رأي

الديمقراطية التونسية ومخاطر الشعبوية

 

محسن النويشي :تونس في14ديسمبر2020

تواجه الديمقراطية التونسية الفتية مخاطر عديدة بعد مرور تسع سنوات على انطلاق مسار بنائها اثر ثورة الحرية والكرامة التي تحل ذكرى اندلاع شرارتها الاولى الايام القادمة .17ديسمبر2010 لعل من ابرزها ظاهرة الشعبوية التي تجتاح اوروبا و تصاعدت وبرزت في شكل دعوات او اطروحات سياسية او برامج قبل الاستحقاق الانتخابي الرئاسي والتشريعي الاخير واثناءه وبعده وقد قدمت نفسها بعنوان الضدية لمنظومة الحكم القائمة( anti-systeme)و تلتقي جلها في استهداف النظام السياسي وتنحصر في اطروحتين الاولى تدعو الى تغيير النظام من شبه برلماني الى رئاسي . اما الثانية فتدعو الى نسف المظومة من اصولها بتغيير الديمقراطية التمثيلية الى ديمقراطية مباشرة او شعبية او مجالسية. بخصوص الاطروحة الاولى فهي معتمدة في اكثر من دولة ديمقراطية وهي اقرب للفردية رغم الشرعية الانتخابية للرئيس ووجود مؤسسة تشريعية منتخبة الا ان علوية سلطة الفرد على المجموعة تبقى دائما نقطة ضعف يمكن ان تتضخم لتتحول الى تسلط ديمقراطي. هذا بالاضافة الى ما علق في ذهن التونسين بخصوص النظام الرئاسوي زمن الاستبداد وما عانوه منه من ويلات وهذا لا يعني ان النظام البرلماني او شبه البرلماني نظام خال من السلبيات واهمها ضعف مؤسسات الدولة خاصة في ظل القانون الانتخابي ونظام الاقتراع المعتمد حاليا ومن الغريب ان جل من يرذلون النظام السياسي الحالي هم من بقايا منظومة الاستبداد والفساد . اما الاطروحة الثانية والتي بشر بها السيدرئيس الدولة الحالى اثناء الحملة الانتخابية واعاد طرحها في الايام الاخيرة رضا المكي شهر (لينين) احد اعضاء حملته وجوهرها استبدال التمثيل الجماعي في شكل قائمات انتخابية حزبية بالتصوت على الافراد وتشكيل مجالس على اساسه تبدا من المحلي الى الجهوي الى المركزي .واذ تبدو هذه الدعوة في ظاهرها مغرية وبسيطة فان في باطنها مثالية وطوباوية فارغة منافية للطبيعة البشرية ولطبائع الامور ومنطق الاشياء ولم يحصل في التاريخ البشري ان طبقت بل كل محاولات تطبيقها قد فشلت او توقفت في منتصف الطريق او تحولت الى ديكتاتورية للدولة باسم طبقة او قبيلة او عشيرة او غيرها .لان الانسان مدني بالطبع واميل للتشكل في مجموعات في شكل شعوب وقبائل وعشائر وعائلات وقد اوجد الدولة لتنظيم اجتماعه السياسي فلا يصح تنظيم هذا الاجتماع على اساس افراد من هنا جاءت الاحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني كمكونات للمجتمعات وتعبيرات عنها في مختلف المجالات بما فيها السياسي فكيف يمكن العودة الانكفاء الى نظام الافراد الذي سرعان ما يتحول الى نظام خاضع للوبيات القبلية والعشائرية ولوبيات المصالح والفساد لتصبح المجالس القائمة على اساسه مجرد ديكور ديمقراطي كما حصل في الانظمة الشيوعية والاشتراكية الشعبوية والانظمة القومجية القبلية والعشائرية والتي تضخم فيها دور الدولة الى حد الهيمنة على كل مجلات الحياة والغاء دور المجتمع ويذهب بعض الطباويون المثاليون الى حد الحديث عن الغاء الدولة في مرحلة الشيوعية في الخماسية التاريخية لماركس والغريب ان هذه الاطروحة يدافع عنها من لا يمت للديمقراطية بصلة .الا ان هذا النقد لما يبشر به البعض ويقدمونه على انه الحل السحري لصعوبات الانتقال الديمقراطي والذي لن يكون سوى اجهاضا للنظام الديمقراطي لا يحجب عنا مشاكل الديمقراطية التمثيلية القائمةعلى الاحزاب والمجتمع المدني والهيئات التمثيلية المكونة لمؤسسات الدولة الديمقراطية ذات الدور المحدد والمحدود .وهي بالاساس ضعف الاحزاب وامكانية خضوعها للوبيات وضعف قدرتها على الحكم والانجاز ومن ورائها ضعف المؤسسات . لكن في كل الاحوال فان الديمقراطية التمثيلية المستقرة والعادلة والممثلة لمختلف المكونات الاجتماعية والمحققة للازدهار الاقتصادى والعدالة الاجتماعية تبقى المنظومة الانجع والاقدر على ادارة الاجتماع البشري بمختلف تعقيداته فلا مجال في بلادنا لتجريب المجرب الذي اثبت فشله مهما علت موجات الشعبوية وعول البعض على وسائل غير تقليدية وحتى لا يصح علينا المثل القائل “الي يجرب المجرب عقلو مخرب ” نسال الله السلامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى