تحاليل

ما هيَ خلفيات حقد “عبير العمدوني” الدفين على مُديرها في مركزية التجمع (أي “محمد الغرياني”)؟

علي اللافي – كاتب ومجلل سياسي

 

بغضّ النظر عن التطورات الأخيرة وموقع “عبير” بعض قيادات “الدستوري الحر” منها ومن بينها احتجاجهم بداية الأسبوع الحالي كنواب بالمجلس على تعيين السياسي “محمد الغرياني” في ديوان رئيس مجلس النواب “راشد الغنوشي” ورفعهم يومها لشعارات تافهة وطفيلية، وبغض النظر عن تقييم مسيرة الأمين العام الأخير للتجمع المنحل السابقة والحالية، فان الثابت ان المدعوة “عبير العمدوني موسى” تكن حقدا دفينا على مديرها السابق في مركزية الحزب الحاكم في حقبة الرئيس المخلوع، فما هي خلفيات ذلك الحقد وماهي بعض الاسرار المكتومة وراء ذلك الحقد خاصة وانه مقابل ذلك اعتمد التجاهل التام ويظهر ان دراسته لعلم الاجتماع وتمرسه السياسي قد رسخا لديه قناعة مفادها أن العبرة في السياسة بالنتائج الختامية؟

 

** ما سر التركيز في الحقد على “الغرياني” تحديدا؟

طبعا “الغرياني” لم يكن الأمين العام الوحيد الذي أشرف على الدواليب المركزية  للحزب الحاكم أثناء فترة حكم الرئيس المخلوع، ذلك انه سبقه كثيرون وهم تعاقبا: الهادي البكوش- عبد الرحيم الزواري(مرتين) – الشاذلي النفاتي – عبدالعزيز بن ضياء- علي الشاوش والهادي مهني، وأغلبهم كانوا على علاقة وتواصل بالإسلاميين بأشكال مختلفة قبل وبعد الثورة، فالبكوش تواصل معهم سنتي اشرافه على رئاسة الوزراء (نوفمبر 1987- ماي 1989) إضافة لعلاقاته وتواصله مع “حمادي الجبالي” غداة الثورة – بل أن حتى شهادته التاريخية قدمها لقناة الزيتونة والتي لعبير تصنيف خاص لها-   و”الزواري” تواصل مع اغلب القيادات وحضر افتتاح المؤتمر العاشر للنهضة كما زار مكاتب وزرائها، أما “النفاتي” فعلاقته ودية بقيادات جهوية للنهضة في ولايتي “قابس” و”نابل” كما التقى قيادييها المركزيين في أكثر من مناسبة، فلماذا ركزت “عبير” على “الغرياني” تحديدا؟، ومعلوم أنها نقلت كل برنامجها الاقتصادي من دراسة لــــــــــــ”توفيق بكار” كتبها في الغرض وعرضها على كل الأحزاب بما فيهم النهضة، وهو أيضا لا يُخفي علاقته الممتدة ببعض قياداتها  المركزية كما له تواصل بأخرى جهوية (تونس – قابس)، وهي على علم بذلك بالتفصيل إضافة لآخرين، فلماذا تُريد أن تُغيّب تلك المعطيات والحقائق وتحاول ان تغالط به حتى أنصارها وبعض قياديين خنوعين خاصة ان لعماري وزروق وآخرين اختلفوا معها وانتبهوا لوظيفيتها ونرجسيتها وعقليتها الاقصائية ومعلوم أن الفترة الأخيرة  قد تعددت خلالها الاستقالات في حزبها وخاصة الشباب منهم تحديدا في أكثر من تنسيقية، وبعضهم أكد ان ذلك تم على خلفية تلك المواقف من “الغرياني” وغيره من القضايا إضافة لاختلاف حاد الأسبوعين الماضيين قيل أنه يشقُ الحزب خلال الأيام الماضية…

 

** حول الأسباب الراجحة لكميات الحقد تجاهه من طرفها

اذا ما بحثنا عن الاختصار والتلخيص للأسباب والخلفيات،  فإن الأمر واقعا لا علاقة له بالإسلاميين لأن الغرياني أولا قد  اقترب من البعثيين منتصف الثمانينات قبل أن يلتحق بالحزب الاشتراكي الدستوري – جناح محمد الصياح-  وقبل ان يكون لاحقا قياديا مركزيا في التجمع المنحل بعد أن كان رئيسا لمنظمة طلبة التجمع نهاية الثمانينات، رغم وجود حديث هو أقرب لعقلية المخبر الأمني أي بمنطق “أستفيد” بأنه كان تلميذا إسلاميا في فترة تعليمه الثانوي، وذلك أمر دارج في تلك الفترة من حيث التحاق شباب بالتنظيمات السياسية على غرار أن “مهدي جمعة” و”زياد لخضر” و”برهان بسيس” كانوا قريبين وعناصر منتمية لتنظيمات إسلامية على غرار “حزب التحرير” و”الاتجاه الإسلامي”، والحقيقة في انتظار التفصيل في الفقرات اللاحقة من مقال الحال وفي انتظار دراسات استقصائية للمعطيات والوثائق نعتزم استكمال نشرها بداية السنة القادمة، أن “عبير”  تحقد على “الغرياني” لأنه كان أعلى منها في مركزية الحزب ولأنه كان متقدم عليها في كل شيء، ولأنَّه أيضا لم يسقط في الوظيفية ومربعات القذارة لا قبل الثورة ولا بعدها كما أنها تكرهه وتحقد عليه أكثر لأنه أيضا أقرب لجيلها والا لاضطرت لكُره المئات والآلاف داخل الحزب الحاكم ممن كانوا على علاقات ودية مع قيادات “نهضوية” وفي حد أدنى يرفضون اقصاء الإسلاميين بدء بــــــ”جلولي فارس” مرورا بـــــــ”محمد مزالي” ومصطفى الفيلالي” و”امحمد جنيفان” وصولا لـــــــــ”حامد القروي” و”الهادي البكوش” و”الشاذلي النفاتي”، وكيف تؤسس حزبا مع قيادي دستوري – أي حامد القروي- ابنه كان قياديا في حركة النهضة بل وكان يرفض ما تروج له هي اليوم…

 

** “مسيرة ملتبسة” مقابل “مسيرة متنوعة”

ممَّا لاشك فيه أن “عبير” تُخفي جزء مهم من مسيرتها وقصة التحاقها بالتجمع المنحل وقيامها لاحقا بأدوار وظيفية اُختيرت لها بدقة من قبل بعض وزراء المخلوع، كما أنها قامت بأدوار قذرة وتشويشية على السياسيين كما مدحت وتغنت بطرق مبالغ فيه بالرئيس المخلوع وحاشيته الحزبية والعائلية والاستشارية، وكل ذلك عمليا يتناقض مع جزء من شخصية “الغرياني” والذي تقلد مناصب إدارية في الدولة بناء على أدائه وتفانيه على غرار اشرافه على ولاية “سيدي بوزيد” أو “السفارة التونسية في لندن” أو “الأمانة العامة للحزب” بين سنتي 2008 و2011، وكل ذلك يعني أن لها مسيرة ملتبسة وغامضة وجزء مخفي ومتستر عليه ولا تريد تسليط الأضواء عليه وهو ما يقابله لدى الغرياني – الذي تحقد عليه- مسيرة متنوعة بغض النظر عن تقييم بعض محطاتها ـو عن إمكانية ارتكابه لأخطاء سياسية بعينها، وهو أمر يربك “عبير” ويُوترها كلما تذكرت ذلك أو رأت الغرياني في الصحف أو على القنوات أو تستمع اليه في الإذاعات فبما بالك أن تراه مستشارا أولا لرئيس المؤسسة التشريعية بل ومكلفا بالمصالحة أي باحثا عن دفتن آلام الماضي ولكشف ملابساته وكل أسراره…

 

** “محيط هش سياسيا وفكريا” مقابل “محيط محافظ ومعتمد على ذاته”

 

ممّا لا شك فيه أن أيّ مُقارنة بين الشخصيتين لن تكون في مصلحة “عبير” بغض النظر عن مجال التفاصيل في المقارنة، ذلك أن محيطها هش سياسيا وفكريا بدء بها، فهي لم تكتب ولو نصا وحيدا لا سياسيا ولا فكريا ولم تكن تفلح إلا في التغني بالمخلوع (“الزغرطة” أساسا) ومن حوله كما أنّها مختصة في “الولولة” وفي التشويش على اجتماعات المحامين والحقوقيين، أما زوجها فينتقده عشرات المدونين بناء على انهم يرون أنه يوظف صفته الأمنية أولا  وبناء على أن له صفحات على الشبكة الاجتماعية يوظفها ضد خصومها، كما أنه مُتَّهم من طرف عديدين بسب محامين على غرار الأستاذة “وفاء الشاذلي”  والإعلامية “بثينة جبنون”، بينما الغرياني “سوسيلوجي” الاختصاص وزوجته أستاذة جامعية في الانثروبولوجيا (وقع انتدابها بعد سنتين بعد الثورة تحديدا)، وبعد الثورة اعتمدت “عبير” على لعب أدوار وظيفية واصطفافية واستقالت مبكرا من “التجمع” اثر الثورة مادحة إياها لتعود بعد سنتين لسياسات وخطط ترذيلها عبر ركوب موجة الثورات العربية المضادة ومعلوم أيضا أنها تسببت قانونيا واجرائيا في التسريع بقرار حل التجمع قبل أن تعود لركوب موجته، بينما احترم الغرياني محيطه المحافظ والهادئ ولم يتسرع في أي خطوة بل وسجن عندما رفض الانصياع للضغوط الندائية، ثم انضم للهياكل الوسطية لحزبي “المبادرة” و”تحيا تونس” قبل أن ينسحب في هدوء، وكل ما سبق وتّر “عبير” أكثر، وأصبحت لها عقدة من رجل هادئ ولا يرد على اتهاماتها المجانية والمجانبة للصواب مؤمنا أن السياسة بخواتمها…

 

 

** “وظيفية وانتهازية وعدم مبدئية” مقابل “نقد ذاتي وواقعية وفاعلية”

عمليا لا يُمكن إحصاء القذارات السياسية لـــــــــ”عبير” وحزبها، وإلا ماذا يعني ممارسة “الاقصاء” و”الطرد” و”البلاهة” ومن ثم السقوط في أتون “الوظيفية” المقيتة لا محليا فقط بل أن تلك الوظيفية امتدت للمربعات الإقليمية والدولية، وما أتته وتأتيه “عبير” اليوم في الحقيقة ليس غريبا عنها فهي نتاج طبيعي وابن بكر لمن نشأ سياسيا في مربعات “استفيد”، وأيضا ممارسات افساد نشاط المحامين بين 2001و2007 ونقل الأخبار للتنقّل بين المناصب المركزية في الحزب والدولة (أمينة قارة – مستشارة للوزير الأول سنة 2010)، والحقيقة أن من كان مثاله يوما الرئيس المخلوع “زين العابدين بن علي”، ليس غريبا عليه أن يكون أبلها وتافها وقذرا ووظيفيا لا في السياسة فقط في كل مربعات الفعل الإنساني، ومقابل ذلك وحتّى ان اخطأ الغرياني سياسيا اثناء فترة الرئيس المخلوع  عبر الصمت على كوارث وممارسات، فان الثابت أنه سارع فعليا من خلال استقراء تصريحاته الى نقد ذاتي لمسيرته ولعل عدم تسرعه في تولي مناصب مركزية وقيادية للأحزاب التي التحق بها بعد الثورة دليل على واقعيته وأنه فاعل ولكن بروية وهدوء وهو الأمر الذي عمق حقد عبير عليه الى درجة أن البعض في الحزب اكد انه حقد دفين وغريب الأسباب والخلفيات، ويؤكد البعض في روايات عدة أنه رفض ظهر 14-01-2011 الانتقام من الثوَّار في شارع الحبيب بورقيبة عبر رفضه هجوم عصابات حزبية كان جاهزة لفعل ذلك…

 

** “بلاهة سياسية واصطفاف إقليمي” مقابل “صبر وفطنة”

“التافه” تعريفا هو ذلك الذي يقول أو يفعل أي شيء في غير محله زمانيا ومكانيا بل وبعيدا عن الجدية المطلوبة، أو هو موضوعيا من يأتي أفعالا وأقوالا لا قيمة قيمية لها في ذهن القريبين منه، وعمليا تنطبق هذه المفاهيم قياسيا على مواقف وأفعال وتصريحات وتدوينات وفيديوهات “عبير العمدوني” حتى أنها لا تسمح لأعضاء الحزب ونوابه بالتصريح الا بعد استشارتها كما لا تترك لهم  هامشا للفعل سياسيا واعلاميا، والخلاصة أن ما ـتأتيه صاحبة كل المناصب في حزبها تتفيه مُمنهج ومقصود للسياسة والسياسيين وسقوط مُدمّر في أداء أدوار وظيفية مقيتة لمنهج يمكن القول أنه صهيوني الملامح والارتسامات في الإقليم، مما يعني أنها أقرب للتفاهة الممجُوجَة سلوكا وهي في الحقيقة لا تُحقق أي انجازات تُذكر بل ان ما تأتيه منذ أسابيع يمحو فعليا ما حققته من تجميع كبير لأدوات التجمع الوظيفيين، والحقيقة أن “عبير” فلكلورية في مواقفها، وأن تلك المواقف لا ترُوق إلّا لمن هم مرضى نفسانيا – بالمعنى السياسي-  بل أن الثابت أنه لم يعد يُناصرها إلا قلة قليلة من النخب على غرار بعض مساعدي المخلوع أو منظريه (مثال “الصادق شعبان”)، أو بعض اليساريين المُتيَّمين بالإقصاء والاستئصال لخصومهم الفكريين والسياسيين – “الستالينيون الجُدد”- وما سبق من وصف لشُبه السياسية “عبير” يفسر كمية الحقد والكره  تجاه مُديرها الأسبق في مركزية الحزب الحاكم  وسط العقد الأول من الألفية عندما كانت تطلب منه الاستشارة وتنتظر قراره الحاسم أو عندما يُعيدها بعض أعضاء الديوان السياسي الآخرين إليه ليتخذ قرارا  في أمرها أو اقرارا او نفيا لحاجتها خاصة وأنه عرف عليه الفطنة والصبر والتجلّد…

المصدر : اسبوعية ” الراي العام ” بتاريخ 10/12/2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى