رأي

تونس: فرصة لولادة محكمة دستورية تمنع تفرُّد سعيّد

بقلم: آدم يوسف

في محاولة لتجاوز عقبة انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية في تونس، والسماح لهذه المحكمة ببدء عملها، حدّد البرلمان التونسي جلسةً لتعديل قانونها، وأعلنت الجبهة البرلمانية الداعمة للحكومة (“النهضة” و”قلب تونس” و”ائتلاف الكرامة” و”المستقبل” ومستقلون) أولوية إرساء المحكمة مع بداية السنة البرلمانية الجديدة، لتلافي الخلافات الدستورية التي تعيشها البلاد، وقطع الطريق أمام احتكار الرئيس التونسي قيس سعيّد تأويل الدستور. وقرّر مكتب مجلس النواب عقد جلسة عامة أيام 6 و7 و8 أكتوبر/تشرين الأول المقبل، لعرض مشروعي قانونين متعلقين بتنقيح وإتمام القانون الأساسي المتعلّق بالمحكمة الدستوريّة. وأكد عضو مكتب المجلس، ومساعد رئيس البرلمان المكلف بالعلاقة مع الحكومة ورئاسة الجمهورية، عبد اللطيف العلوي، في تصريح لـ”العربي الجديد”، أن “القانون الأول يتعلق بتنقيح فصلين، بما يسمح بخفض الأغلبية المطلوبة للمصادقة على أعضاء المحكمة الدستورية من 145 صوتاً، أي الثلثين، إلى 109 أصوات كأغلبية مطلقة لأن الحصول على أغلبية 145 أصبح مستحيلا، ولو بعد 20 عاماً”.

ولفت العلوي إلى أن التنقيح الثاني يقوم على حذف كلمة “تباعاً”، والذي يلزم رئاسة الجمهورية والمجلس الأعلى للقضاء بانتظار مجلس النواب لانتخاب 4 أعضاء، ليشرعا في تعيين 4 أعضاء لكل جهة منهما، حتى تكتمل تركيبة المحكمة المؤلفة من 12 عضواً”.

وتابع العلوي: “بما أن مجلس النواب فشل في الانتخاب طيلة الدورة الماضي، ولم يتم انتخاب سوى عضو واحد من أصل 4 بعد تحايل حزب نداء تونس بتمرير مرشحته (القاضية روضة الورسيغني)، ثم رفض التصويت لبقية القائمة، فمع إلغاء عبارة تباعاً، وحتى في حالة فشل مجلس النواب مرة أخرى في انتخاب بقية الأعضاء، سيتمكن المجلس الأعلى للقضاء ورئيس الجمهورية من تعيين بقية الأعضاء الثمانية”. وأوضح أنه “في هذه الحالة، يمكن للمحكمة الدستورية أن تنعقد بأغلبية أعضائها، وتشرع في العمل في وجود النصاب بـ8 أعضاء”.

ولفت العلوي إلى أن “المحكمة الدستورية ليست أولوية الجبهة البرلمانية الجديدة، فقط بل هي على رأس أولويات تونس”، مشدداً على أنها “ستضمن
الاستقرار السياسي والدستوري في البلاد”. واستنكر في هذا الإطار، تعليقات الأطراف السياسية التي أصبحت تشتم “الجبهة البرلمانية” لتمسكها بأولوية إرساء المحكمة، بتهمة “مواجهة الرئيس”، وكأن للرئيس “مشكلة مع استحداث المحكمة الدستورية”.

واعتبر أنه “إذا ما كان للرئيس حقاً مشكلة مع إرساء المحكمة، فهو المخطئ وليس نحن”، على حدّ قوله.
وشدّد عضو مكتب المجلس، على أن المحكمة الدستورية “استحقاق دستوري لحماية واستكمال هندسة النظام السياسي في تونس”، مذكّراً بمحطات مرّت بها البلاد، كانت في أمسّ الحاجة فيها لوجود المحكمة الدستورية، وذلك تحديداً خلال عملية انتقال السلطة عند وفاة الرئيس السابق الباجي قائد السبسي، وعند معاينة الشغور المؤقت أو الدائم قبلها.

وقال محذراً إنه “لولا لطف الله بتونس، لانزلقنا كما حدث في دول أخرى”.

وذكّر العلوي أيضاً في هذا الإطار، بأنه عند “تمرير البرلمان لائحةً لسحب الثقة من رئيس الحكومة السابق إلياس الفخفاخ، حصلت عملية تحايل بتدخل رئاسة الجمهورية، التي فرضت على الفخفاخ الاستقالة، والتي جاءت بعد لائحة سحب الثقة”، معتبراً أنه “لو كان مجلس النواب تشبث بحقه في سحب الثقة، بينما تشبثت الرئاسة بالاستقالة، لكان السيناريو أن نكون أمام حكومتين، واحدة من الحزب الأول الأغلبي في البرلمان، وثانية بتكليف من رئيس الجمهورية، ما أدى إلى حالة انقسام في السلطة شديد الخطورة”. ولفت عضو مكتب البرلمان كذلك إلى الكثير من المحطات الأخرى، التي قال إن “رئيس الجمهورية استأثر فيها بتأويل الدستور، من دون أي شرعية ولا أي سند للقيام بذلك، بل هو أمر معروف أنه فُرض بحكم القوة”. واستنكر تغير المواقف “بعدما كان الجميع يهاجم البرلمان ويطالب بالمحكمة الدستورية”، إذ “أصبحوا اليوم منزعجين من تحالف الجبهة البرلمانية الجديدة التي يمكن أن تنجح في مهمتها هذه”.

في السياق، أكد رئيس كتلة “قلب تونس” البرلمانية، أسامة الخليفي، أن إرساء المحكمة الدستورية يعتبر على رأس أولويات كتلته خلال السنة البرلمانية الجديدة. وأوضح الخليفي، في تصريح صحافي، أن حزبه يسعى لإرساء هذه المحكمة من أجل ”المصالحة مع رئيس الجمهورية والحدّ من التجاذبات السياسية”، معتبراً أنه من ”غير المعقول أن يبقى تأويل الدستور حكراً على طرفٍ وحيد، وهو رئيس الجمهورية، ما يخلق العديد من التجاذبات”.

وينص الدستور التونسي على ضرورة تشكيل المحكمة الدستورية في أجل أقصاه عام بعد الانتخابات التشريعية التي أجريت في العام 2014، غير أن الكتل البرلمانية لم تتمكن حتى اليوم من انتخاب سوى عضوٍ واحد فيها، وهي القاضية روضة الورسيغني، وذلك في مارس/آذار 2014، من بين 4 أعضاء
وفشل مجلس النواب منذ الولاية الماضية (2014-2019) في انتخاب بقية أعضاء المحكمة، بعدما عقد دون جدوى، 6 دورات انتخابية، وأعاد فتح باب الترشيح في ثلاث مناسبات، وذلك بسبب الخلافات بين الكتل والأحزاب حول نزاهة المرشحين وحيادهم واستقلاليتهم. وتواصل فشل البرلمان بتركيبته الحالية التي أفرزتها انتخابات 2019 في عقد جلسة عامة لمواصلة اختيار 3 من أصل 4 أعضاء في المحكمة الدستورية، بسبب اعتصام وتعطيل كتلة الحزب “الدستوري الحر” من جهة، وغياب التوافق بين الكتل من جهة أخرى حول 7 مرشحين، منهم 5 من المختصين في القانون، واثنان من غير ذلك.

ورشحت كتلة “النهضة” محمد بوزغيبة عن غير المختصين في القانون، وهو جامعي مختص في العلوم الشرعية. أما “الكتلة الديمقراطية”، فقد رشحت نور الدين الغزواني ومحمد قطاطة عن غير المختصين بالقانون، فيما قدمت كتلة “قلب تونس” اسمي نور الدين الغزواني، ومحمد العادل كعنيش الذي يعد بدوره مرشحاً لكتلة “المستقبل”. ورشح “ائتلاف الكرامة” جلال الدين العلوش عن غير المختصين في القانون، فيما قدّمت كتلة “الإصلاح الوطني” عبد الجليل البوراوي ونور الدين الغزواني عن مجموعة المختصين. وطرحت كتلة “تحيا تونس” اسمي عز الدين العرفاوي ونور الدين الغزواني عن المختصين في القانون. والأخير يعد أيضاً مرشح “الكتلة الوطنية”.

ولطالما وعد رئيس البرلمان التونسي، زعيم “النهضة” راشد الغنوشي، منذ توليه رئاسة مجلس النواب، بإتمام عملية انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية. وقال في أول جلسة عامة ترأسها في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، إن “من أولويات عملنا النيابي استكمال انتخاب الهيئات الدستورية، وفي مقدمتها المحكمة الدستورية، التي ألتزم كرئيسٍ ببذل أقصى جهودنا لتركيزها في أقرب وقت ممكن”.

وتعليقاً على عدم اكتمال نصاب المحكمة بعد، وأسباب تعطل ذلك، اعتبر المحلل السياسي عبد المنعم المؤدب، أن عملية المسارعة بتعديل القانون وانتخاب المحكمة الدستورية “لا يمكن فصلها عن سياق تنازع الصلاحيات والاختصاصات بين البرلمان ورئاسة الجمهورية”، مضيفاً أن ورقة المحكمة “هي إحدى أوراق الحرب الباردة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، والتي يسعى الطرفان لضمان موطئ قدم في تركيبتها، لكسب مجال أوسع في تأويل الدستور”.

وحول تزايد حظوظ إرساء المحكمة الدستورية في ظلّ التحالف الجديد الذي يناهز 120 نائباً، رأى المؤدب في حديثه لـ”العربي الجديد”، أن الجبهة البرلمانية الجديدة المتكونة من “النهضة” و”قلب تونس” و”ائتلاف الكرامة” وبعض المستقلين، ليس بتحالف جديد، وذلك بالعودة إلى عملية انتخاب (رئيس “النهضة”) راشد الغنوشي رئيساً للبرلمان، وعند إسقاط لائحة سحب الثقة منه، وعند تحالف طرح لائحة سحب الثقة من حكومة الفخفاخ، بما يعكس أن هذا التحالف قديم متجدد، وكان ينتظر الحبكة المناسبة لإضفاء تماسك أكبر بين مكوناته.

لكن المحلل السياسي رجّح صعوبة انتخاب أعضاء المحكمة الدستوريّة حتى بعد النزول بالأغلبية المطلوبة إلى 109، لاعتبار أن هذا الإشكال “على خطورته لا يمكن حلّه بالمغالبة أو بالمرور بالقوة في ظلّ رفض بقية مكونات البرلمان”.

ولفت المؤدب إلى أن وجود رفض من قبل مكونات المجتمع المدني والخبراء أيضاً، للنزول بالأغلبية من الثلثين إلى 109 في هذه المؤسسة الدستورية، التي تعد في أعلى هرم المؤسسات الدستورية، وذلك خشية المسّ باستقلاليتها وكفاءتها ونزاهة أعضائها، من خلال تمرير مرشحين بغياب توافق وإجماع الثلثين، والذي يعد ضمانة لعدم انتماء أي مرشح لأي مكون سياسي من مكونات البرلمان. وشدّد المحلل السياسي، كذلك، على وجود “خشية من الإخلال بمبدأ المساواة والتوازي بين المحكمة الدستورية وبقية الهيئات، ففي وقت تم انتخاب أعضاء هيئة الانتخابات بـ145 صوتاً مثلاً، يتم النزول بالمحكمة الدستورية إلى 109، كما أن البرلمان انتخب عضواً (للمحكمة) بأغلبية الثلثين، فلماذا ستعامل بشكل مختلف مع بقية الأعضاء؟ وهل سيكون هذا العضو مميزاً عن أقرانه؟”.

المصدر : العربي الجديد ___ 21 سبتمبر 2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى