أخبار

الديموقراطية الناشئة” تحتاج نفساً جديداً… هل خرجت “ثورة” تونس عن أهدافها؟

بقلم: روعة قاسم

بعد قرابة 10 سنوات على انطلاق الثورة التونسية ما زال الجدل يحتدم في تونس حول حقيقة ما حصل يوم 14 كانون الثاني (يناير) 2011 تاريخ مغادرة الرئيس الراحل زين العابدين بن علي إثر حوادث واضطرابات هزّت البلاد وقلبت موازين القوى رأساً على عقب. فالبعض يتحدث عن ثورة على النظام بدأت بمطالب اجتماعية بحتة وتحولت إلى المطالبة بإصلاحات سياسية جذرية نادت بها القوى الديموقراطية في البلاد زمن حكم بن علي وخلال الحقبة البورقيبية، فيما يرى البعض الآخر أن ما حصل في تونس في تلك الليلة التي غيرت وجه الخضراء هو مؤامرة خارجية على البلاد في إطار ما سمّي بـ”الربيع العربي”.

في ذلك العام المفصلي، خرج آلاف المحتجين في شوارع المدن والقرى المهمشة والفقيرة في تونس للمطالبة بتحسين أوضاعهم المعيشية من خلال تأمين العمل وتنمية مناطقهم الداخلية والقضاء على التهميش الذي يتعرضون له وبالتوزيع العادل للثروة، بخاصة أن البلاد كانت تحقق في ذلك الوقت نسبة نمو مهمة استفاد منها بعض المناطق من دون الأخرى. وكانت الآمال كبيرة آنذاك بالتغيير نحو الأفضل ونحو نظام جديد ديموقراطي أكثر عدالة ومساواة، ولكن يبدو جلياً أن البعض قفز على مطالب الثورة وأدخل البلاد في صراعات ايديولوجية وفكرية بين الشق الذي يدافع عن الحداثة والتحرر ومكاسب الحريات والحقوق في تونس، وبين الشق الذي يريد أن يربط تونس بحكم التيارات الاسلاموية بعيداً من الحكم المدني ودولة القانون والمؤسسات. فكان الوضع مخاضاً صعباً لا يزال دائراً الى اليوم في قبة البرلمان التي تشهد معارك ضارية وانقسامات حادة بين الكتل التي تدافع عن ثوابت الدولة التونسية المعروفة وحداثتها وبين من يريدون أن يعيدوا عجلة التغيير في البلاد الى الوراء.

لقد صاغت الترويكا التي فازت بغالبية أصوات المجلس الوطني التأسيسي دستوراً هجيناً احتار في تصنيفه فقهاء القانون الدستوري والمختصون في علم الاجتماع السياسي أدخل البلاد في حالة من اللاإستقرار طيلة السنوات الماضية وهو ما انعكس سلباً على الاقتصاد الوطني الذي يتطلب الاستقرار لا تشكيل حكومات لا يتعدى تواجدها الأشهر المعدودات أو الأسابيع. كما أدخل حكام البلاد طيلة العشرية الماضية التونسيين في معارك إيديولوجية جانبية، لم تكن تعنيهم في شيء وهم الذين عرفوا بالوسطية والتسامح والاعتدال والانفتاح على جميع الحضارات، وقد أوصلت هذه الصراعات الإيديولوجية البلاد إلى حالة من الاحتقان غير معهودة تسببت في اغتيالات سياسية لم يألفها التونسيون من قبل.

أما خارجياً، فقد أساء البعض لصورة تونس من خلال إقحام البلد في سياسة المحاور واختلاق المعارك المجانية بالتخندق تحت عباءة رجب طيب أردوغان والأتراك وهو ما خلق لتونس عداوات مع أقرب الأقربين كان البلد في غنى عنها. فقد تنكر هؤلاء لمبادئ الدبلوماسية التونسية القائمة على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول وعدم السماح في المقابل بأي تدخل خارجي في الشؤون التونسية وعدم الدخول في صراعات المحاور والدفع باتجاه فض النزاعات بالطرق السلمية.

وخلال فترة حكم الترويكا السابقة تم التغاضي عن أنشطة التنظيمات التكفيرية أو التراخي في ملاحقتها وهو ما حوّل تونس إلى بؤرة لتصدير الإرهابيين إلى بلدان عديدة. فأساء ذلك كثيراً إلى صورة الخضراء الناصعة في الخارج خلال السنوات الماضية ويحاول البلد منذ عام 2014 استرجاع تلك الصورة من خلال النجاحات التي يتم تحقيقها في المجال الأمني بعد أن توافرت الإرادة السياسية التي كانت غائبة قبل ذلك التاريخ.

ويوجه البعض الكثير من اللوم والعتاب لناخبي بعض الأطياف السياسية في البلاد والذين يتعاملون مع الشأن السياسي بمنطق جماهير الكرة، ويعيدون التصويت من جديد وفي كل استحقاق انتخابي لأحزابهم الفاشلة في إدارة شؤون البلاد. فرغم الوضع الاقتصادري المزري والكارثي، وتدهور مستوى معيشة التونسي إلى الحضيض وغياب الأمن إلا أن البعض ما زال يقبل على صناديق الاقتراع لإعادة انتخاب من تسببوا في هذا الوضع الكارثي ضاربين بالمصلحة الوطنية عرض الحائط وهو ما يمثل أحد معضلات التغيير التي تحول دون خروج التونسيين من المستنقع الذي وجدوا أنفسهم فيه.

ولعل إصرار البعض على الإبقاء على شكل النظامين السياسي والانتخابي اللذين وضعا على المقاس أو إدخال بعض التعديلات على القانون الانتخابي لا غير، وذلك رغم الدعوات إلى تعديلهما، هدفه دعم هيمنة هذه الأطراف السياسية على الساحة السياسية بدستور تمت صياغته على المقاس. فقد أصرت هذه الأطراف على إقرار النظام البرلماني عند كتابة الدستور الجديد من قبل المجلس الوطني التأسيسي الذي سيطرت على أغلب مقاعده باعتبارها تدرك أنها لا تمتلك الغالبية التي تجعلها قادرة على إيصال رئيس جمهورية إلى قصر قرطاج حيث سيتواجد خصومها ضد مرشحها ويصوتون لمنافسه. فتم الحد من صلاحيات رئيس الجمهورية حتى صارت شكلية في مقابل منح صلاحيات واسعة لرئيس الحكومة الذي ترشحه الكتلة الأكثر عدداً في المجلس وهي تنتمي إلى طيف سياسي بعينه يستفيد منذ سنوات من تشتت خصومه في الانتخابات النيابية ويضمن لنفسه التفوق نتيجة لهذا التشتت.

وعلى ما يبدو فإنه لا حل أمام الراغبين في التغيير من القوى الحداثية سوى بالوحدة والإلتقاء حول مشروع جامع وتجاوز خلافات الماضي ما دام الطرف الآخر يستفيد من تغليب ناخبيه للمصلحة الحزبية على حساب المصلحة الوطنية ومن النظام السياسي الذي فصل على المقاس من جهة أخرى ناهيك عن المال الخارجي الذي يمثل معضلة حقيقية تعيق البناء الديموقراطي وترهن القرار الوطني إلى الخارج. فقد أثبت التجربة أن “حركة نداء تونس”، على سبيل المثال، فازت مع رئيسها المرحوم الباجي قائد السبسي بالانتخابات التشريعية على حساب منافستها “حركة النهضة” فقط عندما نجحت في جمع تيارات سياسية مختلفة صلبها فما بالك لو تم توحيد كل العائلة الوسطية الحداثية في حزب كبير قادر على قلب موازين القوى وتحقيق الإصلاحات المرجوة…
اليوم تحتاج تونس – أكثر من أي وقت مضى – الى الخروج من عنق الزجاجة والى بعث نَفَس جديد في هذه التجربة الديموقراطية الناشئة رغم كل الصعوبات والتحديات.

المصدر: النهار العربي___26 أكتوبر 2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى