، وهو تيّار لا يمكنه البقاء إلاّ باعتماد خطاب الهوية الشعبوي، حيث أثبت عجزا مكشوفا على تسيير الدّولة بل كان عاجزا حتّى على تشكيل حكومة ببرنامج اقتصادي- اجتماعي واضح ومنهجي وممكن التحقيق في فترة زمنية معلومة.

-تعيش تونس أزمات متلاحقة لم يسبق لها مثيل منذ استقلال البلاد فما هي الأسباب الحقيقية لهذه الأزمات؟
– توضّحت صورة المؤامرة على تونس في السنوات التي تلت 14 جانفي 2011، وتمثّلت في استنساخ “النموذج العراقي” لما بعد صدام حسين في تونس، ومن أهمّ ملامحه تدمير الدولة باستئصال كلّ المسؤولين القدامى من ذوي الخبرة بتعلّة “انتمائهم للحزب الحاكم”، ثمّ تركيز منظومة هجينة وخلطة غريبة بين النظامين البرلماني والرّئاسي، وفتح الأبواب لصراعات لا نهائية، طائفية في العراق وجهوية في تونس. وعندما تغيب الدّولة أو تضعف تنتشر الجريمة وينعدم الأمن ويصاب الاقتصاد بالشلل ويعمّ الفساد، وهذا ما حصل في تونس التي ضعفت فيها الدّولة واستبيح البلد للمهرّبين المحلّيين والأجانب ولكلّ المخابرات الدولية بشكل يذكّرنا بما حصل في القرن التاسع عشر قبيل احتلال فرنسا لتونس. والمؤسف في كل ذلك أنّ “الديمقراطية” ومبدأ الحرّيات العامّة ارتبطت في أذهان عامّة الناس بالفقر والإرهاب والجريمة والفساد، لأنّ النخب الحاكمة بعد 2011، والتي رفعت شعار “الحرّيات والديمقراطية”، لم تلتفت إلى المشاكل الحقيقية ولم تقم بالإصلاحات الضرورية في وقتها، ولم تهتم سوى بتقاسم “غنيمة الثورة” من توزيع مناصب والحصول على تعويضات مالية ضخمة أصابت ميزانية الدولة في مقتل، ونتج عن كل ذلك تمدّد البطالة وعجز النمو الاقتصادي العام عن تجاوز واحد بالمائة والتجاء الحكومات المتعاقبة إلى الترفيع في الضرائب حيث تمّ اتخاذ أكثر من 500 إجراء ضريبيا منذ 2011ـ إضافة إلى التداين من الخارج وما انجرّ عنه من فقدان السّيادة واستقلالية القرار.

من المعلوم أنّه لا تنمية اقتصادية واجتماعية وسياسية دون دولة ولا أمن دون دولة، لذلك كان الخلط بين نظام بن علي وبين الدّولة من أخطر ما أصاب تونس من أضرار فادحة، تصعب معالجتها على المدى القصير.

– ما رأيك في أداء الرئيس قيس سعيد؟
– بعد مرور سنة على انتخابه رئيسا للجمهورية بأغلبية مريحة، لم يغادر الرّئيس سعيد مرحلة الحملة الانتخابية: ذات الخطب النارية على طريقة إذاعة صوت العرب في عهد الرئيس عبد الناصر قبل هزيمة 1967، وذات الشعارات الشعبوية وانعدام كامل للبرامج والقرارات، وانحراف بالدبلوماسية التونسية عن تقاليدها الحيادية بتوريط تونس في سياسية المحاور المهلكة…

توفّرت للرئيس سعيد سنة 2019 فرصة لم تتوفّر لغيره فهو غير مقيّد بانتماء حزبي وكسب شعبية أثناء الحملة الانتخابية دون أن يكون له أيّ رصيد سابق في العمل السياسي أو في إدارة الشأن العام، ووجد برلمانا ضعيفا بسبب كثرة الكتل المتناحرة، فكانت الفرصة متاحة له لاختيار رئيس حكومة في مناسبتين، ورغم ذلك فشل في المناسبتين في اختيار رئيس حكومة في مستوى المرحلة وله القدرة على إخراج البلد من عنق الزجاجة. وفشل أيضا في توظيف الدبلوماسية لمساعدة تونس في أزمتها الحالية، ففي حين تم انتخاب تونس عضوا في مجلس الأمن عجز سعيد عن اختيار ممثل تونس في الأمم المتّحدة إذ غيّر المندوب ثلاث مرّات في سنة واحدة.

لقد أكّدت سنة واحدة أن هذا الرئيس ليس في مستوى المرحلة الحرجة التي تمرّ بها تونس ولا يقدر على إدارة الأزمة، ولا يملك سوى ترديد الشعارات الشعبوية، والبلاغات الحربية الدونكيشوتية.

للاطلاع على المصدر الأصلي:اضغط هنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى