تحاليل

هل يبحث “محمد عبو” عن دور “وظيفي” جديد؟ (3من4)

بقلم: علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي

*** تمهيد

تعرضنا في الجزء الأول من هذه الدراسة لوظيفية الفاعل السياسي “محمد عبّو” وكيف أسس حزبه الجديد بناء على ما هو ذاتي في تجاربه السياسية السابقة كوزير في حكومة الترويكا الأولى، وأيضا كأمين عام سابق لحزب “المؤتمر”، وبيّنا: كيف أثرت كل تلك المحطات والعوامل في رسم صورة حزب التيّار أثناء وبعد تأسيسه، وخلصنا في ذلك الجزء الأول من الدراسة الى وظيفيته كحزب وقابلية هياكله وبعض قياداته للعب أدوار وظيفية بعينها، أما في الجزء الثاني فقد بيّنا عبر أمثلة ثلاث مدى وظيفية الحزب وقياداته الرئيسية وذلك بداية من سنة 2014 وصولا لانتخابات 2019 بشقيها الرئاسي والتشريعي وتفصيل في مختلف المحطات الرئيسية في تلك المرحلة…

وفي هذا الجزء الثالث نستعرض وظيفية عبو وحزبه ووظيفية الكتلة الديمقراطية (التيار – حركة الشعب الناصرية) بين أكتوبر 2019 وما بعد مرحلة تشكيل حكومة المشيشي والتصويت عليها في 01 سبتمبر 2020 …

*** وظيفية “محمد عبو” بين أكتوبر 2019 ونهاية فيفري 2020

مباشرة بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات والتي تصدرت نتائجها حركة النهضة بــــــ54 مقعدا من أصل 217 مقعدا (مجمل مقاعد المجلس التشريعي في تونس) سارع السياسي محمد عبو العائد الى منصب الأمانة العامة اثر المؤتمر الثاني للحزب على طريقة “بوتين/مدفيف الى رفع شعاره/شرطه المعروف اعطونا “الداخلية” و”العدل” و”الإصلاح الإداري” للمشاركة معكم في الحكومة الجديدة وهنا اجتمع عند الرجل كفاعل سياسي وكشخص تتضخم الانا عنده بدرجة عالية، تمثلات ثلاث، وهي تجديد الحلم بمسك حقيبة الداخلية والتي حارب من أجلها سنة 2011 كثيرا حتى أنه طالب يومها بكاتب دولة للداخلية وقائلا ليس لي حاجة بوزارة أخرى، هذا ولا أما ثانيا فهو تمثل العودة غير الواعية ربما لمربع الوظيفية المقيتة في قراءة الساحة السياسية محليا وإقليميا ودوليا أما التمثل الثالث والأخير فهو السقوط في تغييب أهداف الحزب التأسيسية وهي البحث عن خدمة استحقاقات الثورة واستكمال مهامها وفقا لطبيعة المرحلة، وهي أهداف طالما تغنى بها وخاصة سنتي 2013و2014، وبعيدا عن القول أن عبو اعتبر نفسه الفائز بالانتخابات رغم أنه حل ثالثا وليس أولا ولا ثانيا إضافة الى حصوله على نتائج ضعيفة في الرئاسيات، حيث اشترط بوضوح أن لا تترأس شخصية من النهضة رئاسة الحكومة وحتى عندما تم اختيار “الحبيب الجملي” (وهو زميله في حكومة الترويكا الأولى والذي طالما كان يسر بلقائه سنة 2012)، فان تصريحاته بقيت على نغمة واحدة وذات منحى وظيفي بل ولعب أدوارا تنسيقية من أجل حشد اسقاطها والسعي الى ذلك (مع أن تقييمنا أن حكومة “الجملي” اسقطها في النهاية الجميع بما في ذلك طيف واسع من فاعلي “النهضة” السياسيين رغم تصويتهم لها في الجلسة العامة)، وقبل ذلك التقى “عبو” موضوعيا مع “تحيا تونس” بقيادة الشاهد وهو الذي صرح أكثر من مرة مُتهما الشاهد بالفساد أكثر من مرة في صائفة 2019 (بعض أعداد يومية الشروق – سبتمبر 2019)، بل أنه جالس “العزابي” في أكثر من مرة في مقاهي المرسى في الأسبوع الثاني من ديسمبر 2019 بغاية تعطيل “الجملي” وربح الوقت على حسابه، وهو ما اضطر الأخير لطلب مدة ثانية حفظا على مكونات المشاورات وحتى عندما أكد هذا الأخير انه سيشكل حكومة كفاءات مستقلة فان “عبو” وحزبه وحلفائه الجدد (تحيا – الإصلاح) قد أمتهنوا في التعطيل والاشتراط، وبمجرد سقوط حكومة الجملي يوم 10-01-2020 عمد “عبو” الى الوظيفية من جديد من خلال طرح مساندة غير مباشرة لآخرين طرحوا أسماء أقرب للوظيفية سياسيا لترأس الحكومة رغم أنه في الأخير لم يقترح أي أسماء بعينها على عكس بقية الأحزاب وبقي يُخاتل سياسيا في تبين فكرة حكومة الرئيس ومباشرة بعد اختيار الفخفاخ تحول “عبو” بسرعة الى لعب دور نائب أول للفخفاخ ورغم فشل مناوراته وعدم اشتراط الحقائب الثلاث على الفخفاخ ( أي حقائب استراطه السابق على النهضة ثم “الجملي” عبر المطالبة بالداخلية والعدل والإصلاح الإداري)، فإنه أراد ارباك مسارات تشكيلها وراوغ في لعب ورقة “نبيل القروي” ولكن سيناريو التحالف معه لم ينجح مثلما حدث مع اسقاط حكومة الجملي…

*** محمد عبو ووظيفية الكتلة الديمقراطية وسقوط حكومة الفخفاخ

مباشرة بعد مُباشرة حكومة “الياس الفخفاخ” مارس عبو كوزير للوظيفة العمومية منحى وظيفي في التعاطي مع الملفات داخل وزارته وخارجها وقريبا من الياس الفخفاخ ولكن الوظيفية تنامت وتجسدت بشكل مفضوح في أداء نواب كتلته ومواقف حزبه في عدد من الملفات والقضايا المطروحة على غرار موضوع التفويض للحكومة اثناء بداية الحظر الصحي الشامل، كما لم يعلن مواقف صريحة من ممارسات “سليلة التجمع المنحل ونظام الاستبداد” (المدعوة عبير موسى)، وعلى عكس ما أتته سامية عبو ضدها في البداية فان الكتلة تعاملت مع الموضوع بانتهازية مقيتة لتتردى الأمور بأكثر ما تردت منه وأصبحت التجاذبات خبز يومي في البرلمان مما عطل الجلسات وأربكها وأصبحت خطة ترذيل صورة النواب قائمة ومُجسّدة مما أحدث استياء شعبيا وهو أمر ساهمت فيه الكتلة الديمقراطية (التيار – حركة الشعب)، وأغلب قيادات حزب التيار الديمقراطي على غرار “هشام العجبوني” وآخرين من نفس الحزب ومن نوابه، والذين تفننوا في اطلاق تصريحات سياسية مضحكة ومستفزة وأقرب للبلاهة والتفاهة أكثر من قربها من الفعل والموقف السياسي…

ولعل سقوط الحزب في أداء أدوار وظيفية لم يكن عاما أو نسبيا من حيث تقديره أو قراءاته لأن الحزب ووزراءه ونوابه في المجلس قاربت أطروحاتهم وأفعالهم السياسية أن تتقاطع في ذلك مع أهداف ومرامي الواجهة المباشرة للمنظومة القديمة، أي أن تحالفا موضوعيا وغير مباشر قد بني في البداية من خلال مناقشة لائحة العلاقة مع الملف الليبي ( مباركة الغنوشي للسراج بالسيطرة على الغرب الليبي وهزم قوات حفتر المعتدية)، ليمتد ذلك الالتقاء لمناقشة لائحة “ائتلاف الكرامة” حول ضرورة اعتذار فرنسا الاستعمارية عن جرائمها وبغض النظر عن تفاصيل المضامين والمواقف – لأن كل طرف له مواقفه التي يختلف معها مع أي طرف سياسي ثان، وذلك حقه الدستوري- إلا أن الاشكال يكمن في التفاصيل وفي الآليات والشكل في تنزيل تلك المواقف، ثم ألا يعي “محمد عبو” مرامي الثورة المضادة وممثلتها المباشرة، وآلا يعرف أيضا ما ترمي اليه تلك السيدة التي مجدت الاستبداد بعد أن كانت تشتغل زغراطة له خاصة وان خطابه كسياسي ثوري بين سنتي 2013 و2015 كان يتمحور حول تلك الأبجديات والأهداف والتي تتلخص في خدمة تونس عبر الفعلي والواقعي التصدي للقديمة وأخطبوطها أو ليس تلك هي عباراته لفظا لفظا، فكيف يسقط في 2016 بوعي أو بدون وعي في منطق دعم مرامي الانقلاب الناعم ثم يكون في 2020 خادما عبر تحالفات – يقول ضمنا أنها تكتيكية- لأجندات الثورة المضادة مباشرة وخاصة بعد أن وصل به دهاءه السياسي ان يتحالف أو بالأحرى يلتقي مع عبير موسى بالذات وصولا للبحث عن سحب الثقة من رئيس مجلس النواب، وهو أمر مشروع كمطلب لمنافس سياسي للغنوشي ولكن التردي يكمن في البحث واستعمال تعيسة و آليات قذرة من أجل تحقيق ذلك، والكارثة ان تلك الآليات تتناقض مع مبادئ ووسائل كان عبو ينتقد استعمالها بين سنتي 2001 و2008 ثم بين سنتي 2012و2019 ليسقط في تحالف مؤقت وظرفي مع “عبير موسى” وفي شكلياته ( شكل التصويت- ضم أصوات الكتلة التجمعية اثناء نقاش موضوع سحب الثقة …)، وهل تحولت الوظيفية عند الرجل وحزبه ونوابه الى آلية معلنة وهدف استراتيجي؟
وبدون التفصيل في موضوع سقوط وأسباب ومسار سقوط حكومة الفخفاخ فان الثابت أن عبو ورفاقه قد عرضوا على قلب تونس وتوددوا له في ان يمنحوه حقائب عدة وامتيازات وضمانات من أجل ان يسقط خيار النهضة في اسقاط حكومة الفخفاخ بعد أن كانوا في فيفري 2020 يرفضون ضمه للحكومة بل واستهجان جلوس الفخفاخ مع القروي في بيت الغنوشي، وهو مثال دال في أن السياسة عند عبو ترتكز على اللحظة وليس على المبدأ وهي وظيفية مقيتة وبائسة قادته في النهاية الى الخروج من الحكومة عوض اخراج النهضة من المشهد السياسي وقد ردد كثيرون في مؤسسات الرقابة أنه قضى اوقاتا طويلة باحثا عن ملفات لإدانة “النهضة” بالذات وهو أمر مشروع اذا كان شاملا لكل الأطراف كمبحث ولكنه مبحث ضيق ووظيفي بحثا عن المغنم السياسي، خاصة وأن بعض صفحات أنه تمت اجابته من طرف أحد موظفي الرقابة لقد فعلوا قبلك ولم يجدوا عن النهضويين شيء يُذكر وحتى في برنامج التاسعة فقد لاح غير مقنع في ما يقول ويلوك مقولات لا تقدم ولا تؤخر بخصوص ذلك …

*** محمد عبو يبحث عن دور وظيفي جديد اثناء مباحثات تشكيل حكومة المشيشي

لم ينتبه البعض مباشرة بعد بداية مشاورات تشكيل حكومة “المشيشي” لتماهي تصريحات السياسي محمد عبو يومئذ مع تصريحات “الطيب البكوش” بعد الإعلان عن نتائج تشريعيات 2014، والتي مفادها في كلا تصريحات الرجلين أن “حركة النهضة” كطرف سياسي مكانها المعارضة وأنها افضل لها”، ورغم ان كل سياسي حر في مواقفه، لكن السؤال المهم في هذا السياق ما سر التماهى في طريقة إلقائها وفي تفاصيلها وهدفها العام والمباشر، وهل الرجلان متماهيان سياسيا وفكريا ونسقيا حتى يطلقان نفس الموقف بتلك الدقة في التماهي؟، أم كل منهما كان يلعب نفس الدور بوعي أو بدون وعي في تنزيل سياسات بعض دول غربية وأطراف اقليمية وهي سياسات تتمثل في موقف من التيّار الإسلامي (الموقف الفرنسي/الاماراتي/المصري والذي يختلف عن الموقف الأمريكي/الجزائري/الألماني)، ان البحث في الإجابة على ذلك السؤال من المُمكن أن يقودنا فعليا الى أن بعض السياسيين مرتبط موضوعيا بتنزيل غير مباشر لسياسات دولية وان كان تأسيس “حزب نداء تونس” ثم بعض مُشتقاته على غرار “تحيا تونس” انعكاسا للمصالح الثقافية والاقتصادية والسياسية للدول الغربية (رغم الفوارق بينها في القراءات وفي المصالح الاستراتيجية في المنطقة)، فان بعض أحزاب أخرى ليست بعيدة تماما على أداء أدوار وظيفية بطرق واستراتيجيات غير مباشرة، وعمليا طالب “عبو” وحزبه وحليفيه (تحيا – التيار) أن يشكلوا حكومة بدون النهضة كمثال للتماهي مع تصريحات البكوش سنة 2014 وتصريحاته سابقا في هذا الشأن، وجاء ذلك مباشرة بعد خسارتهم لمعركتين رئيسيتين، الأولى عند عدم قدرتهم على سحب الثقة من الغنوشي في 31-07-2020 ثم عدم قُدرتهم على إبقاء الفخفاخ على رأس الحكومة…

ثم وجد “عبو” وحلفائه أنفسهم في ورطة بمجرد اعلان “المشيشي” كرئيس حكومة مكلف فرحبوا به في البداية قبل أن يتداركوا أمرهم في انتقاد بعضهم لخطوة تشكيل حكومة مستقلين وقالوا أنهم رافضين لها، حتى أنهم لما تبينت لهم مرام جديدة انبروا للتصويت ضدها بعد أن قبلوا بها تكتيكيا في مرحلة قصيرة من تلك الفترة وخاصة خلال الأيام الأولى، ومعلوم ان عبو وحزبه طرحوا أسماء وزراءهم الثلاث ( عبو – محمد الحامدي – الشواشي) لترأس الحكومة في مراسلتهم للرئاسة، والغريب أنهم لم يثبتوا على أي فكرة اثناء تلك الفترة ليتحالفوا مع سعيد بعد بدء الخلافات الجزئية بينه وبين رئيس الحكومة المكلف، وهو ما سنفصل فيه الجزء الرابع والأخير من هذه الدراسة التحليلية….

يتبع الجزء الرابع والأخير …

المصدر: صحيفة الرأي العام التونسية بتاريخ 5نوفمبر 2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى