بورتريه

الجنرال حسين … شغف الإصلاح و مقاومة الفساد

الجنرال حسين عسكري و إصلاحي و رجل دولة تونسي من أصل شركسي يعتبر من أهم رجال الإصلاح بتونس في القرن 19 و من أبرز مساعدي الوزير خير الدين باشا في محاولته الإصلاحية.

جلب الجنرال حسين إلى البلاط الحُسيني وسنّه دون العشر سنين و اصطفاه الباي وأدخله الكتّاب الخاص لمزاولة القراءة والكتابة ومبادئ علوم الدين ثم التحق بمدرسة باردو حيث تعرّف إلى الشيخ سالم بوحاجب وتتلمذ له.

فدرس اللّغة العربية و اللّغة الفرنسية، ودرس مبادئ الحساب والجغرافيا وسائر الفنون المطلوبة للتّكوين العسكري.

وظهرت مبكّرا نجابته وبرز على أصحابه وخاصّة في تحصيل اللّغات والاغتراف من مناهل الأدب. وكان لقاؤه بالشيخ قابادو في تلك المدرسة قد دفعه إلى تعريب الكتب التي كانت تدرس بالفرنسية وساعده على ذلك القائم مقام لويجي كاليڤاريس الايطالي ومدير مدرسة باردو العسكرية فتكفّل الملازم حسين بتعريب كتاب في أصول الحرب، بمساعدة زميلين من زملائه، قدّم له قابادو وصحّح تراكيبه وانتقى عباراته.

والتحق بعد إتمام تحصيله العلمي بالجيش وعلا كعبه في الرّتب العسكرية فصار أميرآلاي في عهد أحمد باي ثمّ تدرّج إلى رتبة أمير لواء في عهد محمد باي و توطّدت صلته بصديقه المملوك الشركسي خير الدّين التونسي الذي رُقّي أمير لواء الخيّالة (جنرال) سنة 1852 والذي عمل تحت امرته ثم صحبه في مهمّة المتابعة لقضيّة ابن عيّاد في فرنسا و مثل الدولة في قضية اختلاس “محمود بن عياد” و كذلك في قضية اختلاس “نسيم شمامة”. ومكوثه بالخارج زهاء خمس سنوات عمّق معرفته المباشرة بالمَدَنيّة الغربيّة وصقل مواهبه الاصلاحيّة.

الجنرال حسين 1828-1887م

كناه القناصل و السفراء المقيمون بالمملكة بالفيلسوف نظرا لثقافته الواسعة و إتساع معارفه و قد ظهر هذا من خلال ارتقاء الجينرال حسين في وظائفه حيث عُيّن أول رئيس مجلس بلدي في تونس سنة 1858. وعندما منح الصّادق باي امتيازا للانجليزي “ريشارد هولت” في إنشاء المطبعة الرسمية وجريدة “الرائد التونسي”، نصّ الاتفاق المؤرّخ في 6 جانفي 1860 على أن يشرف رئيس المجلس البلدي على تأسيس المطبعة الرسمية وإصدار أوّل جريدة عربية في تونس.

و لم تكن هذه المهمّة سهلة إذ كان على الجنرال أن يراعي في إصدار هذه الجريدة الحساسيات السّياسية الدّاخلية والخارجيّة و ألاّ يدخل تونس بهذه الجريدة في متاهات المطامع الأجنبية وألاّ يجعل منها مرآة للصّراعات السّياسيّة. وكان ريشارد هولت قد بدأ بالفعل في إصدار جريدة بالايطالية أثارت بعض الحساسيات فعمل الجنرال حسين على انتزاع الامتياز منه حتى تصبح الجريدة تونسيّة تخضع للاشراف الكلّي للدّولة التّونسية.

وبعد أن أصدر ريشارد هولت الأعداد الثّلاثة الأولى للرّائد اختفى اسمه نهائيا من صفحات الجريدة؛ و صارت الرائد منبرا للتوعية و التثقيف و نشر البرنامج الإصلاحي الذي يقف وراءه رواد الحركة الإصلاحية وهو ما جسمته كثافة وتنوع الأركان التي حفلت بها الجريدة: الأحداث السياسية، أخبار العالم، مقالات توعوية، أخبار تجارية ووقائع أدبية وغيرها.

وانتدب الجنرال حسين مستشرقا لتحرير الرائد اسمه منصور كرلتي (1892 . 1822) كان قد أصدر في فرنسا جريدة باللغة العربية عنوانها “عطارد”. وكان عقد انتداب كرلتي ينصّ صراحة على رجوعه إلى رئيس المجلس البلدي في كلّ ما يتعلّق بالطبع وتسيير العمّال. ولم يكن إشراف الجنرال حسين على شؤون المطبعة والجريدة صوريا رغم كثرة شواغله فكان يراقب عن كثب أعمال كرلتي.

عدد من جريدة الرائد التونسي

و قد حدثت بينهما مشادّة صحفيّة نشرتها جريدة “الرائد” في نوفمبر 1863 واتّهم فيها الجنرال حسين كرلتي بالتّقصير في عمله. وواجه الجنرال حسين بالخصوص المشكلات المالية في تسيير المطبعة والجريدة وضحّى بأمواله الخاصّة في سبيل تسديد الدّيون المتخلّدة والمتعلّقة بجلب حروف الطّباعة العربية ولانشاء محلّ خاصّ بهذه المطبعة، كما بذل جهدا كبيرا لتوفير وسائل التّمويل اللاّزمة للجريدة ففرض على أعوان الدّولة الاشتراك قي “الرائد” إلاّ أنّ أغلب المشتركين لم يكونوا دائما أوفياء لتعهّداتهم.

واهتمّ أيضا بمحتوى الجريدة فسعى إلى تجنيد نخبة من المثقّفين التّونسيين للاسهام إلى جانب كرلتي في إنجاز الجريدة. وكان أستاذه في المدرسة الحربية بباردو الشيخ محمود قابادو كاتب أوّل افتتاحية ب “الرّائد” في العدد الأوّل الصّادر يوم 22 جويلية 1860 خصّصها لابراز أهمّية الطّباعة والصّحف في رقيّ الأمم.
وأسهم الجنرال حسين أيضا في التّحرير. فكتب أوّل تحقيق (روبورتاج) في الصّحافة التّونسية، تعلّق بمرافقته سنة 1860 محمّد الصادق باي إلى الجزائر لملاقاة نابليون الثّالث. وأعدّ وصفا دقيقا لمختلف أطوار تلك الرّحلة أرسله إلى صديقه خير الدّين ونشرته جريدة “الرائد” في صفحتين ونصف بتاريخ 4 أكتوبر 1860 (العدد الثامن . السنة الأولى).

و قد جمع الجنرال حسين بين مسؤوليات عديدة و متزامنة حيث عين مديرا للشؤون الخارجية للمملكة التونسية سنة 1860 و جمع معها خطة رئيس محكمة الأحداث و الجنايات و ساهم في اصدار مجلة الجنايات والأحكام في تونس حتى سنة 1863 و نشير أنه أقام خلال تلك الفترة بدار حسين الي سميت بإسمه و تحوّلت إلى مقرّ لأول مجلس بلدي لمدينة تونس و تسمى دار العشرة نسبة لعدد أعضاء المجلس.

واعترضت الجنرال حسين مشكلة دقيقة تتعلّق بموقف الجريدة من انتفاضة علي بن غذاهم سنة 1864. فكان نشر أخبار تلك الانتفاضة دليلا على موضوعيته في تحرير الرّائد ولكنّه أثار حساسيات سياسيّة داخلية وخارجية كبيرة. وإثر فشل انتفاضة 1864، كان من نتائجها أن أُبعد الجنرال حسين بفضل مكائد الوزير الفاسد سيئ الذكر “مصطفى خزندار” .
و قد اغتنم “حسين” هذا الإبعاد لزيارة عدّة بلدان: ألمانيا والسويد والدانمارك وبلجيكا وهولاندا وفرنسا وإيطاليا وانقلترا والاستانة والجزائر والمغرب الأقصى وممالك إسبانيا وروسيا والنّمسا وأمريكا ومصر والحجاز و كان يقوم بإرسال تقارير لخير الدين باشا عن أخبار الجيوش و الحرب في أوروبا ، و حين عودته سنة 1870 تم تعيينه مستشارا في الوزارة الكبرى.

و بعد سقوط خزندار وتولّى خير الدين الوزارة الكبرى سنة 1873، أوكلت إلى الجنرال حسين مهمّات التّعليم والأشغال العامّة وصار يلقّب بوزير “المعارف”. وبمقتضى خطّته الجديدة أشرف سياسيا على الاصلاحات التعليمية مثل إصلاح التعليم الزّيتوني وتأسيس المدرسة الصّادقية.

صورة غلاف كتاب رسائل حسين إلى خير الدين

وقد قام الجنرال حسين بترجمة كتاب خير الدين المعروف : «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك» الذي تضمن دعوة صريحة إلى الاقتداء بالأمم المتقدمة في مجال الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

و كان داعما بشدة لمشروع خير الدين باشا الإصلاحي و عنصرا فاعلا في محاولة بناء دولة تونسية عصرية قادرة على مواجهة أطماع الدول الإستعمارية الأوروبية، و حارب الفساد المالي داخل لجنة المالية الذي بلغ أوجه مع مصطفى خزندار و خليفته مصطفى بن إسماعيل مستفيدا من خبراته السابقة في قضايا “نسيم شمامة” و “محمود بن عياد” و وتفطن إلى المؤامرات التي تحيكها فرنسا وقنصلها روسطان ضد تونس فكتب إلى صديقه خير الدين متنبئا بقرب حلول الاستعمار الفرنسي لتونس بذرائع مختلفة ومختلقة وشعارات براقــة.

إثر سقوط وزارة خير الدين (1878)، ثم دخول الإستعمار الفرنسي اضطرّ الجنرال حسين إلى الاغتراب والاستقرار في إيطاليا. ورافقه في هجرته شيخه وصديقه سالم بوحاجب فاتّخذه كاتبا ورفيقا كما ارتبط بأبناء الشّيخ، لا سيما منهم عمر بوحاجب، بعلاقات صداقة متينة فأوصاه برعاية ابنته عندما داهمه المرض في جويلية 1887 بمدينة فلورانس حيث توفّي.

و قد قضّى حسين سنواته الأخيرة في ضيق مادي، فقد غدر به وكيل أملاكه في تونس بتأثير من الوزير الأكبر مصطفى بن اسماعيل ثم حكومة الحماية. فاضطرّ إلى التّداين من أحد المرابين الايطاليين معترفا له بدين قيمته خمسة وأربعون ألف فرنك اقتطعت من تركته بعد وفاته في سنة 1887، حسب الوثائق التّونسية. وقد تدخّل صديقه خير الدّين لدى السّلط العثمانية لنقل جثمانه إلى إستانبول حيث دفن.

خلف الجنرال حسين مجموعة من الاثار اهمها:
– تحقيق صحفي عن زيارة الصّادق باي للجزائر لملاقاة الامبراطور نابليون الثالث،
– ردّ على سؤال وجّهه ابن أبي الضياف حول تمثيل اليهود بالمجلس الأكبر،
– رسالة في عتق العبيد حرّرها سنة 1862 جوابا على سؤال وجّهه القنصل الأمريكي بتونس ،
– تعليق سياسي على الأوضاع العامّة بتونس وهو تفسير رسمي لانتفاضة 1864،
– تقرير عن التّعليم بجامع الزّيتونة سنة 1871،
– حسم الإلداد في نازلة بن عياد،
– القسطاس المستقيم في اختلال الحكم بنفي جنسية القائد نسيم،
– رسائل الجنرال حسين بوصفه رئيس المجلس البلدي بتونس.

الجنرال حسين أقصى اليمين ضمن الوفد المرافق للملك محمد الصادق باي في رحلته للجزائر 1860

 

المصدر: القومية التونسية ___ 05 اوت 2017 

تابع الخبر من مصدره الاصلي

____________

المصادر :
1. مقال الصحفي احمد بن يونس بجريدة “لوطون”: اخر ايام الجنرال حسين.
2. ترجمته في كتاب رسائل الجنرال حسين إلى خير الدين، منشورات بيت الحكمة.
3. الجنرال حسين: حياته وآثاره، أحمد الطويلي.

Hits: 836

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى