تحاليل

فيما يُثار الجدل حول نهايتها الموضوعية والوشيكة … هل أحيت المنظومة القديمة خلاياها القذرة والاجرامية؟

السياسي

بقلم : علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي

تمهيد

الخلايا القذرة والاجرامية في الأنظمة السياسية خلال عقدي الستينات والسبعينات وخاصة في المنطقة العربية وفي القارة الافريقية ولا تُرى بصماتها إلا على الأرض وعلى أجسام الضحايا، أما راهنا فيمكن ذكر بعض المعطيات والحقائق التالية:

الخلايا الاجرامية في تونس المعاصرة فكرة موروثة واقعيا عن الاستعمار الفرنسي ومستوحاة من بُناة أفكاره، ومعلوم أن الرأي العام ومنذ الخمسينات لا يعرف سوى معطيات مبتسرة عن “لجان الرعايا” و”صباط الظلام” ثم لاحقا لجان اليقظة وصولا للجان الاحياء في بداية التسعينات، كما أن بعض أشكال أخرى بقت خفية حتى عن مسؤولي النظام وأهم الفاعلين السياسيين، ذلك أنها تقوم بأدوار عبر توصيات دقيقة وشفاهية في أغلب الأحيان، وتتجاوز الاعتداءات لبرامج تلفزية محبوكة بدقة متناهية غايتها صنع رأي عام عبر التوجيه لتعبيد الطريق أمام استراتيجيات مُعدة للتنزيل أو لخدمة أجندات بعينها أو تصفية ممهنجة لخصم سياسي سواء كان فردا أو حزبا معارضا أو تأديب طرف في منظمة أو جمعية كبرى حتى لو كان مواليا…

مما لا شك فيه انه تم ارتكاب أخطاء قاتلة سنة 2011، حيث تسارعت الأحداث نتاج المهام المناطة بعهدة أهل الثورة وفاعليها، ومن بين تلك الأخطاء الكارثية هو عدم التدقيق والتغاضي عن بعض الخلايا الاجرامية وعدم متابعة خيوطها، وهو ما مكنها من المسارعة في التواري وإعادة التشكل في انتظار مآلات الاحداث، فهرب من هرب والتحق آخرون ببعض أحزاب جديدة واحتمى بعضهم بمنظمات مهنية، ومما سهل كل ذلك اعدام آلاف الوثائق يومي 15و16 جانفي 2011 وهي الوثائق المدينة لتلك الخلايا ولما مارسته طوال 23 سنة وبعضها جذوره تعود الى بداية الخمسينات تاريخ الصراع اليوسفي/البورقيبي…

ساعدت الخيبات التي مُنيت بها ثورات الربيع العربي بعض أباطرة القديمة في التفكير لبناء استراتيجيات التموقع والعودة رويدا رويدا والتمكن من مساحات الفعل السياسي والاجتماعي لبناء أرصدة مادية للتخفي وراءها، كما ساعد الاصطفاف الإقليمي المقيت لأطراف سياسية واجتماعية تونسية حصول بعض أطراف ومكونات للقديمة لتمويل أنشطتها ويبقى السؤال مطروحا هل ذهبت بعض تلك التمويلات لخلايا قذرة واجرامية محسوبة عل بعض أطراف مما لا شك وأنها تحن أو هي من مكونات “القديمة”؟ …

تناست بعض الأطراف الداعمة للدولة المدنية والحداثية معاركها الحقيقية في ضرورة العمل على تنمية المجتمع وأفراده فكريا وسياسيا وثقافيا ضد التطرف والانحراف واستحضرت معارك سابقة لها تجاوزها الزمن وأصبح المجتمع نفسه يدافع عن نفسه تجاهها، وتم توظيف المعارك ضد الإرهاب والإرهابيين الى أجندات لتسجيل نقاط ضد الخصوم السياسيين، وتم تناسي آثار فعل الجلادين كل الجلادين الذين بنوا أسوارا ثقافية ومعنوية وبشرية لتوظيف للإجرام بكل أنواعه (دعارة – مخدرات- تهريب – لصوصية)، وكل ما سبق يُمكن تلخصيه في أن المجتمع المدني لم يردم الهوة بين المنظومة القديمة وبين تغلغلها في مستنقعات الجريمة وتوظيفها وإمكانية قدرتها على العودة الى تلك المربعات وتوظيفها في قت لاحق…

مثلت خيبة نتائج انتخابات 2019 بشُقيها الرئاسي والتشريعي، ضربة قاصمة ونحرا شبه كُلّي للأطراف التي تمتلك توجيه تلك الخلايا السابقة وتحريكها في الوقت المناسب والاستفادة من قيامها ببعض تحركات وافعال لخدمة أجندات وتوجيهها في اتجاهات بعينها، ولكن ذلك لا يعني أنه لم تبق لها مساحات فالخسارة القاسية والمُهينة حثتها على استنفار ما بقي لها والبحث عن مخططات تكتيكية واستراتيجية لإسقاط منظومة 2019 ومن ثم العودة للإجهاز على ثورة الكرامة والحرية …

*** التساؤلات المشروعة؟

ان تسليط النقاط سالفة الذكر أعلاه، على كيفية فهم وتتبع أثر تلك الخلايا تاريخيا وخلال العقود والسنوات الماضية، فان ما حدث خلال الأيام والأسابيع الماضية، يطرح أسئلة موضوعية على غرار ما الرابط بين تعدد الحرائق سنتي الانتخابات أي 2014 و2019 (وهو ما تثبته الاحصائيات الرسمية واخبار وكالة الأنباء الرسمية “وات” وتقارير إعلامية ورصدية واستقصائية)، وبين تعدد العمليات الاجرامية اثناء وبعد انفراج أي أزمة سياسية أو اجتماعية أو بداية مرحلة فعل أو نشاط حكومة جديدة أو عند تطور النشاط السياسي والبرامجي لأي من الأطراف السياسية لمنظومة الثورة (التيار – ائتلاف الكرامة – حركة الشعب – حركة النهضة – الحزب الجمهوري…الخ)، كل ذلك يجعلنا أمام تساؤلات مشروعة على غرار: ما سر التنافي والتناوب بين العمليات الإرهابية الجبانة وبين تتالي الجرائم ووقائعها في سعي محموم لإرباك الدولة والمجتمع؟، بحيث اذا ما غاب الإرهاب حضرت الجرائم والحرائق والتخريبات (المبيتات – السدود – الغابات – النساء – الأطفال)، ثم أليس هناك خيط ناظم بين كل تلك الأحداث؟، وألا يعني ذلك أنه كلما أحست مكونات المنظومة القديمة والمتضررين من الثورة والإصلاح ومحاربة الفساد إلا وتحركت أدواتها هنا وهناك وإن بتصرف موضوعي يوحي وكأنها أحداث معزولة أو هي نتاج طبيعي وابن بكر للفعل السياسي والاجتماعي؟، وهل هناك رابط موضوعي بين التطورات الإقليمية في اتجاهات بعينها وبين فعل هذه المنظومة؟

** في الرابط الموضوعي بين المنظومة القديمة والجرائم القذرة

مما لا شك أن العاجز هو فقط من يلجأ للغة العنف بنوعيه “اللفظي” و”المادي”، وتاريخيا مثل عجز “الحزب الدستوري الجديد” على مقارعة أخوة الأمس من اليوسفيين وأعضاء “الدستوري القديم” عبر المحاججة، وخاصة بعد اجتماعات بن يوسف في “ملعب الشاذلي زويتن” و”جامع الزيتونة” و”ساحة جامع عقبة” (في القيروان)، إلى توخي القذارات والتصفيات والملاحقات وجاء ذلك بعد غياب رموز الحركة الوطنية في منتصف الخمسينات بأدوات المستعمر الفرنسي وبأدواته الداخلية، وكما هو معلوم نُصبت المشانق لليوسفيين عشية الاستقلال، في ما أكملت “لجان الرعايا” المهمة لتمارس أبشع أنواع الترهيب والقهر والعسف في حق العائلات والاقارب والأنصار المحتملين لــــ”تيار الأمانة العامة”، والكارثة أن تلك التجربة استنسخت ليتم نقلها لاحقا لمطاردة رموز اليسار الماركسي والبعثي ولمطاردة التنظيمات القومية العربية بمختلف تياراتها، وتم كل ذلك في ظل عجز النظام يومها على مقارعة خصومه فكريا وسياسيا باستثناء ما سمي بالكتب البيضاء وأدوات الدولة ووسائل إعلامها والتي تم فيها تغييب المعارضين للنظام وسياساته بل وتم خنق أنفاس المجتمع، أما خلال حقبة الرئيس المخلوع، فقد واصل هذا الأخير أيضا نفس المنهج ولكنه عدّد الأجهزة القمعية وابتكر الأساليب وليورد نماذج أنظمة القمع في أمريكا اللاتينية ونماذج الأنظمة العربية على غرار سوريا ومصر واليمن الجنوبي وايران الشاه وخلق أجهزة قمعية غير رسمية بل وترتبط به مباشرة، وصرف مئات الملايين من قوت التونسيين لتصفية خصومه من الإسلاميين واليساريين والعروبيين والليبراليين، حتى أنه نُقل في أحد الروايات أن مدير الأمن في بداية التسعينات “محمد علي القنزوعي” خصص (مثال للذكر لا الحصر) مبلغا يُقارب نصف مليون دينار تونسي لرصد حركات وسكنات راشد الغنوشي في السودان سنتي 1991و1992، وبدون الغوص في التفاصيل أكثر فان النظام أسس عمليا لمنطق الاجرام والتصفية والارباك ( حرق سوق المنصف باي – حرق مقر دار الانوار…)، وتصفية حتى الجدليين من أبناء النظام والحزب الحاكم (تصفية شقيق المخلوع في منتصف التسعينات – موت المحامي الصالحي – الموت الغامض لمضيفة الطيران المرافقة للعائلة – موت أحدى الاذاعيات – كاتب عام لجنة تنسيق بن عروس- مقتل الدبلوماسي “علي السعيدي”- شُبهة تورط بعض المحسوبين على النظام في عمليتي الغريبة وسليمان …الخ)، وكل ذلك كانت له ترتباته الموضوعية عندما سقط النظام وفر المخلوع مذعورا، حيث بقيت في تونس أجهزة غير رسمية ولها لوجستيك مادي وامتداد جغرافي في مدن الداخل، بل وبقيت قيادات قريبة من النظام بعيدة عن الأضواء وتمتلك أدوات الفعل والاختراق والقدرة على مسايرة الاحداث وبعضهم فر للخارج وأصبح لاحقا سندا جاهزا لتحريك أنصاره والمقربين منه، خاصة وان أولئك القذرين يمتلكون علاقات لوجستية في بعض العواصم العربية والدولية، ولا يمكن تغييب أن “بن علي” قد قال في احدى جلساته الخصة سنة 1988 انه “لا يعمل بعيدا عن الأضواء الا مع القذرين ومن لا رجولة لهم أي مع الذين هم مستعدين ان ينفذوا كل الأوامر وبدون التفكير في قولا لا…”، وهو قول له معانيه واسراره وترتباته ويعني الكثير ويُفسر كثيرا من الغموض في ما وقع ويقع اليوم في تونس من ارباكات واختراقات…

*** كيف وظفت “القديمة” أدوراتها القذرة في الأحداث الأخيرة؟

لا يختلف اثنان في أن “القديمة” قد خسرت الكثير خلال السنوات العشر الماضية، وأن الثورة قد صمدت صمودا عجيبا رغم كل المؤامرات والاستراتيجيات التي حُبكت واديرت ضدها في غرف محلية وإقليمية ودولية، كما لا يختلف اثنان في أن “التجمع” المنحل وتوابعه مثلوا العمود الفقري لطموحات “القديمة”، حيث كان عمودا فقريا لطموحها وللبحث عن للعودة من بعيد، ومعلوم أن المرحوم والرئيس السابق الباجي قائد السبسي قد قال بين سنتي 2012و2014 في أكثر من مناسبة في اجتماعات نداء تونس” نحن الفترينة والتجمع هو الماكينة”، وبعد ذلك ومنذ بداية 2015 بدأت عملية تفكّك النداء، وعرفت القديمة لاحقا تفككا وتخبطا وخاصة بعد ماي 2018 أي عند خسارتها الكبرى وعبر كل واجهاتها في بلديات 2018 وليقيم يوسف الشاهد بناء على ركامها حزبا جديدا سماه “تحيا تونس”، وتعمقت أزمة تلك المنظومة في انتخابات وتشريعيات 2019 بشقيها الرئاسي والتشريعي، والراصد الدقيق يمكنه له الجزم أنها شرعت مبكرا في استنفار أدواتها وأدوارها بل ان ماكيناتها تحركت حتى قبل ان يبدأ “الحبيب الجملي” مشاوراته لتشكيل الحكومة (نوفمبر 2019)، كما أن بعض مكوناتها قد قامت بأشكال مختلفة بتقييمات سريعة واستحضار مقولاتها ولتدخل في هستيريا ردود أغلبها صامت، إضافة الى خطوات مُتعددة وفي كل الاتجاهات، ولكن تراتبية الأحداث خذلتها فاستنجدت موضوعيا بما بقي لها من لوجستيك وارتباطات سياسية، ولكن ذلك كان مجرد احتياطات مرحلية لامتصاص الهزيمة والتشتت والارتباك الحاصل بعد نتائج 06 أكتوبر 2019 ، بل أنها اعتمدت استراتيجيا تفريق الجهود بين مُناصرين لـــ”عبير” وحزبها وآخرين متمايزين عنهما من حيث الظهور والاصطفاف المباشر معهما، وبالتوازي مع ذلك توضحت ارهاصات تحرك بعض فاعلين تابعين لها أو دائرين في فلكها، وكل ذلك من خلال بعض أحداث ولكنها كانت غير مرئية وغير واضحة المعالم نتاج تسليط الأضواء على فعل “عبير” وولولتها وهرجها المفضوح هي وأعضاء كتلتها في مجلس النواب، ولكن أيضا نتاج طغيان وهاجس “الكورونا” وما ترتبت عنه كوباء وخاصة على المجتمع والدولة، إلا ان الجميع لاحظ تعدد الحرائق بشكل مهول وتنامي الجريمة في وسط المجتمع وفي كل الجهات التي للدستوري الحر والقديمة حضور فيها، وهو ما يعني أن هناك خيوط ناظمة لفعل غير بسيط ومُرتب على تطورات الأحداث في ليبيا والدليل ان الجريمة المنظمة والحرائق زادت وتيرتها بعد فشل تحركي 01 جوان و14 جوان وهزيمة الجنرال حفتر المدوية في الغرب الليبي (ووصولا الى سيطرة قوات “بركان الغضب” المعادية له على قاعدة الوطية وخسارته الكبرى في “ترهونة” أي معقله الرئيسي في كل المنطقة الغربية)، وهو ما يعني أن سندا إقليميا للمنظومة المعادية للثورة التونسية في الداخل والخارج، وكل ذلك يعني سقوط لخطة إقليمية هدفها الرئيسي ولافتتها الكبرى أن لا يحتفل التونسيون والليبيون بالذكرى العاشرة لثورتي 14 جانفي و17 فبراير…

وبغض النظر عن التباينات التي حصلت اثناء وبعد تشكيل حكومة “المشيشي” وطبيعة الأطراف المساندة لها والمعارضة لها، فإن المتتبع للفعل السياسي للدستوري الحر وزعيمته وللمواقف المتناثرة لمواقف مكونات القديمة وروافدها فإنه يمكن التأكيد أنهم يلعبون أدوارا مزدوجة وان كانت “عبير” تنظم تحالفات أخرى بعيدة عن الأضواء من أجل اهداف ومرام أخرى، في نفس الوقت الذي تتحرك فيه روافد القديمة لتقوم أدواتها القذرة بالتخريب وتحريك مقومات الإرهاب والاجرام والتهريب وكل ما من شأنه الاستناد للقذارات والمؤامرات، والتي لا نشك في أن عمليات مثل الاعتداء على أحد النواب أو ما حصل مع الناشط والمحلل السياسي “الحبيب بوعجيلة” اثناء إيقافه غير المبرر وامام مركز أمني في ولاية صفاقس أو تنامي الجريمة أو تعدد جرائم القتل والاغتصاب، في أنها سياق مرحلي آلية في خطة لطرف فقد الكثير في الساحة التونسية، ومقابل ذلك نعتقد جازمين أنه له دعم لوجستي ومادي غير مسبوق من الخارج مقابل وجود دعم داخلي متعدد وخفي لمسح أي اثر تتركه بصمات خلاياه القذرة المحركة للجريمة، وأن “القديمة” كمنظومة قد وزعت الأدوار في ما تقوم أطراف (بما تعنيه اللفظة من معان) بأدوار وظيفية لها – أي للقديمة- وان اعتقدت انها أي “القديمة ومكوناتها المتناثرة” هي التي تقوم بأدوار خفية لها وهو عين الغباء ولو كان طرفا رسميا، ولعل أكبر دال على ذلك تلك الطريقة التي ردت بها بعض أطراف في “القديمة” على الاحتفاء الكبير وغير المسبوق في الشبكات الاجتماعية تونسيا وعربيا بالمرحومة المناضلة “حليمة معالج” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى