رأي

بعيدًا عن النواح : الحبيب بوعجيلة

نص مميز للصديق Mohamed Bettaieb
بعيدًا عن النواح الإعلامي، يطرح الكامور كحركة احتجاجيّة مجموعة من الأسئلة السوسيولوجية المعقدة والمتداخلة. فبعيدًا عن الموقف من الحراك في حد ذاته أو تعامل الدّولة معه أو حتى الموقف من الاتفاق النهائي، وخارج المربعين الصغيرين “مع” أو “ضد”، يبدو الكامور حالة استثنائيّة في تاريخ تونس “الاحتجاجي”. فمن جهة هو ينتمي لنسق جديد (عالمي) في الإحتجاج الجماهيري، ومن جهة هو تقريبًا الحركة الاجتماعية الأولى في تونس التي تحقق أهدافها بشكل صريح.
إن تاريخ الاحتجاج الاجتماعي في تونس هو تاريخ “عنف الدّولة”، وتاريخ “هزيمة” الجماهير والمطالب الاجتماعية، أمام آلة العنف “الشرعي”. فطيلة عقود (وحتى قرون) كانت الدّولة تواجه الاضطرابات الاجتماعية والاحتجاجات المطلبية بقوّة العنف المادي وقوّة النص القانوني الجامد وبعنف الاجراءات العقابيّة اللاحقة، ولا يذكر التاريخ الوطني شواهد كثيرة لـ”انتصار” الجماهير ومطالبها الاحتجاجيّة أمام قوّة وعنف الدّولة ونموذجها القهري.
الكامور أيضًا هو سؤال عن معنى الدّولة وأدوارها الوظيفيّة. وهو سؤال قد يُطرح أيضًا خارج مربّع الكامور، ولكن داخل ما تفرضه اكراهات التحولات السياسية الحاصلة وحتى تحولات النصوص الدستوريّة والقانونية في علاقة بالشكل الجديد للنظام السياسي وفي علاقة بما هو قائم من تذويب للمركزيات التقليدية في السلطة التنفيذية والتنظيم الاداري.
فعندما يتحدّث الدّستور -مثلا- عن اللامركزيّة، وبغض النّظر عن الموقف منها، فإنّ ذلك يستوجب (منطقيًا تحت مظلة الاحتكام للدستور وسلامة تطبيقه) إعادة تحيين الجهاز المفاهيمي الإجتماعي والسياسي كاملاً وإعادة تصوّر أشكال العلاقات المكوّنة للتعاقد الجديد.
الكامور لا يمكن عزله عن سياق كامل (فكري وسياسي)، أزعم أنه عالمي، سياقٌ من التحولات المتسارعة على عدّة أصعدة، تفرض نسقها المرهق جدًا على مختلف المشتغلين في شتى حقول مباحث العلوم الانسانية. وهو ما يلقي حملاً ثقيلاً خاصة على علماء السياسة والاجتماع، لرصد حركة التحولات وتفاعلاتها وما تنتجه من نظريات ومفاهيم.
وطنيًا، يطرحُ الكامور، مشكلتين رئيسيتين، أولهما هذا النظري المعرفي في علاقة بما سبق من أهمية الاشتغال السوسيولوجي لتحليل الحراك وفهمه وفهم سياقاته وتفاعلاته الداخلية وتوابعه، والثاني هو ما يصوّره الاعلام والنخب التقليديّة من خشية من “انتشار” الاحتجاجات الاجتماعية.
والحقيقة، فإنّه وبغض النّظر عن كون الاحتجاجات الاجتماعية أصبحت (وكانت ولا تزال) خبزًا يوميًا في تونس، قبل الكامور وبعده، إلاّ أنه لا يمكن التعامل مع هذه الخشية بدون امتلاك الفهم السوسيولوجي والعلمي لـ”ظاهرة الكامور” لفهم مدى قابليتها لـ”الانتشار” وخاصة لفهم الطريقة المثلى والعقلانية والعلمية للتعامل مع مثيلاتها مستقبلاً.
المنتقدون لاتفاق الكامور، ينفقون نواحهم الإعلامي في التنديد بما قامت به الحكومة من توقيع لاتفاق تنموي مع أطراف اجتماعية ومجتمعية وأهليّة، ولكن بدون أن يقدموا أي بديل آخر، أو أن يقولوا بشجاعة ووضوح ما كان يفترض بالدّولة أن تفعله في تطاوين. اختزالية مروعة في حصرها الضيق للدّولة في قالب اسمنتي جامد وصلب قهري ومتعال ومنفصل وعنيف.
ألا يطرحُ الكامور أيضًا أسئلة حول أشكال الاحتجاج الاجتماعي الجديدة في تونس. وأخرى تدور حول الشكل التنظيمي والتمثيلية الشعبية والصياغة المطلبية والشرعية التفاوضيّة ..الخ الخ؟ أليس طارق الحدّاد نفسهُ سؤالا سوسيولجيًا حول “الوجاهة الاجتماعية” والقيادة الاحتجاجية والانتخاب الشعبي أو الاختيار الجماهيري للقيادة التمثيليّة؟ التنسيقيّة نفسها أليست سؤالا سوسيولوجيًا مقترنًا بآخر سياسي يبحثان عن طبيعة التشكّل والشرعيّة والتوازنات الفعلية التي تبني الجسم الاجتجاجي وتمثيليته القياديّة؟ ثمّ هل يمكن دراسة كل ذلك بمعزل عن البيئة الاجتماعية الحاضنة في تطاوين وطبيعتها الخاصة والمتفردة. وبمعزل أيضًا عن فهم دور الدّولة -إياها- قديمًا وحديثًا ومستقبلاً في تأبيدها أو تغييرها.
كيف يمكنك أن تفهم احتجاجات أخرى مشابهة بالنواح الإعلامي الهستيري وبالتمترس خلف المفاهيم المدرسيّة الميتة لمعاني الدّولة وأدوارها ووظائفها في عالم متبدّل ومتسارع ومشتعل بالحركات الاحتجاجية الشبيهة من باريس “السترات الصفراء” إلى أمريكا إلى غيرها؟
هل يكفي النواح لفهم الظواهر؟ لا، العلم وحده هو من يقوم بذلك..

Partager

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى