تحاليل

عبء الماضي ونداء المستقبل

بقلم: عجمي الوريمي

تريد بعض الكتابات والتصريحات حول ما يجري داخل حركة النهضة أن تشعرنا أن وضعية راشد الغنوشي زعيم الحركة أصبحت معضلة مثلما أوهمتنا أطراف خصيمة له بمجلس النواب أن دوره المهيمن أصبح إشكالا يستوجب إعادة ترتيب الحياة الداخلية لقصر باردو رغم أن الغنوشي قليل الجلوس في مقعد الرئيس خلال الجلسات العامة إذ يعهد بإدارتها لنائبيه.

كتب الطيب الزهار رئيس تحرير مجلة “رياليتي”فى عددها 1662 بتاريخ3-9 /11 /2017 افتتاحية بعنوان :الغنوشي في هيئة مترشح رئاسي أشار فيها إلى ما استنتجه من شعور الغنوشي بثقل عبء الماضي الذي ينبغي التحرر منه لبناء المستقبل.
وليس الماضي المقصود ماضيه الشخصي إنما ميراث الإسلام السياسي ومن ضمنه حركته (حزب النهضة) وتركة النظام القديم برموزه وكوادره الحزبية والإدارية والحكومية …

انتخب المؤتمر العاشر لحركة النهضة المنعقد في شهر جويلية 2014 والذي حضر جلسته الإفتتاحية الرئيس الباجي قائد السبسي انتخب راشد الغنوشي رئيسا لدورة ثانية بعد الثورة وبعد حصول الحركة على الاعتراف القانوني والخروج نهائيا من شبه السرية إلى العلانية التامة .

لقد حسم المؤتمر العاشر مسألة العلاقة بين الدعوة والسياسة بابتكار مقولة “التخصص” وحول الحركة ذات الأبعاد والمناشط والمشاغل الشاملة إلى حزب سياسي وطني ينشد الحكم وفق دستور الجمهورية الثانية ويعرض نفسه على التونسيين لا ناطقا حصريا باسم الاسلام أو محتكرا صفة يشترك فيها عمومهم وإنما مدافعا شريفا ومخلصا على هوية البلاد دينا ولغة وثقافة وحضارة وانتماء جغرافيا في إطار دولة مدنية يحكمها القانون وتساوي بين مواطنيها…

بدا وكأن الحركة تحول من قوة تغيير (من خارج الحكم) بالدفاع عن نمط مجتمعي مخصوص إلى قوة تدبير من خلال تموقعها وموقعها من الحكم باعتبارها جزءا من المجتمع لا كل المجتمع ولا حتى بديلا عنه…

وقد طلب المؤتمر من الغنوشي إجراء الإصلاحات اللازمة مما تم التنصيص عليه في لوائح المؤتمر أو ما تعهد به تلقائيا في مدة دورته الرئاسية الثانية .
ولئن تحول التخصص إلى تفص من المهمة الدعوية وتهميش لها عوض أن تتحرر الفعاليات الدعوية وتنهض بدورها المجتمعي تحصينا للشباب من التهميش وترشيدا للتدين وتطويرا للخطاب الديني من موقع التخصص في التوجيه والإرشاد والوعظ ونشر الثقافة الإسلامية …

لقد كان التخصص كارثيا على العمل الدعوي إذ تغلبت الوجهة السياسية على مشروع الحركة وتبخرت النواة الدعوية ولم تجد الموارد البشرية والمادية الضرورية للعمل والتطور ولولا أن مبادرة الباجي قايد السبسي للمساواة في الميراث قد حركت حفيظة وغيرة بعض الجمعيات المحدودة العدد والمحدودة الناشطين لاندثرت هذه الأخيرة ولأن المهمة الدعوية بعد فك الارتباط مع الحركة المتحولة إلى حزب لم تتطور مع تطور حاجات المجتمع وتطور وسائل الإتصال فقد تراجع مفعول القائمين عليها .

لم ترى خطة الإصلاح التي من المفترض أن يستغرق إعدادها النصف الأول من المدة الفاصلة بين المؤتمرين 10 و 11 وأن يخصص النصف الثاني لتنزيلها وتفعيلها لم ترى النور وبقيت في الأدراج إذ هيمن الشأن الوطني والإستحقاقات الإنتخابية على الشأن الحزبي وتأخر الإصلاح بالتدحرج وبعدم ممارسة مجلس الشورى للضغط المطلوب لتنفيذها والحال أنها جاهزة تنتظر قرار المرور للإنجاز…

في مقالته المشار إليها أعلاه يشير الطيب الزهار إلى أن الغنوشي الجديد بخطابه الجديد ومغازلته لوسائل الإعلام وبربطة العنق التي لم نعهده يلبسها في أي مناسبة وباختيار مفردات خطابه وبيده الممدودة لخصوم الأمس بمن فيهم أكثر الرموز رفضا من أبناء النهضة مثل عبد الله القلال وزير الداخلية في عهد بن علي يتهيء ليكون رجل المرحلة أي رجل المصالحات الكبرى والتوافقات في بلد اكتوى بنار الإقصاء وجرب الحكم الفردي ولا يمكن أن يحكم مستقبلا بقبضة واحدة أو بهيمنة طرف على بقية الأطراف إذ الحكم شراكة أو لا يكون…

بدا الغنوشي والحكاية في نوفمبر2017 يعد العدة لخوض معركة الرئاسيات المتوقعة بعد إتمام الرئيس الباجي قايد السبسي مدته الرئاسية …

لم يترشح الغنوشي كما توقع ملاحظون وإعلاميون من أمثال السيد منصف الزهار إلى الانتخابات الرئاسية لكنه ترأس قائمة حزبه التشريعية في دائرة تونس 1 وقاد حملة الحزب الإنتخابية ..

لقد كان نزول الغنوشي إلى المنافسة الإنتخابية منعرجا في مسيرته السياسية وخطوة أخرى في طريق تثبيت حركته في التربة التونسية ومحاولة لطي مرحلة التردد في العلاقة مع الدولة أو المشاركة الحذرة والتطبيع المنقوص …

لكن السؤال المطروح هل خططت النهضة لذلك أم استجابت لاستحقاقات معينة لم تأخذ في الإعتبار الحاجة لترتيب البيت من الداخل بقدر ما تغلبت حاجة البلاد إلى تجذير تجربتها الديمقراطية فكان الهاجس الوطني هو محرك ارادة الغنوشي في خوض تجربة الإنتخابات في حين كان الهاجس الحزبي هو الذي دفعه إلى الإحجام عن تقلد أي منصب في الدولة بل التصريح بذلك درءا للمخاوف وخوفا على الديمقراطية الوليدة وإعلانا عن حسن النية تجاه المخالفين والمنافسين والخصوم السياسيين وداعمي الثورة والانتقال الديمقراطي…

زالت تلك الهواجس والمحاذير وحل محلها تزايد الطلب على دور أكبر للغنوشي وطنيا وإقليميًا خاصة بعد رحيل الباجي قائد السبسي شريك زعيم النهضة في إدارة مرحلة مابين لقاء باريس وإطلاق الحوار الوطني إلى حدود نهاية حوارات قرطاج 2 ولعلنا نشهد اليوم تأجج الإنشغال الداخلي في أفق الإستعدادات للمؤتمر 11 والجدل المتعلق بترتيباته ومخرجاته فبين حاجة الغنوشي للتخفف من عبء الماضي لإتاحة الفرصة لتشكل مرحلة “الإسلام الديمقراطي” حاكما وشريكا في الوطن وبين رغبة بعض قيادات حزبه في تحقيق وعود المؤتمر العاشر ومخرجاته دون أي اعتبار للهاجس الوطني والإقليمي لزعيم الحزب الذي صار يتحرك منذ انتخابه رئيسا للبرلمان من موقعه في الدولة لا من موقعه الحزبي دون أن يتبين التمايز بين الموقعين حتى لأنصاره لا فقط لمعارضيه.

تدخل نقاشات القيادات النهضوية حول مستقبل الحركة وموقع رئيسها الحالي من مجمل معادلاتها الداخلية طورا متقدما على الأرجح نحو ضروب من التسويات والتفاهمات تحفظ للحركة وحدتها ولكل “تياراتها” أدوارها وتضمن لخطها السياسي الإستراتيجي مزيدا من الوضوح والإنسجام ويبقى التحدي القادم كيف تجد الحركة الاولى في البلاد توازنها وتغادر حالة التأرجح بين عبء الماضي ووعود المستقبل ومتطلباته .

المصدر: مرايا الاخبارية ___31 اكتوبر 2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى