تقارير

نوفل سلامة : ميزانية حكومة المشيشي من دون مضمون إجتماعي؟!

بقلم: نوفل سلامة

يأتي عرض ميزانية الدولة للسنة المقبلة من قبل حكومة المشيشي على أنظار مجلس نواب الشعب لمناقشتها والمصادقة عليها في ظرفية صعبة والبلاد على مقربة من الاحتفاء بالشرارة الأولى التي اشعلت الثورة التونسية احتجاجا على الوضع الاجتماعي المتردي الذي كانت عليه البلاد في زمن الرئيس بن علي وتخليدا لحادثة الشاب محمد البوعزيزي بائع الخضار المتجول الذي أحرق نفسه يوم 17 ديسمبر من سنة 2010 تعبيرا عن الوجع الاجتماعي الذي شعر به والظلم الذي مورس عليه حينما تم منعه من العمل وعرض بضاعته على عربة متنقلة من دون أن يتحقق أي شيء من كل وعود الثورة… وفي ظرف تشهد فيه الكثير من الجهات الداخلية موجة من الاحتجاجات والاحتقان الشبابي على تأزم الاوضاع في المناطق المهمشة التي قال عنها صندوق النقد الدولي أنه لم يصلها قطار الاستقلال بعد .. وفي ظرف تعمق فيه الإحساس بالخيبة والحسرة على فشل استحقاقات الثورة ورهانات من قام بها في تغيير أحوال البلاد نحو الأفضل وخاصة أحوال الفئات الفقيرة والمهمشة والمنسية التي رغم المحاولات التي بذلت فإن وضعها زاد تدهورا على ما كان عليه وقد كان الأمل في الحكومات المتعاقبة أن ترسم البرامج وترصد الأموال لبلوغ هذه الغاية وهذا الهدف غير أنه في كل مرة تحصل النكسة لنجد أنفسنا أمام برامج حكومية وميزانيات دولة من دون لون ولا طعم اجتماعي وميزانيات مفرغة من المضمون الاجتماعي الواضح والمؤثر في التخفيف من الوجع الاجتماعي ومن متاعب الناس.
فهل واصلت حكومة المشيشي في هذا الفشل وهذه الخيبة؟ أم كانت رؤيتها للميزانية ملتفتة إلى الجوانب الاجتماعية للشعب ومتجهة نحو معالجة الاكراهات الاجتماعية للفئات الأكثر احتياجات لتدخل الدولة؟

يبدو أن الانطباع الأول الذي عبر عنه الكثير من المراقبين بعد التصويت على ميزانية حكومة المشيشي أن مضمونها لا يحمل في طياته بشائر لصالح الفئات الأكثر احتياجا والأكثر خصاصة والفئات المصنفة فقيرة كما لا تتضمن إجراءات لفائدة الطبقة الوسطى التي تقول عنها كل الدراسات أنها في تراجع وأنها الأكثر تضررا بعد أن تآكلت مقدرتها الشرائية وفقدت الكثير من خصوصيتها ما جعلها تقترب كثيرا من الفئات الفقيرة وقد زادت تداعيات انتشار فيروس كورونا من تأزم حالها نتيجة دخول الكثير من أفرادها في حالة بطالة قصرية جراء فقدانهم لوظائفهم وخسارتهم لمواطن شغلهم بعد غلق الكثير من الشركات والمصانع أبوابها.
ما تمت ملاحظته من قبل المراقبين أن ميزانية الحكومة للسنة المقبلة لم تكن منحازة للفئات التي تحتاج تدخلا اجتماعيا وسندا من الدولة مما جعلها خارج انتظارات عموم فئات الشعب حيث لوحظ إقرار الترفيع في أسعار بعض المواد الأساسية لعيش المواطن على غرار مادة الفرينة والسكر في الوقت الذي كان من المنتظر الإبقاء على الأقل على نفس الأسعار الحالية وفي مقابل ذلك تم التخفيض من نسبة الضريبة الموظفة على الشركات وعلى شراء اليخوت وزوارق النزهة والرياضة وعربات ” الكواد ” المنتفع بها أصحاب النزل والمؤسسات السياحية في عملية واضحة لخدمة أصحاب النزل و أصحاب رؤساء الأموال المستثمرين في قطاع السياحة.
تعتبر المعارضة أن اسقاط مقترح طرح الديون التي قيمتها أقل من خمسة آلاف دينار بالنسبة لصغار الفلاحين وصغار الحرفيين هو اجراء كان من المؤمل أن يخفف من وطأة الأزمة الاقتصادية التي أرهقت هذه الفئة من الشعب و كان من الممكن أن تمنحهم مرافقة حكومية لضمان مواصلة نشاطهم المهني. كما تم اسقاط مقترح إحداث صندوق إجتماعي لذوي الاحتياجات الخصوصية وصندوق آخر للأفراد الذين فقدوا عملهم بسبب التسريح القسري من وظائفهم جراء جائحة كورونا و مساعدتهم بمنحة لمدة ستة أشهر كما تم اسقاط مقترح آخر يتعلق بإحداث صندوق يعنى بالإصلاح التربوي تخصص عائداته لمواجهة الوضع المتردي في قطاع التعليم وأخيرا تم اسقاط مقترح لتحسين جراية بعض المتقاعدين من القطاعات الهشة في اتجاه تحسين جراياتهم من 180 دينار لتصبح 250 دينار.
كل هذه الإجراءات والمقترحات التي تم اسقاطها من قانون الميزانية للسنة المقبلة والتي لها أثرها الواضح على الفئات التي تحتاج تدخلا من الدولة ومرافقة من الحكومة هي إجراءات لها صبغة اجتماعية كان من المنتظر أن نجد لها صدى في ميزانية الدولة غير أن التفكير الذي قاد هندسة إعداد الميزانية كانت له رؤية مختلفة غير الهاجس الاجتماعي.
كل هذه المآخذ التي توجه إلى حكومة المشيشي لعدم انتصارها للجانب الاجتماعي ردت عليها الحكومة واعتبرتها مقترحات غير جدية الغاية منها إظهار الحكومة الحالية في غير صف الطبقات الاجتماعية المتضررة ووهي مقترحات جاءت في إطار المزايدة السياسية وتسجيل نقاط على الحكومة في حين أن ميزانية سنة 2021 قد تضمنت الكثير من الإجراءات لفائدة الشعب لعل أبرزها تشغيل 10 آلاف عاطل عن العمل من الذين طالت بطالتهم وهو إجراء مهم سوف يكون له وقعه على الكثير من العائلات التي ليس لها سند اجتماعي.

للاطلاع على مصدر المقال : اضغط هنا

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى