بورتريه

الوزير المصلح والمؤرخ … أحمد ابن أبي الضياف

بقلم : جعفر محمود الأكحل

مولده ونشأته ودراسته

ولد احمد بن ابي الضياف بمدينة تونس سنة 1804 (وأصله من الشمال الغربي التونسي من أولاد عون)، كان والده متعلما وعمل كاتبا للوزير يوسف صاحب الطابع.

واهتم والده بتربيته حيث درس على ابرز مشايخ عصره مثل الشيخ محمد بيرم الثالث والشيخ ابراهيم الرياحي.

ثم ولاه حسين باي الثاني القضاء رغم صغر سنه ثم ولاه الكتابة بديوان الانشاء سنة 1826 وظل على هذه الخطة الى ان تولى الحكم المشير أحمد باشا باي سنة 1837.

ابن ابي الضياف في عهد أحمد باي الأول

في عهد احمد باي فتحت في وجه ابن ابي الضياف آفاق السلطة بعدما اظهر من الكفاءة والحكمة والاستعداد فتولى المهام الدبلوماسية مبعوثا من الباي الى عديد الملوك والامراء وخاصة لدي البلاط العثماني في الاستانة.

وفي رحلته الشهيرة الى فرنسا التي تولى تدوينها المؤرخ ابن أبي الضياف بكل التفاصيل وظل وزيرا للقلم مع احمد باي ثم خلفه امحمد باي سنة ومحمد الصادق باي سنة الذي عينه عضوا بالمجلس الكبير وعضوا في مجلس الشورى سنة 1846 كان ابن ابي الضياف في طليعة اعضاء الوفد الرسمي.

ونظرا لسعة اطلاعه علي المسائل العلمية والقانونية كلفه امحمد باي بشرح القانون الاساسي الذي سمي «عهد الأمان» والذي لقي صدى طيبا لدى دول أوروبا لما تضمنه من حقوق وحريات لكافة السكان في المال والأعراق والابدان.

تأليفه كتاب «إتحاف أهل الزمان»

وكان ابن ابي الضياف وهو يباشر مهامه السامية في مختلف المواقع التي تولاها يدون انطباعاته ويسجل الأحداث بكل اهتمام ويوضح الاحداث ويرصدها بكل دقة وبكل تفاصيل، فكانت شهادته على عصر هو الاقرب والاجدر.

ومن خلال تحاليله وسرده للأحداث يتجلى فكره النير وأسلوبه الخلدوني الرائع وقدراته على فهم الوقائع واستشراف المستقبل.

كان يميل الى فكر العلامة ابن خلدون ويبدو انه كان متأثرا بمؤلفاته مطلعا عليها ويعتبر ابن ابي الضياف من المجددين والمستنيرين وسبق عصره في فهم خطورة الحكم الفردي وله مدونات حول اسس الحكم وكان من المؤيدين للإصلاحات السياسية وقيام حكم «مقيد بقانون» كما يقول وقد لعب دورا بارزا في اصدار قانون «عهد الأمان» الذي يمثل اصداره سبقا رياديا لتونس في مجال الحقوق والحريات والذي صدر سنة 1857 في عهد امحمد باي واستمر في عهد محمد الصادق باي والذي اوقف العمل به بعد اندلاع ثورة علي بن غذاهم.

وقد كان كتابه «اتحاف اهل الزمان بأخبار ملوك تونس» وعهد الامان وثيقة حية وفريدة لفهم فترة حكم الدولة الحسينية التي تأسست منذ سنة 1705 وما عرفته من صراعات وحروب وفتن وكذلك ما شهدته من اصلاحات كان له دور فاعل في تجسيمها كأحد رواد الاصلاح السياسي والاجتماعي في البلاد وليس شاهدا أو مدونا فقط.

فقد كان للشيخ ابن ابي الضياف التأثير الكبير على امحمد باي بالخصوص وكان له نعم الناصح و المخلص والدال على الخير والاخلاص والاصلاح والاقتراب من احوال الرعية والتخفيف عنها.

موقف ابن ابي الضياف من علي بن غذاهم وثورته

وهناك بعض المؤرخين انتقدوا ابن ابي الضياف على موقفه الرافض لثورة علي بن غذاهم ابن منطقته واتهمه بأنه من «الرعاع» بينما هو ابن قاض ومتعلم، ولكن ربما ان الشيخ ابن ابي الضياف بحكم انه رجل دولة ويمارس السلطة فإنه يريد تحقيق الاصلاحات ومعالجة الامور في اطار النظام والقانون بعيدا عن المغامرات وركوب الاخطار.

فهو رجل مثقف ومفكر اصلاحي وليس ثوريا بحكم طبيعة تكوينه وبحكم المهام التي يمارسها كرجل ادارة وعمل منظم يخضع لنواميس وطقوس السلطة ووقارها ومناهجها وطرائقها.

ومضمون تاريخه الاتحاف يكفي ليعطي صورة كاملة عن شخصية الرجل وعن سعة اطلاعه وحسن تفسيره للأحداث التي عاصرها أو حتى التي سبقته و مع ذلك فقد شرح اوضاعها وابعادها بكل دقة مما يؤكد فهمه لأسس الحكم ومتطلباته وكذلك رغبته في تطوير هذا الحكم وتحريره من الاستبداد والسلوك الفردي وملاءمته مع العصر مثلما هو الحال في البلاد الاوروبية.

وفاته

في سنة 1874 توفي ابن أبي الضياف ودفن بجامع صاحب الطابع بالحلفاوين بمدينة تونس أي بعد سنة واحدة من تولي صديقه خير الدين الوزارة الكبري حيث أقعده المرض لعدة سنوات ولم يتمكن من دعم جهود خير الدين الاصلاحية التي اقدم عليها والتي كان له حديث بشأنها قبل ذلك بسنوات.

المصدر: جريدة الصحافة اليوم 

تابع الخبر من مصدره الاصلي 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى