وثائق

وثيقة “برلمان تونسي” لمحمود بيرم التونسي

(صحيفة الشباب عدد الخميس 06 نوفمبر 1936)

أمدنا الاستاذ الحامعي والدكتور “السلامي لعماري” بوثيقة تاريخية مهمة ونادرة، وهي نص للكاتب الأديب التونسي “محمود بيرم التونسي”، كما علق عليها عبر تقديمه قراءة تخليلية كجزء من فصل من كتاب له حول البرلماني “محمج لعروسي المطوي” ينوي اصداره مستقبلا…

*** تقديم الوثيقة ( بقلم الجامعي السلامي لعماري )

صدر العدد الأول من جريدة “الشباب التونسي” لصاحبها ومؤسسها “محمود بيرم التونسي” في 29 أكتوبر 1936 وجاء في العدد الثاني من هذه الجريدة مقالا بتاريخ 06 نوفمبر 1936 تحت عنوانين، العنوان الأول هو عنوان اطاري “برلمان تونسي” والعنوان الثاني هو عنوان فرعي “في المنام”، وتوحي عملية الإخراج ان العنوان الأول هو المعبر عن جوهر النص اذ ثبت بخط غليظ بينما العنوان الثاني وجاء في خط عادي وكأنه عنوان هامشي ولكن العنوان الأول هو موضوع النص والعنوان الثاني هو شكل النص لان النص منامة موضوعها البرلمان..

ان هذا المقال هو منامة رآها السارد في منامه ولكن متعلقات هذا المقال تتقاطع مع الوقائع تلك الوقائع التي جاءت متأخرة عن المقال فالمقال سابق لمُعطيات لاحقة وتتقاطع في هذا المقال وتمتزج عوالم الخيال مع عوالم الواقع في مستويات عدة مستوى الفضاء أو المكان فهو يدور في ضاحية باردو والتي ستصبح العاصمة التاريخية للبرلمان، ومستوى الموضوعة (les thèmes) أي برلمان تونسي ومستوى الشخوص الاعلام الحبيب بورقيبة – محمود الماطري وآخرون، والذين يمثلون فواعل العمل السياسي في تاريخ الحركة الوطنية بصفة عامة وكذلك في مستوى الأحوال فالبلاد تقع في حالة المستعمرة التائقة للاستقلال وحضور اسم “غيون” (guillon)

وكذلك نجد عوالم الأشياء منها: القصر- الحديقة- العلم – العصابة – الرخام، ونجد تقاطعا في مستوى القضايا منها العلاقة بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية وبين البلد المستقل والمستعمر،  وكذلك المهموسات – أي ما تهمس به هذه الأشياء وتشي به من دلالات وكذلك في مستوى الأرقام- فمائة نائب الموجودة في الحلم هي تقريبا عدد النواب الذين سيوجدون في الواقع، فهناك اذا تناسج ومضارعات جمة بين محتويات الحلم ومحتويات العالم الواقعي…

فهذا الحلم ليس له من الحلم بقدر ما فيه من التاريخ ولعل طرافة الحُلم قُدرته على مزج العوالم وجعل اللامتوقع قائما حاضرا ولعلّه كذلك على أهمية بمكان في القدرة على تخطي الزمن وكسر خطيته (Linéarité)  ففي الحلم وحده يقع اخراج الزمن وصنعه بطريقة أخرى يُصبح فيه الماضي مستقبلا والمستقبل ماضيا ونُوقف استرسال الزمن والحلم يدخل الواقع في لا واقعية الحلم، فيُصبح حلما لا واقعيا واقعا ويصبح حلما واقعا لا واقعيا أو بعبارة أخرى تتم من خلال الحلم وبفضله حصول عمليات الاستباق والاسترجاع فيستبق الحلم الوقائع التي ستصير بعد ذلك ممكنا فاذا كن اطار الحلم الداخلي غير معروف إلا من خلال تاريخ الإصدار اصدار العدد 1936 فانه قد يكون حصل في ما سبق ولكنه وبقطع النظر عن تحديد الزمان للحلم فانه يحيل على احداث حصلت لاحقا وهذا هو المقصود بعملية الاستباق فالأحداث التي جاءت حلما باتت واقعا لأحداث ومكانه وشخوصه وفي اطاره صُبَّ صلب الواقع في عالم الَّامُتخيّل انه من ضرب من الاستشراف والتنبأ أو أنه رؤية صادقة شبيهة برؤية الأنبياء والأخيار ورجال الله الصالحين وهذا جالب من طرافة المسألة، فعبقرية الحلم هو التنصل من النسقية والخطية وتأثيث العالم ونسجه بكيفية مغايرة للعالم الفيزيقي وطرافة السرد أنه يفعل ما يفعله الحلم فيتصرف في الاحداث بكيفية مغايرة عن السير النسقي والخطي وفي هذا يتقاطع الحلم مع السرد ويتقاطع الحالم مع السارد فكلاهما يُؤسس العالم بكيفية مُغايرة عن الوجود الحقيقي. فالحلم والسرد كلاهما يُلاعب من لا قدرة لنا على مُلاعبته بل هو الذي يتلاعب بنا وبالأشياء إنه الزمان أو الوجود الذي لا يُقهر، فيأتي الحلم والسرد فكلاهما يُلاعب الزمن فيوقفه حيث لا يقف ويُقدمه ويُؤخره وكذلك يفعل بالمساحة كما فعل بالمسافة فيُقرّب المتباعد منها ويُبَعّد المتقارب منها ويفصل المتواصل ويوصل المنفصل ويرفع المنخفض ويخفض المُرتفع، وكذلك يفعل بالكَمّي فيُحجّم المتعملق ويُضخّم الصغير المُحجّم وكذلك يفعل بالنوع فيذكر المؤنث ويؤنث المذكر ويأنسن الأشياء ويشيء الانسان، انهما الحلم والسرد يُمارسان صناعة العالم وفق نواميس يجترحانها.

ان طرافة المسالة تتجلَّى في التجلي الحاصل في موضوعة البرلمان، فالبرلمان بات حلما وبات سردية ضاغطة على المشهد وهذا الضغط صير منها حلما ولكنه حلم قابل للتحقيق بل سيتحقق في التاريخ، لقد تشكل الحلم في خطة نضالية لعل أحداث افريل 1938 من تجلياتها أي بعد أكثر من سنة ونصف من تاريخ مقال الحلم، واسفرت هذه الخطة النضالية اللاحقة للحلم عن ولادة برلمان باعتباره مؤسسة، فنحن إزاء صور ثلاث للبرلمان برلمان الحلم (les parlement rêve) والبرلمان الخطة أو المشروع (Le parlement projet) والبرلمان المؤسسة أو السلطة (le parlement pouvoir) ، ولكن التاريخ قام بعمليتي تغييب واحضار فلم يحضر سوى نمطين من البرلمان وغيَّب البرلمان الحلم رغم أنه هو السابق عن النمطين اللاحقين فكان البرلمان قد مر بثلاث مضامين الولادة مضمون ولادة الحلم ومضمون ولادة الخطة أو المشروع ومضمون ولادة المؤسسة فكانت ولادة عسيرة وكذلك  يُمكن أن نتبين إضافة الى مراحل ولادة البرلمان فواعل عملية الولادة فهناك المولد وهو الحالم وهناك المولد وهو المناضل وهناك المولد وهو المؤسس فهناك اذا مهندسون ثلاث لولادة كيان عبر مراحل ثلاث مع إمكانية حصول التقاطع بين المراحل وبين الفاعلين ولعل مهندسي البرلمان الحلم هم الشعراء والصحافيون والكتاب (الأدباء) ومحمود بيرم التونسي رمز لكل هذا فلكل حالة رموز فبرلمان الخطة والنضال رمزه “علي بلهوان” ومن لف لفهم وبرلمان المؤسسة رمزه “علي بلهوان” ومن لف لفه من الاعلام منهم “جلولي فارس” و”الصادق المقدم” و”محمد لعروسي المطوي” وطائفة من الأسماء الذين طالت مُدة نيابتهم ونحن اذ وقفنا على هذه الوثيقة لكي ننصف ما وقع تغييبه في التاريخ للبلاد التونسية ولمؤسساتها انه إعادة الاعتبار للحلم فبات للحلم مؤسسة بعد نضال ولعل المؤسسات العتيدة تكون أصول نشأتها احلاما قبل أن تكون وقائع وأحداث.

** نص الوثيقة:

 في المنام

رأيت نفسي في ضاحية تُشبه ضاحية باردو مطرزة بالحدائق اليانعة كأنه فصل الربيع، في وسط الضاحية قصر ضخم قامت على واجهته أعمدة شاهقة في أعلاها عصابة عريضة بديعة النقش وفي وسطها مكتوب: البرلمان التونسي

تلك العصابة تحمل العلم التونسي علامة على أن جلسة البرلمان منعقدة ولم أنس في عالم الرؤيا أنني صحفي يحق له الدخول في كل مكان فتقدمت الى باب البرلمان فوجدت فيه شاوشين برتبة “برقادي” عليهما ملابس مزركشة بالذهب وقد أدركت انني أعرفهما في عالم اليقظة.

فأحدهما السيد “محمد شنيق” والثاني السيد “الطاهر بن عمار”، ولما أظهرت لهما بطاقتي الصحفية أبديا لي التحية بالانحناء فدخلت وبكل سهولة شرفت “لوج” (Loge) المخصص للصحفيين فجلست فيه بجانب زملاء أعرف بعضهم وأجهل البعض انبهرت مما أرى: أعضاء يزيد عددهم عن المائة فيهما الساحلي والجريدي والبدوي والبلدي والعصري وكُلّهم على اختلاف أشكالهم يكسوهم البهاء تشرق وجوههم بأنوار الصلاح والإخلاص وليس بينهم واحد من أعضاء المجلس الكبير ذلك القائم في شارع باريس.

منصة فخمة يجلس فيها رئيس البرلمان وهو الوزير” خير الدين” بلحيته المُوقرة وبجانبه وكيل البرلمان ولم اتبين صورته تماما.

تقابلها منصة أخرى أعرض منها وأرفع فيها الوزراء السبعة وقد جلس بينهم رئيسهم الدكتور محمود الماطري اما الوزراء فكانوا:

  • وزير الحقانية “الحبيب بورقيبة”
  • وزير المعارف “البحري قيقة”
  • وزير الداخلية شخص لا أعرفه
  • وزير الخارجية والحربية “الطاهر صفر”
  • وزير الصحة الدكتور “حجوج”
  • وزير الأشغال “صالح بن يوسف”

وكان الأعضاء وقتئذ يُوجهون الى الوزراء الأسئلة البرلمانية عن الأمور التي تختص بوزارة كل منهم.

وقف نائب الكاف ووجه الى وزير الخارجية السؤال الاتي:

“اطلعت في جريدة “التايمز” على قرار الحكومة الإنجليزية بزيادة الأداء الجمركي على الدقلة التونسية باعتبار أنها من الكماليات”

“كما اطلعت على مقال في جريدة إنجليزية أخرى يُشنع فيه كاتبه بمثر الدقلة ويصفها بأنها طعام ميكروبي قذر”

والواقع أن التمر غذاء أساسي عند الأنجليز كما ان تمر الدقلة على الأخص يعتبر هنا بطريقة ثالث الميداليات الذهبية في المعارض الدولية”

” ألا نفهم في إنجلترا تدبيرات خاصة لمقاومة المحصولات التونسية بأية حجة؟”

“ليس من الواجب أن نتقبل هذه المقاومة بمثلها ونرفع الأداءات على الواردات الإنجليزية كالويسكي مثلا…”

“وهل اهتمت الحكومة بهذه المشكلة وإذا وقع ذلك فما هي التدابير التي اتخذتها؟ “

فأجاب الوزير

  • اشكر للعضو المحترم غيرته واهتمامه وأطمئنه بان سفير تونس في إنجلترا اهتم بالأمر وراجع الدوائر الرسمية المختصة في لندن وحصل منها على وعد بإلغاء القرار المذكور، كما أن مكتب الدعاية للمحصولات التونسية هناك سيعمل على محو الدعاية السيئة التي تنشرها الصحف ضد حاصلاتنا”

فجلس نائب الكاف شاكرا وقام نائب “البرج دي بوف” ووجه الى وزير الحربية السؤال الآتي: “طلبتم زيادة الاعتماد المختص لوزارتكم نصف مليار من الفرنكات وقد فهمنا من البيان الذي ألقاه المقرر بالجلسة الماضية ان معظم هذا الاعتماد ذهب لإصلاح ميناء بنزرت التي غليت بموقعها وطبيعتها عن كل اصلاح”

“وقد علمتم بلا شك من التقرير الذي رفعه اليكم القائد العام للجيش التونسي على إثر زيارته لمطار “البرج دي بوف” أن هذا المطار في حالة سيئة لا تليق بكرامة الدولة التونسية”، فقام وزير الحربية وقال في شيء من الحدة

  • لا نسمح عرض المسائل الحربية للمناقشة في البرلمان لأنها فنية أكثر منها سياسية وهنا قام الوزير خبر الدين الرئيس وخاطب ذلك الوزير
  • هذا المجلس الذي يملك جميع السلطات لا يسمح للقوة التنفيذية (أي الحكومة) بالانفراد باي عمل قبل ان يطلع عليه فأجابه الماطري رئيس الوزراء
  • اقترح تأليف لجنة برلمانية وأخرى من الحكومة لنفحص المسالة في غير الجلسات ولكن العضو البنزرتي بقي واقفا مصرا على القاء سؤاله وتلقي جواب وزير الحكومة عنه وارتفعت في انحاء المجلس أصوات مختلفة اضطرت الرئيس لقرع الناقوس عدة مرات فسكتت الضجة فأبصرت رجلا مكشوف الرأس يجلس وحده على منصة مهابة ولم أكن رأيته من قبل تبيّنت هذا الرجل فاذا هو كثير الشبه المسيي “غيون” ممثل فرنسا، والقى في روعي أننا ارتبطنا مع فرنسا برباط وثيق من المحبة والوداد وأن ممثلها بحضر برلماننا بصفة ممثل الدولة الأقرب إلينا من غيرها والتي تربطنا علائق من نصف قرن ولا يحضر برلماننا إلا ليُبدي من عنده من النصح الذي يعود علينا وعلى دولته بالصلاح، قال هذا الرجل في أدب جم: “لا اريد ابداء أي ملاحظة في هذا الموضوع ولكن أيد وزير الحربية في العناية بميناء بنزرت التي لا يزال يأوي إليها قسم كبير من الاسطول الفرنسي في ضيافة صديقه الأسطول التونسي فان هذا الميناء رغما من مناعته الطبيعية لا يستغني عن المعدات الحديثة التي يوجبها التطوّر المُطَّرد في التسليح”
  • “وأرى ان دولة رئيس الوزارة عرض عليكم باللجنة التي اقترحها الحل الموفق. وقامت في المجلس ضجة أخرى لم أفهم تفاصيلها ولكنها انتهت بقبول الرأي الذي اقترحه دولة الماطري ووافق عليه فخامة مندوب فرانسا.

كنت اشعر بأنني في منام رغم ما أرى وأسمع وكنت أود أن يطول أجل الرؤيا مدى الحياة وان كانت لا تستغرق في عالم الأحلام جزءا من مليون ثانية.

إلا أن بائع ” الفطاير” الذي يمر في الساعة السادسة صباحا قطع علي المنافع بصوته

الذي يرن.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى