أخبار

البُعد السياسي لمشروع “عيش تونسي” وعلاقته بالأجندات الإقليمية والدولية (2من3)

 أبو رسلان

             ما هي حقيقة الأبعاد السياسية الراهنة لجمعية “عيش تونسي”، وما هي علاقاتها   بالأجندات الإقليمية والدولية، ومن هم أعضاؤها، وما هي آفاقها المستقبلية في ظل الجدل الدائر حولها وخاصة بعد الجدل المثار من طرف النخب والشباب التونسي حول أنشطتها ومشروعها؟

كل هذه الأسئلة هي مدار الجزء الثاني من هذه الدراسة التحليلية بعد أن بينا في الحلقة الأولى هوية الجمعية وأوجه الشبه بينها وبين “حركة الجمهورية إلى الأمام الفرنسية”[1]

  • ثانيا – حول هوية أعضاء الجمعية ومسيريها

أ- لاحظ كل المتابعين لأنشطة الجمعية أنها تناور بخصوص مصادر تمويلها وهوية العديد من أعضائها، كما تتعمّد عدم نشر قانونها الأساسي ونظامها الداخلي على مواقعها الرسمية، ذلك أن أعضاء الجمعية المعلنين هم شبّان درسوا بالخارج ولهم علاقات ممتدة ووطيدة بمنظمات المجتمع المدني الأوربية حتى أن أولئك الشبان يؤكدون في تدويناتهم وتصريحاتهم أنهم تركوا أعمالهم بالخارج وعادوا ليتفرّغوا لجمعية “عيش تونسي” من أجل النهوض بتونس، وأهم الأعضاء القياديين المعلنين للجمعية هم:

  • ألفة الترّاس، وهي العضو المؤسس ورئيسة “مؤسسة رامبورغ” وقد عاشت في أنقلترا وفرنسا وعدد من الدول الأوروبية، تتمتع بالجنسية الفرنسية ومتزوجة من رجل أعمال فرنسي…
  • سليم بن حسن، رئيس الجمعية (فرنسا)…
  • صفوان الطرابلسي، مدير الدراسات (فرنسا)…
  • صدّام الجبابلي، منسق الجمعية (المانيا)…

وإضافة إلى ذلك فان بعض المقربين من “ألفة الترّاس” لهم علاقات وطيدة بأهم  الساسة الفرنسيين وأولهم زوجها قيلوم رومبورغ (Guillaume Rambourg) ومعلوم أنه كان من أهم ممولي حملة ماكرون، إضافة إلى “كمال معتوق” الذي كان من بين المستشارين المقربين من الرئيس السابق “هولاند” وهو أهم المقربين من “التراس” ويحضون عندها بثقة مطلقة…

ب- لأعضاء الجمعية قدرة كبيرة على المناورة أثناء الحوار كما لهم وقدرة على الاحتواء والالتفاف على الأسئلة، كما لهم براعات استثنائية في التعبير بالإشارة وبتقاسيم الوجه (وهي في الأصل سمات لناشطي وقياديي المحافل العالمية)

ت- أغلب الأعضاء خضعوا لدورات تكوينية في المراكز الأوروبية والأمريكية المختصة مما مكنهم من استحضار الأجوبة المعدّة سلفا بطرق نسقية ومرتبة سلفا …

  • ثالثا – نقاط استفهام على خطوات مدروسة جيدا 

أ- أكد كل المتابعين للأنشطة العلنية لجمعية “عيش تونسي” أنه تلك الأنشطة  تقوم على عملية نسخ مستوحاة من أنشطة حركة “الجمهورية إلى الأمام” (الحزب الحاكم في فرنسا)، حيث قامت باستشارة وطنية غطّت كل الولايات محاولة استهداف كلّ الشرائح الاجتماعية وبوسائل متعددة ومختلفة وأولها الاتصال المباشر وعبر أساليب واختيارات وخاصة ترغب الفئات الشبابية فيها وتحبذها على غرار نقل المباريات الرياضية العالمية المعروفة (منتخبات – فرق – رياضات خاصة ومحبذة)، وتنقل تلك المباريات على شاشات عملاقة تمّ تركيزها مثلا في كلّ من القصر الأثري بالجم والكاف ورجيم معتوق وبطحاء الملاسين وغيرها من الأماكن والأحياء المعروفة بأنها كانت مهمشة ولا زالت كذلك رغم سياسات التمييز الايجابي في سنوات ما بعد الثورة، ثم القيام بخطوات تقرب عملي من الشباب في تلك الأحياء والمدن والقرى والحديث من خلال خطابها الاتصالي على أسباب نقمتهم على الأوضاع مع الإيحاء غير المباشر أن السياسيين الحاليين هم سبب ذلك وسبب الفوضى الحالية كما يتم تغييب منهحي ومتعمد لمسؤولية 60 سنة من دولة الاستقلال على ذلك، ثم تتم محاولات كسب تعاطفهم  عبر التأكيد والقول أن الجمعية  تتكون من حيث مسؤوليها من شبّان يعبرون عن الأمل والنجاح والتطلع إلى المستقبل…

ب- غطت الاستشارة الولايات التونسية الأربع والعشرين، كما تم الحرص على أن تشمل 400.000 مواطنا وهو عدد منخرطي “حركة الجمهورية إلى الأمام” الفرنسية مما يعني المحاكاة والإيحاء…

ت- عمدت الجمعية إلى تحقيق هدف معلن وهو رصد الاخلالات وجمع الإهتمامات الشعبية والوصول إلى ما سمته وثيقة عمل، بينما غيبت أنها تنقل استراتيجيا واضحة المعالم والأهداف للوصول إلى غايات سياسية مرتبطة بالانتخابات القادمة وباستراتيجيات هي بصدد التفعيل في كل المنطقة الشمال افريقية عبر وكلاء محليين ضيقي الأفق الاستراتيجي وممولين من طرف اذرع إقليمية خادمة بطبيعتها لسياسيات قوى دولية ترغب على مدى السنوات القادمة في تكريس أنظمة عسكرية وإعادة إنتاج الاستبداد بواجهات جديدة ولغايات خفية[2]

ث- توضح من خلال توظيف إعلاميين ومثقفين وسياسات اتصالية ولقطات اشهارية تزامنت أثناء أوقات الذروة كما تم التركيز على شهر رمضان عبر توظيف خصوصيته الاجتماعية (أوقات الذروة والتركيز على وقت اجتماع العائلة في البيت كل يوم وجلوسه أفراد العائلات التونسية وأمام شاشات التلفزيون اثر الإفطار)، تمرير ما سُمّي “بوثيقة التوانسة” وطبعا تم ذلك بناء على بنك المعلومات والذي تم معالجته بواسطة برمجيات مختصة (algorithmes) تماما كان الشأن بالنسبة للاستشارة التي قامت بها “الجمهورية إلى الأمام”….[3]

ثالثا – وثيقة توانسة وخفايا ملابسات وطرق طرحها

تشتمل الوثيقة على 12 نقطة صيغت بطريقة أقرب لخطاب الشعبويين (مثل خطاب الهامشي الحامدي سنة 2011)، أي عبر شعبوية ركيكة، كما تم تغييب عددا من الأسس التي قامت عليها :

أ- يوحي عدد النقاط (12) بعدد التونسيين (12 مليون)، لذلك ترى أن أعضاء الجمعية يقولون لك: “هذه الوثيقة ليست وثيقتنا، فهي أمانة قدّمها لنا التوانسة في شكل توصيات خلال استشارتهم وأعدناها إليهم في شكل وثيقة”…

ب- الوثيقة/الورقة حُضيت بموافقة مجلس خبراء الجمعية (think tank) وقد تمّ تقديمها للعموم أي كما فعل ماكرون في مؤتمر صحفي حضره ما يزيد عن 200 صحفي بين تونسيين وأجانب وعدد كبير من رجال السياسة والاتصال والأعمال والمتابعين…[4]

ت- الإشهار المسبق والبهرج الكبير لهذا المؤتمر والذي أقيم في نزل كبير بالعاصمة يؤكد ضخامة المبالغ المالية والخطوات اللوجستية التي صُرفت وبذلت من أجل إنجاحه والترويج له لاحقا.

المصدر: صحيفة الرأي العام بتاريخ 23 ماي 2019

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

[1]  الرأي العام العدد 108 بتاريخ 16 ماي 2019

[2]  اللافي ( علي) ، لماذا تستهدف الأذرع الالكترونية للكيان الصهيوني الاستحقاقات الإفريقية القادمة؟” دورية 24/24   بتاريخ 21-05-2019

[3] مقال “الأسعد البوعزيزي” حول جمعية عيش تونسي، هامش مشار إليه في الجزء الأول

[4] نفس المصدر السابق – بتصرف-

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى