تحاليل

البُعد السياسي لمشروع “عيش تونسي” وعلاقته بالأجندات الإقليمية والدولية (3من3)

 أبو رسلان

             ما هي حقيقة “وثيقة التوانسة”، في ظل الجدل الدائر حولها وحول أنشطة جمعية “عيش تونسي” وأساليبها وآليات عملها، وما علاقة ذلك بطموحات رئيسة الجمعية “ألفة التراس” خلال الاستحقاقات الانتخابية القادمة بنسختيها الرئاسية والتشريعية؟

كل هذه الأسئلة هي مدار الجزء الثالث والأخير من هذه الدراسة الرصدية والتحليلية بعد أن بينا في الحلقتين الأولى والثانية، هوية جمعية “عيش تونسي” وأوجه الشبه بينها وبين “حركة الجمهورية إلى الأمام” الفرنسية، ومقاربة حول علاقة الجمعية بالأجندات الإقليمية والدولية[1]

 ++ خامسا – وثيقة توانسة أو سياسة تبني الشعبوية الجديدة

أ- أطلقت الجمعية كما هو معلوم عدد من الدعوات والمناشدات للتوقيع على نصّ متكوّن من 12 نقطة تحت مسمّى “وثيقة التوانسة”، وهو النص الذي وسمه الإعلامي وعضو نقابة الصحافيين محمد اليوسفي بأنه محرر بأسلوب شعبوي ركيك، مضيفا أنه “يتضمن شعارات فضفاضة وكلام منمّق يدغدغ مشاعر المواطنين الذين يعتبرون أن الأحزاب السياسية قد خذلتهم، كما أن نص الوثيقة لا يتضمن أي إجابات عقلانية واستشرافية لكبرى القضايا الحارقة والإشكاليات الواخزة التي تهمّ مستقبل التجربة الديمقراطية خصوصًا على المستويين الاجتماعي والاقتصادي”[2]، وقد تم في بداية الشهر الحالي وأساسا مع بداية شهر رمضان، إطلاق حملة إعلامية في كل وسائل الإعلام (صحف يومية- مواقع – إذاعات وقنوات عمومية وخاصة)، كما تم توظيف ما يسمى بالذباب الالكتروني وخاصة بعد رد فعل بعض النخب التي انتبهت لخطورة ما تقوم به الجمعية من توظيف ومغالطة، والأغرب من كل ذلك  هو دخول ممثلين وفنانين وتقديمهم دعاية وشرح وتفسير للوثيقة وكأنهم مستوعبين لحقيقة الوثيقة ومراميها المستقبلية ولم يتم إعلام الرأي العام، هل تلك الوجوه الفنية والإعلامية وحتى الرياضية مقتنعة بالمضمون أم أن بعضهم قد قدم ذلك بناء على مقابل مادي واستغلال ظهوره التلفزي في أوقات الذروة لمزيد الإشهار لأنفسهم كمشاهير، مع أنه تم تغييب واضح لأخلاقيات المهنة الصحفية عبر حملة انتخابية غير معلنة وسابقة لآوانها…

ب-  طبعا يذكر كل التونسيين ما فعله “سليم الرياحي” بين سنتي 2011 و2014 وما عمد إليه من أساليب ومناهج أقرب للبروباغندا السياسوية المبتدعة في تونس والتي عرفها الرأي العام تحت مُسمى حزب وحملة “توا”، والتي كان من نتائجها النهائية حصوله على 16 مقعدا نيابيا مع التذكير وأن نوابه تركوه وتركوا حزبه “الوطني الحر” في آخر المطاف، حتى أنهم تفرقوا بين بقية الأحزاب بينما هو مقابل كل ذلك لم يستثمر أمواله المفترض وجودها في أي مشروع في تونس على عكس دعايته أنه سيستثمر في سليانة والقصرين والكاف وفي كل البلاد ….

ت- أكد مسؤولي الجمعية للرأي العام التونسي، أنّهم قد استشاروا حوالي 400 ألف مواطن ومواطنة وذلك عبر المكالمات الهاتفية وعبر أساليب المخاتلة والمخادعة السياسية وعبر توظيف إمكانيات مالية رهيبة وقد “رصدت لهذه الأنشطة التي أصبحت توزع فيها الرحلات للخارج من فئة 5 نجوم لشخصيات من المجتمع المدني بغية استمالتها وضمان دعمها لهذا المشروع السياسي المستتر في ظلمة الليل. أموال كريهة مجهولة المصدر غابت عنها الشفافية وهي تفوح منها رائحة دعاية سياسية فجّة…”[3]

++ سادسا “عيش تونسي” والاستحقاقات الانتخابية القادمة  

أ- مما لا شك فيه أن استراتيجيا الجمعية محبوكة بطريقة ذكية وبناء على تقييمات للمشهد السياسي وبناء على فشل نماذج حزبية على غرار “آفاق تونس” أثناء تجربته في حكومتي الصيد وحكومات الشاهد الثلاث ثم بناء على تشته كحزب سياسيا وتنظيميا، كما أنه يضع في الاعتبار فشل الائتلاف المدني في بلديات ماي 2018، وبالتالي فأرقام وأنشطة الجمعية وأنشطتها منذ أشهر تضع في الاعتبار قرب الموعد الانتخابي بنسختيه التشريعية والرئاسية، وهنا تريد الجمعية أن توظف نتائج سياسيات أخرى قامت على ترذيل البرلمانيين والسياسيين والأحزاب وما يعرف أيضا بــ”السيستام”(Système) تكريسا لعقلية “الأنتي سيستام” (Antisystème)، وهو ما يعني أن “عيش تونسي” تسعى عمليا لتوظيف انعدام الثقة شعبيا واجتماعيا تجاه النخبة السياسية…

ب- الثابت أن “عيش تونسي” وغيرها من المصطفين في ركاب التوظيف والشعبوية يصطفون في مركب البحث عن تزييف الوعي ومغالطة الرأي العام لضرب منطق التفكير والثقافة والجدل والصراع مع الآخر السياسي مقابل الاعتراف به شريكا ومنافسا، من أجل بناء البلاد ومستقبلها لان هؤلاء لا يؤمنون بالثورة ولا بتحقيق أهدافها ولا استكمال مهامها بل هم وجه جديد للثورة المضادة نتاج فشل مراميها الأولى في وأد الثورة…

ت- السؤال المطروح لماذا لم تتدخل “الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري لتوضيح موقفها من حملات الإشهار السياسي التي تقوم بها جماعة “عيش تونسي”، في حين تدخلت وفي وقت متأخر مما يأتيه صاحب قناة نسمة..

ث- يعلم الجميع أن الفصل الثاني من المرسوم عدد 116 لسنة 2011 المتعلق بحرية الاتصال السمعي-البصري الذي يعرّف الإشهار السياسي بأنّه “كلّ عملية إشهار تعتمد أساليب وتقنيات التسويق التجاري الموجهة للعموم والتي تهدف إلى الترويج لشخص أو لفكرة أو لبرنامج أو لحزب أو منظمة سياسيّة بواسطة قناة إذاعية أو تلفزية حيث تخصّص للجهة المعلنة جزءًا من وقت البثّ التلفزي أو الإذاعي لتعرض فيه إعلانات تسويق سياسي بمقابل أو دون مقابل مالي من أجل استمالة أكثر من يمكن من المتلقين إلى تقبل أفكارها أو قادتها أو حزبها أو قضاياها والتأثير على سلوك واختيارات الناخبين“، ومعلوم أيضا أن نفس المرسوم في فصله الـ45 منع الإشهار السياسي في وسائل الإعلام السمعية-البصريّة….

ج- أين هي “الهيئة العليا المستقلة للانتخابات” وأين هي رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة ومجلس نواب الشعب، من كل هذا التوظيف ومما يجري؟ خاصة وأن “التراس” وغيرها وبعض المحيطين بها قد أعلنوا أنهم معنيين بالاستحقاقات الانتخابية وتبين للجميع مطامحهم السياسيّة مثل مطامح نبيل القروي وغيره …

المصدر: صحيفة الرأي العام ، العدد 110 بتاريخ 30  ماي 2019

ـــــــــــــــــــــــــ

المراجع : 

[1]  أنظر مضمون الحلقتين الأولى والثانية، الرأي العام العددين 108و109 (16و23 ماي 2019)

[2]  اليوسفي (محمد) ، “عيش تونسي عنوان جديد للتحيل السياسي” موقع “الحصري” (wwwar.espacemanager.com.) بتاريخ 14-05-2019  – بتصرف-

[3]  محمد اليوسفي مصدر سابق – بتصرف-

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى