أخبار

وثيقة اتحاد الشغل لحوار وطني: مبـادرة للخـروج من الأزمـة في اتجاه خيارات وطنية جديدة

– النص الكامل للمبادرة التي اقترحها الاتحاد العام التونسي للشغل على رئيس الجمهورية-

التي الوثيقة سلمها يوم الاثنين الأمين العام للاتحاد نور الدين الطبوبي لقيس سعيد رئيس الجمهورية.
1 – وضع دقيق ومنذر بأخطار جسيمة على الدولة والوطن
«تعيش تونس اليوم على وقع أزمة غير مسبوقة وفي منتهى الخطورة على جميع المستويات السياسية والاجتماعيةوالاقتصادية والأمنية والمجتمعية، ازدادت تأزّما وتعقيدا بعد تفشّي جائحة الكورونا في موجتيْها الأولى والثانية.
وقد ساهمت أزمة الحكم والتشتّت الحزبي، والتنافر الملحوظ بين السلط وعدم شفافية تمويل الجمعيات والأحزاب في ارتفاع منسوب الاحتقان والتوتر بين النخبة السياسية وبين مؤسسات الدولة ووفي تنامي الصراعات العبثية والعنيفة تحت قبّة البرلمان حتّى صار العمل داخله ما يشبه المستحيل، وأصبح المزاج الشعبي سلبيا ويسوده فقدان الثقة في السياسي والخوف من المستقبل وتطغى عليه مشاعر الإحباط والنّفور من الشّأن السّياسي العام وتواصل العُزوف الانتخابي والخوف من المستقبل.
كما أدّت سياسات التهميش للعديد من مكوّنات المجتمع المدني التي طالما كانت في الصفوف الأولى للنضال ضدّ الاستبداد إلى الحيلولة دون تقديم بدائل ذات مصداقية تتلاءم مع استحقاقات الثورة وانتظارات التونسيين فضلا عن انخراط بعضها في الحسابات السياسية والمصالح الضيقة.
وقد مثّل غياب الحوْكمة السياسية الجدية والانخرام التام للمناخ السياسي هيكليا ومؤسّساتيا وأخلاقيا، وهو ما يتّضح جليّا من خلال عدم ملاءمة النظامين السياسي والانتخابي لخصوصية وهشاشة التجربة الديمقراطية بتونس، عائقا إضافيا أمام حلحلة الأوضاع، وبالتوازي بان واضحا أنّ الدستور التونسي يتضمّن العديد من الهنات التي بات من الواجب مراجعتها على نحو هادئ ومسؤول. وزاد الفشل في استكمال مسار الانتقال الدّيمقراطي وتركيز المؤسّسات الدستوريّة وعلى رأسها المحكمة الدّستوريّة من تعميق الأزمة السياسية.
ويمكن الجزم أنّ الحكومات المتعاقبة قد عجزت عن تجسيد الاستحقاقات الاجتماعيّة والاقتصاديّة الفشل التّي نادت بها ثورة 17 ديسمبر 2010 – 14جانفي 2011.
كما لم يتمّ استثمار حُصول تونس ممثّلة في الرّباعي الرّاعي للحوار الوطني على جائزة نوبل للسّلام سنة 2015 بما يمكّن من تسويق نجاح النّموذج الدّيمقراطي التّونسي وزرع الثقة مع المحيط الإقليمي والخارجي لدعم هذه التجربة. والعجز نفسه ينطبق عند الحديث عن العقد الاجتماعي لسنة 2013 إذ لم لم يتمّ العمل على ضمان أكبر قدر من الإجماع بين مختلف الشّركاء الاجتماعيين.
كلّ هذه العوامل كانت سببا رئيسيا في:
– استهلاك معاني كثيرة كالإصلاح ورفع استحقاقات الثورة ومحاربة الفقر والفساد والنهوض بالاقتصاد والتنمية الجهوية والتشغيل بإفراغها من معانيها السامية بشكل اهتزت معه ثقة المواطن في الدّولة ومؤسّساتها التي باتت مستهدفة على نحو ممنهج مع تراجع منسوب الثقة بين مختلف الأطراف إضافة إلى الصعود اللاّفت للحركات الشعبوية العنيفة وبروز النعرات الجهوية والفئوية والتفكّك الواضح للنسيج الاجتماعي التونسي والتنافر العدائي داخل نخبه.
– تنامي خطاب العنف والكراهية واستشراء الفساد وتغوّل اللوبيات وأصحاب النفوذ وتفشّي العنف والإرهاب، ممّا زاد في ضعف الدولة وعجزها.
– تقهقر صورة تونس على الصعيد الدولي وضعف دورها الإقليمي والارتباك الواضح في سياساتها الديبلوماسية وفقدان مصداقيتها لدى مختلف الشركاء الدوليين بما انعكس سلبا على مناخ الأعمال من خلال التراجع الرهيب للاستثمار الدّاخلي والخارجي علاوة على تواتر العديد من التصنيفات السيادية السلبية.
وقد أضحت الأزمة غير المسبوقة التي تعيشها تونس تهدّد سيادة البلاد ووحدة ترابها الوطني ومكاسب دولة الاستقلال كمدنية الدولة والمنظومات العمومية كالتعليم والصحة… بما ينذر بتنامي ضعف الدولة وتلاشي مقدراتها واختراق بعض مفاصلها من طرف قوى الفساد واللوبيات ويؤشّر بقرب تفكّك الدولة وانفجار الأوضاع ودخول البلاد في دائرة المجهول كالمسّ المباشر بالسلم الأهلي والأمن القومي خاصة أنّها مازالت في مرمى الإرهاب الذي يبقى تهديدا جدّيا وقائم الذات.
وحيث كشفت العشرية الحالية عن العجز الواضح للطبقة السياسية على الصّعيد العملي والأدبي في التوافق حول أسس الإصلاحات وطبيعتهــا ومضمــونها ومجالاتها وترتيب الأولويات وإدارة الشأن العام الوطني المتأزم بمختلف أبعاده السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية والمجتمعية والقطاعية والبيئية.
وقد ألقت هذه الأزمة بظلالها على كلّ مناحي الحياة وعلى الوضع العام ممّا أصبح ينبئ بانفجار اجتماعي قد تكون كلفته باهضة وغير محمودة العواقب.
2 – حتمية المبادرة
وانطلاقا من الوعي التام بالخطورة البالغة للمرحلة، والتزاما منه بدوره الوطني التاريخي وعملا بثوابته الوطنية، وحيث ما زال التدارك ممكنا قبل فوات الأوان، فإنّ الاتحاد العام التونسي للشغل وهو يؤكّد على وجوب عقلنة إدارةالشأن العام الوطني ومعالجة القضايا بدرجة عالية من المسؤولية والوطنية ومن موقع المسؤولية الوطنية والتاريخية، ومن منطلق الحرص على تجنيب البلاد مخاطر الانزلاق نحو الفوضى، يتقدّم بمبادرة سياسية، نعتقد أنّها تشكّل أرضية واقعية ومناسبة للخروج من هذه الأزمة الخانقة وباعث أمل لكلّ التونسيين نحو مستقبل أكثر إشراقا وانطلاقا لكسب كلّ رهانات التنمية على قاعدة النأي بالبلاد عن كلّ الحسابات السياسية الضيّقة وضبط أولويات المرحلة في أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وهي مبادرة مفتوحة على كل القوى الوطنية التي تؤمن بالدّولةالمدنية الديمقراطية الاجتماعية وتنبذ العنف وترفض الإرهاب وتدافع عن السيادة الوطنية ولا تصطف مع الأحلاف الخارجية مهما كان عنوانها، وعليه يتوجّه الاتحاد العام التونسي للشغل في هذا الصدد إلى السيد رئيس الجمهورية، باعتباره الضامن لتطبيق الدستور ولوحدة البلاد والسّاهر على أمنها وسلامة شعبها وأرضها، أن يحتضن هذه المبادرة ويقوم على الإشراف عليها وعلى توفير شروط نجاحها.
ويدعو الاتحاد العام التونسي للشغل كلّ الفاعلين السياسيين المعنيين بإنقاذ تونس وباقي المنظمات الوطنية وقوى المجتمع المدني وكلّ الكفاءات في الداخل والخارج من شخصيات وطنية وقامات أكاديمية وعلمية إلى الانخراط في حوار جدّي ومسؤول لتحديد جملة من الخيارات الوطنية وضبط الإستراتيجيات وترتيبها في شكل أولويات عاجلة ليقع تبنّيها من قبل كلّ التونسيات والتونسيين.
3 – محاور الاهتمام المشترك
ويمكن إجمال أهمّ المحاور التي سيدور حولها الحوار في ما يلي:

  • في الجانب السياسي:
    إنّ ما تمّ اعتماده كنظام سياسي للجمهورية الثانية، والذي على قاعدته تشكّلت الخارطة السياسية قد أفضى إلى مشهد شديد التعقيد والتنازع على مستوى الصلاحيات والأدوار وأدّى على شلل أجهزة الدّولة وخلق جوّا من الاحتقان والتوتّر العالي في مختلف مؤسّسات الدولة وانعكس سلبا على مختلف الفئات والقطاعات والجهات…فضلا عن تأثيره الكارثي المباشرعلى الوضع الاقتصادي الهشّ أصلا ببخلقه مناخات غير ملائمة للاستثمار النمو فضلا عن التنمية،وهو ما يجعل الدعوة ملحّة وأكيدة إلى:
    1 – تقييم شامل للنظام السياسي تعديلا أو تنقيحاأو تغييرا.
    2 – تقييم قانونيْ الأحزاب والجمعيات.
    3 – تقييم القانون الانتخابي وتعديله بما يحقّق تماسك الحياة السياسية وتوفير كل ضمانات الممارسة الديمقراطية التي تقطع الطريق أمام المال السياسي الفاسد والجمعيات المشبوهة والتوظيف الإعلامي الرخيص لترذيل الممارسة السياسية والنيل من أعراض الفاعليين السياسيين.
    4 – تحييد المرفق القضائي وإصلاحه دفاعا عن استقلاليته وتحقيقا للعدل واستكمال إحداث المحكمة الدستورية بعيدا عن المحاصصة الحزبية التي ترتهن مؤسّسة من أهمّالمؤسّسات الدستورية وتضرب استقلاليتها وتمسّ من قدرتها على تحقيق العدل.
    5 – تقييم أداء الهيئات الدستورية المنتخبة وتحقيق كلّ شروط الحياد فيها وشروط عدم السقوط في تداخل للأدوار والصلاحيات مع مؤسّسات الدولة الأخرى.
    6 – تقييم تجربة الحكم المحلّي ومراجعة قانون الجماعات المحلّية بما يخلق التوازن بين عقلة السلطة المحلّية ويضمن احترام الدستور ووحدة الدّولة.
  • في الجانب الاقتصادي:
    أمام حالة التخبط التي عاش على وقعها اقتصادنا الوطني نتيجة لغياب رؤية استراتيجية واضحة في ظلّ التحوّلات المتلاحقة وطنيا ودوليا وفي ظلّ عجزنا عن مواكبة نسق هذه التحوّلات، وخاصّة في ظلّ عدم تحقيق حالة من الإجماع الوطني على منوال تنموي جديد يأخذ في الاعتبار فشل المنوال التنموي المعتمد منذ عقود وعدم قدرته على الإجابة عن كلّ الأسئلة الحارقة واكتفائه بتقديم المسكّنات والحلول الترقيعية التي لا طائل منها. ولعلّ المؤشّرات الاقتصادية المتردّية والترقيم السيادي السلبي ووضعية المالية العمومية المهترئة التي أصبحت معلومة لدى عموم الشعب التونسي هي أبلغ دليل على هذا الفشل المدوّي وعلى انعكاساته المدمّرة على حياة المواطن وعلى قدراته الشرائية وصحّته وتعليمه ونقله..يضاف غليها جميعا تفشّي الفساد والاحتكار والتهريب واستشراء التهرّب الضريبي والاجتماعي وتنامي السوق السوداء على حساب الاقتصاد المنظّم بما يدعو إلى:
    1 – الإسراع بفتح حوار وطني مؤسّس لمنوال تنموي جديد دامج ومستدام وعادل يكرّس العدالة الاجتماعية والجبائيّة والتّوزيع العادل للثّروات.
    2 – تقييم الواقع الاقتصاد الوطني.
    3 – تدقيق المالية العمومية.
    4 – دعم المؤسّسات العمومية وإصلاحها.
    5 – القيام بالإصلاحات الجبائية المستعجلة والمستعجلة.
    6 – تثمين الاقتصاد الاجتماعي التضامني والإسراع بإصدار النصوص الترتيبية والإجراءات العملية الخاصة به.
  • في الجانب الاجتماعي:
    لطالما حلم التونسيون بالدّولة الديمقراطية الاجتماعية التي تحقّق كرامتهم وترعى حقوقهم ومكتسباتهم وتجسّم آمالهم في تحقيق العدالة الاجتماعية وحيث سجّلنا خلال السنوات الأخيرة ارتفاعا مفزعا في نسب الفقر والبطالة وخاصّة في صفوف حاملي الشهائد العلمية وتزايدا مهولا في معدّلات التسرّب المدرسيوتوسّع رقعة الفئات الهشّة وتزايد حالات الانتحار والهجرة غير النظامية وتنامي منقطع النظير للجريمة بأنواعها بما شكّل حالة من الاحتقان الاجتماعي الشديد نتيجة الشعور بالغبن والتهميش وانعدام المساواة.
    وعليه فإنّ الأولوية المطلقة يجب أن تتوجّه إلى هذه الفئات الاجتماعية الهشّة باعتبارها من أوكد الخطوات الواجب ترجمتها بإجراءات عملية تتنزّل في إطار التصوّر التنموي العام حفاظا على حقوقهم وعلى كرامتهم وتقطع في الآن نفسه مع الأشكال والأساليب المعتمدة في الأنظمة السابقة من هشاشة وحلول ترقيعية، ويكون ذلك وفق ما يكفله الدستور من حقوق لكلّ التونسيين وفي مقدّمتها الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
    إنّ جميع المسائل المثارة اليوم داخل المجتمع التونسي، والتي لا مفاضلة بينها اعتبارا لأهمّيتها جميعها، تظلّ مطروحة للحوار بين القائمين عليها والفاعلين فيها والتي من الواجب أن توفّر لها السياقات المناسبة بضمان مخرجاتها ولتفادي الانفجارات الاجتماعية غير المضمونة العواقب.
    وتبعا لذلك يقترح الاتحاد العام التونسي للشغل على السيد رئيس الجمهورية إرساء هيئة حكماء- وسطاء (من كافّة الاختصاصات) من الشخصيات الوطنية المستقلّة تعمل تحت إشراف رئاسة الجمهورية.
    وتتولّى الهيئة التي لا يمكن لأعضائها بأيّ حال من الأحوال تحمّل مسؤوليات سياسية أو الترشّح للانتخابات المقبلة، إدارة الحوار وتقريب وجهات النّظر والتّحكيم بين كلّ الأطراف المعنيين.
    كما تعمل الهيئةعلى تلخيص كافّة التصوّرات والمقترحات العملية والقابلة للتطبيق لمختلف الأطراف المعنية في كلّ المجالات في شكل تأليفي يحمل رؤية واضحة وأهدافا دقيقة ومحدّدة في الزمن بعد إنجاز:
    • مصفوفة أوّلية تبرز مختلف المقترحات والتوافقات والاختلافات.
    • مصفوفة للتّوافقات ومدّة الإنجاز والمسؤول عن الإنجاز.
    • مصفوفة الاختلافات واقتراحات الهيئة لتجاوزها وعقد اجتماعات مع المعنيين بالأمر.
    • مصفوفة لاقتراحات المواطنات والمواطنين.
    • عقد اجتماع موسّع للتوافق النهائي والمصادقة على الشكل التأليفي وإعداد مصفوفة الإنجاز النهائي.
    • إعداد استراتيجية تواصل واتّصال من أجل تبنّي مواطني للمخرجات.
    • وضع الأسس الأوّلية لصياغة تعاقد مجتمعي (عقد مجتمعي) جديد يحدّد الحقوق والواجبات لكلّ الأطراف ولكلّ المواطنات والمواطنين.

الاتحاد العام التونسي للشغل

للاطلاع على رابط الخبر : اضغط هنا

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى