تحاليل

هل يبحث “محمد عبو” عن دور “وظيفي” جديد؟ (4من4)  

علي اللافي – كاتب ومُحلل سياسي

 

*** تمهيد

 تعرضنا في الجزء الأول من هذه الدراسة لوظيفية الفاعل السياسي “محمد عبّو” وكيف أسس حزبه الجديد بناء على ما هو ذاتي في تجاربه السياسية السابقة وخلصنا في ذلك الجزء الأول من الدراسة الى وظيفيته كحزب وقابلية هياكله وبعض قياداته للعب أدوار وظيفية بعينها، أما في الجزء الثاني فقد بيّنا عبر أمثلة ثلاث مدى تلك الوظيفية بين سنتي2014 و2019 وتفاصيل ذلك في مختلف المحطات الرئيسية في تلك المرحلة بينما استعرضنا في الجزء الثالث وظيفية عبو وحزبه ووظيفية الكتلة الديمقراطية بين أكتوبر 2019 وما بعد مرحلة تشكيل حكومة “المشيشي”…

 

  • في هذا الجزء الرابع والأخير فقد استعرضنا وظيفية “محمد عبو” أثناء وبعد تشكيل حكومة “المشيشي” ومن ثم تبيان وظيفية محمد عبو والكتلة الديمقراطية منذ بداية سبتمبر الماضي حتى الآن، ولنجيب في الأخير على السؤال الرئيسي للدراسة أي: هل يبحث محمد عبو عن دور وظيفي جديد؟ وفي الأخير استشراف مستقبل عبو سياسيا ومستقبل حزبه وأيضا مستقبل الكتلة الديمقراطية…

 

 

*** وظيفية “محمد عبو” وحزبه أثناء تشكيل حكومة المشيشي

 

          مما لا شكَّ فيه ان ثورة الحرية والكرامة قد مكنت كل النخب والأحزاب والمنظمات، من أن تكون مواقفها حُرّة وأن تتحالف مع أي طرف سياسي ترى انه يخدم مواقفها وسياساتها المرحلية والاستراتيجية، ولكن ما يُعاب على بعض أحزاب ومكونات أنها ساهمت في ترذيل السياسة والعمل النيابي وعطلت بشكل او بآخر مطالب تحقيق اهداف الثورة واستكمال مهامها ومن بين تلك السقطات التي أتتها كثير من الأحزاب وحتى المنظمات الوطنية: هو السُقوط في أداء أدوار وظيفية لأطراف إقليمية أو دولية أو حتى لأساطين الدولة العميقة وللثورات المضادة العربية وبالتالي المساهمة في تحقيق مراميها التعطيلية للانتقال الديمقراطي في البلدان العربية وخاصة الشمال افريقية، ولعل مواقف حزب التيّار الديمقراطي وقياداته أثناء تشكيل حكومة هشام المشيشي واثناء التصويت عليها مثال دال ومعبر عن كل ذلك، فمواقف التيار خلال تلك الفترة أمر مُلفت للأنظار لا من حيث الموقف فقط، بل أيضا من حيث أشكاله وآليات تنزيله عبر التصريحات وعبر الاصطفاف لهذا الاسم أو الطرف أو ذاك  والا ماذا يعني اقتراح والعمل على ادامة حكومة الفخفاخ بعد استقالتها وتحولها لحكومة تصريف أعمال وذلك عبر محاولة اسقاط حكومة “المشيشي” والعمد لمحاولة تنفيذ خطة/سيناريو  اقالة “الفخفاخ” وتعويضه بوزير المالية يومها “نزار يعيش” أو بـــــ”محمد عبو” بالذات، وكل ذلك رسخ الانحراف السياسي في مواقف التيار وحليفه وشريكه في الكتلة الديمقراطية (أي حركة الشعب الناصرية) اثناء اجتماع القصر الخاص بالأحزاب قبل يوم واحد من التصويت على حكومة المشيشي، بل أن الامر لم يقف عند الوظيفية وتجاوزه الى العقلية الانقلابية البحتة يومها وكرسته عمليا وميدانيا مواقف نواب الكتلة الديمقراطية وهي مواقف أخذت منحى وظيفي مباشر ومتناغم مع قوى سياسية كان ينتقدها على غرار حزبي “تحيا تونس” و”الدستوري الحر” وكتلة “الإصلاح” وأيضا عبر التناقض مع مواقف كان يُندد بها (“طبيعة وحرج المرحلة اقتصاديا واجتماعيا” كمثال للذكر لا الحصر)، والحقيقة أن التيّار بقي أسيرا لمربعات تأسيسه ثم تحالفه اللاحق مع “حزب التحالف الديمقراطي” ثم ضم أعضاء هذا الأخير  للحزب سنة 2019، ثم لاحقا محاولة حشر بعض خصوم في الزاوية وفقا لمنهجية الاصطفاف غير المباشر إقليميا ودوليا وبدى الحزب وزعيمه مُرتبكين كثيرا أثناء مُشاورات تشكيل الحكومة وقبل اختيار رئيسها المُكلّف يومها (اقترح الحزب وكما ذكرنا سابقا الثلاثي “الحامدي”، “الشواشي” و”عبو” لرئاسة الحكومة بعد اسقاط حكومة الفخفاخ أو ما قيل أنه استقالة لها…)

 

*** هل يبحث محمد عبو عن دور وظيفي جديد؟

 

  • عشية توضّح مُرور حكومة “المشيشي”، سارع “محمد عبو” إلى الإعلان عن استقالته من الأمانة لحزبه وتمسكه بها وجاء ذلك بعد خطوات هتشكوكية اجرائيا واداريا واعلاميا تحت مظلة ولافتة محاربة الفساد وهو الذي لم يعطي قيمة حتى لسيارة الدولة اثناء توليه حقيبة وزارية في حكومة الفخفاخ ، ذلك أنه يتركها مساء كل يوم عبر عدم وضعها في مكان يحميها من كوارث التعطيل والإهمال والطقس بل يعمد ان يتركها عرضة لذلك قريبا من سكنى عائلته في أحد أحياء العاصمة…

 

  • كل ما سبق من معطيات في هذه الدراسة، يؤكد ويعني أن الرجل كان وظيفيا في كل ممارسة سياسية مباشرة منذ 2012 بغض النظر عن الوعي وعدم الوعي السياسي بما يأتيه وهل هو يتحرك بناء على سلوك سياسي استراتيجي او بناء على ردود أفعال ورغبات سياسية تكتيكية سواء كانت شخصية او حزبية أو بناء على رغبة نواب الكتلة واصطفافتهم الايديولوجية والإقليمية؟، وهو ما يحيلنا الى التساؤل هل أصبح الرجل يبحث عن دور وظيفي جديد في إطار تلك الهستيريا التكتيكية سياسيا واجتماعيا واعلاميا؟

 

  • الثابت أن فكرة عامة أصبحت راسخة لدى كل النخب والرأي العام التونسي وخاصة السياسي منه وهي أن “محمد عبو سياسي متسرع مربك لحلفائه أكثر من خصومه”، ولعل ارباكه لحكومتي الترويكا الأولى والثانية (استقالته السريعة من الأولى وهروبه المفاجئ من الثانية ليلة الإعلان عنها)، وقبل ذلك ارباك حزب المؤتمر قبل وبعد الثورة وأيضا بعد توليه الأمانة العامة فيه، ثم آليات وطرق وزمن تأسيسه لحزب التيار ثم اعتماده منطق تحويل الشواشي الى “مدفيف” التيار (تمكينه من الأمانة العامة كلما هرب منها عبو)، وقبل كل ذلك عمده نهاية سنة 2012 إلى تشويه وزير الخارجية الأسبق “رفيق عبدالسلام” وغيره من رافقه في الحزب عبر مجموعة كونها وبعثها داخل “التيار” وتحديدا عشية مؤتمر الحزب في القيروان (في 2011)، ومن الواضح بناء على كل ذلك وغيره من المعطيات أن مطامح “عبو” في تولي حقيبتي العدل والداخلية منذ 2011 وعدم تحقق ذلك له قد جعله مُربك سياسيا حتى لنفسه ولمقولاته التي ناضل من أجلها أو قال انه يؤمن بها منذ أن خطّها بنفسه على أسوار ومبان أثناء حكم الرئيس المخلوع …

 

  • سياسيا يُعتبر عبو ضحية لضعف البناء والفكري والتنظيمي للأحزاب والجمعيات والمنظمات بل أن ذلك يعتبر نتاج طبيعي وابن بكر لسياسات حقبتي الاستبداد، ذلك أن تجريم السياسة وترذيلها وحكرها على مربعات الحزب الحاكم بين 1955 و2010 أنتج فعليا سياسيين وحتى لو كانوا معارضين للسلطة بحيث انهم جميعا مُشابهين لمحمد عبو وباقي النخب السياسية التي نراها اليوم باستثناء بعض ممن تخلصوا من ذلك الإرث ولكنهم في الأخير قلة قليلة، وعمليا ساهمت عوامل أخرى تعرضنا اليها في الحلقات السابقة من هذه الدراسة الى بناء حزب التيار على منطق ومربعات الوظيفية خاصة وأن مُؤسّسه وزعيمه “وظيفي” بامتياز لا سياسيا فقط بل أيضا على المستويات الفكرية والاجتماعية وفي قراءة الساحتين الاقليمية والدولية…

 

  • مثل التحاق عدد من الوجوه السياسية الأقرب لليسراوية كارثة على الحزب الوليد سنة 2013 كما أن التحاق أعضاء “التحالف الديمقراطي” بالحزب كرّس منطق الانتهازية السياسية والبراغماتية المّزيفة وهو ما يعني أن التحالف الديمقراطي فرض نسقه في الفعل السياسي وفي قراءة طبيعة المرحلة محليا واقليما على حزب التيار الذي لاح إيجابيا في فعله السياسي حتى سنة 2017 ليتدحرج من حيث الأداء والكيفية والمبدئية وكان ذلك جليا ومباشرة اثر اعلان نتائج الانتخابات البلدية، وكل ذلك كرّس الوظيفية في الحزب وهياكله بل ان تلك الوظيفية أصبحت حاضرة بقوة في كل مواقفه وفعله السياسي والإعلامي…

 

  • واقعيا من الصعب التكهن بالبعد الخفي وغير المعلن في استراتيجيا الرجل المستقبلية – ان صح أن له استراتيجيا كما بينا أعلاه- ولكن الثابت أن “عبو” لم يقدم على خطوة الاستقالة الا بعد سقوط جزء من تكتيكاته السياسية التي خطط لها اثناء تأسيس الحزب، والتي غير واختار بعضها بعد حصوله على كتلة تضم 22 نائبا والتي على أساسها اختار بناء الكتلة الديمقراطية مع حركة الشعب الناصرية والتي يتناقض هو وحزبه في الأصل مع أغلب اطروحاتها وقراءتهما للساحتين العربية والدولية، ومن ثم السقوط في ائتلافات مرحلية كارثية وصلت حد التحالف مع المنظومة القديمة واركانها وسياساتها ومربعاتها…

 

  • الواقع الإقليمي قد يكون فرض على أطراف إقليمية ودولية الى التأثير غير المباشر في فاعلين سياسيين تونسيين وترتيب أوراقهم في المستقبل واستدراجهم لتلك المربعات، ولعل طبيعة “محمد عبو” ومحيطه الحزبي والسياسي وهوية وطبيعة حزبه وكتلته النيابية التي كونها مع حركة الشعب، تجعله يُعدُّ مستقبلا لأدوار بعينها بغض النظر عن رغبته المباشرة او استعداداته الحالية لقبول ذلك، ولعل تسريب إشاعة انه قد يكون رئيس الديوان الرئاسي القادم بديلا عن “نادية عكاشة” أو القول أنه سيكون عضوا في المحكمة الدستورية بمقترح من الرئيس (باعتباره رجل قانون ومسيس ويمكن ان تقف وراء اطراف سياسية واجتماعية عديدة)، أمران قد يوضحان ما يُمكن أن يُعد له كدور وظيفي ومستقبلي، وليس معنى ذلك طبعا ان ذلك سيكون على أرض الواقع بل أن الامر قد يكون أكبر منه ومن حجمه السياسي والاستراتيجي بما في ذلك بحث الرجل عن مربعات ان يكون مرشحا رئاسيا بارزا سنة 2024 أو ان يلعب دورا مستقبليا في تشكيل المشهد السياسي أو حتى تسميته ومنحه منصبا في تونس أو خارجها، ومن أجل أن يمكنه ذلك في المستقبل من العودة بقوة للساحة السياسية التونسية…

 

*** أي مستقبل لمحمد عبو وحزبه وكتلته النيابية؟

 

  • عمليا من الممكن ان يكون المستقبل السياسي لمحمد عبو وحزبه وكتلته واعدا خاصة لو تشجع كشخص وحزب وكتلة في القيام بعدد من المراجعات للفعل السياسي للأطراف الثلاث وانتقاد جملة خطوات وأنساق تبناها واتبعها، وهو أمر ممكن لو توفرت الإرادات ولكنه صعب الحدوث بمنهجية صحيحة وفاعلة ولكن طبيعة وذهنية الشخص – أي محمد عبو- وطبيعة تركيبة الحزب والفاعلين فيه وطبيعة الحليف السياسي وقياديي الحزبين المتحالفين منذ أكتوبر 2019 ( السعب – التيار)، لن تمكن الكتلة الديمقراطية من أي تقييم فعلي وجدي وبالتالي لا ينتظر تطورهما في ظل المعطيات الحاصلة الان…

 

  • ستتدعم وظيفية الحزب والكتلة التي ينتمي إليها نوابه، ولكن لا يمكن البتة لعبو وحزبه أن يكسبا سياسيا أكثر مما كسباه منذ 2013 الى الآن، وسيبقى مستقبل الحزب مرتبطا ومرهونا بطبيعة التطورات محليا واقليما ودوليا وخاصة الاحداث في ليبيا وسوريا (خاصة بالنسبة للكتلة)…

 

  • قد يحقق محمد عبو بعض مكاسب سياسية شخصية مستبلا، ولكن من غير المستبعد أن حزبه قد يتفكك أو يبقى في نفس المربعات، وستكرر عمليا نفس المواقف ونفس الاصطفافات في أفق سنة 2023، وقد يصل “محمد عبو” الى لعب دور وظيفي جديد ولكن سقطاته السياسية ستتكرر وتتواصل بنسق أسرع من السنوات الماضية…

 

  • يبقى انفجار الكتلة الديمقراطية واردا وقابلا للتحقق خلال الأشهر والسنوات القادمة ولكنه مرتبط بمستقبل التطورات الإقليمية أساسا…

جريدة الراي العام  بتاريخ : 12-11-2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى