رأي

التوافق الذي أنقذ تونس.. سينقذها مرة اخرى!

في سنة 2013 ابرم الشيخان، الباجي قائد السبسي وراشد الغنوشي، توافقا، اتفقت اغلبية من الشعب التونسي على انه كان مغشوشا. مغشوش لأنه سيحقق مصلحة طرفين سياسيين دون مصلحة الشعب والدولة. وفي الحقيقة فقد كان هذا التوافق المغشوش سفينة نجاة لتونس، منع احتراب أبنائها ودخول الدولة في فوضى عارمة، لا يُعرف منتهاها. ولا شك بان هذا التوافق ان استمر سينقذ تونس مرة أخرى، بالرغم من الوعد والوعيد الذي تهدد به بعض الأطراف السياسية والنقابية.

كان بناء توافق سنة 2013، بين الشيخين، بناء بين معلوم ومجهول. المعلوم هو الرئيس الباجي قائد السبسي. هذا الرجل كان جزءا من منظومة دكتاتورية رافقت تونس منذ تأسيس الجمهورية الأولى، على يد الحبيب بورقيبة، الى حين اندلاع ثورتها في 2011. وبعد الثورة لا يمكن بأية حال اعتبار هذا الرجل ديمقراطيا، وهو الذي أسقط حكومة حمادي جبالي، بعد ان ادخل تونس في فوضى عارمة، سبقتها عمليات اغتيال سياسية مرعبة، لا يعلم الى حد الان فاعلها الأصلي. والمجهول هو راشد الغنوشي. قبل الثورة كان مطاردا ولاجئا هو وحركته، بعد ان تعرض منتسبيها الى أبشع أنواع التعذيب، ثم اتهمهم الرئيس المخلوع بن علي بممارسة الإرهاب. والثورة كانت اول ظهور لراشد الغنوشي وحركته، ظهورا لا خوف معه من الاعتقال. الا ان الرجل كان مجهولا بالنسبة للتونسيين، لا يحملون حوله سوى فكرتين، التعرض للتعذيب وممارسة الارهاب. وكان توافق المعلوم والمجهول منفّرا للكل، ولا أحد يعلم كيف التقى دكتاتور معلوم مع معذّب، ذاق الويلات، ومتهم بالإرهاب، ومجهول لأكثر من 20 سنة من التشريد!

ومبادئ هذا التوافق كانت أكثر شذوذا من بنائه، فقد عملت، هذه المبادئ، ظاهريا على تحقيق مصالح الباجي قائد السبسي ومصالح راشد الغنوشي، وللشعب ان ينال فتات ما يتبقى من المصالح، ان تحققت. الباجي قائد السبسي كان يريد انتزاع الحكم بالقوة الناعمة، لتمكين المنظومة القديمة من الاستمرار في الحكم معه ولو من وراء حجاب، ولإنقاذها من محاكمات، عادلة او غير عادلة، فنجح في كل ما أراد، أسقط حكومة منتخبة، حكومة الجبالي، نال الرئاسة، أجاز قانون المصالحة مع فسدة النظام السابق. واما راشد الغنوشي فقد تمكن من انقاذ حركته من مواجهة مع النظام السابق المدعوم من جهات اجنبية، وقد بشر هؤلاء بإجازة قتل ولو عشرين ألف من التونسيين، وهو ما عبر عنه أحد قادة نداء تونس المنسحبين منه. وقد أكد راشد الغنوشي، بعد هزيمته امام الباجي، بانه لم يعد يحكم لكنه لم يخرج من منظومة الحكم.

الا ان هذا التوافق المغشوش الذي كان لمصلحة طرفين، قد جنب تونس مخاطر عدة، وجعلها تستمر في نهجها الديمقراطي، ولو بخطى متعثرة. منح راشد الغنوشي للباجي قائد السبسي السلطة التنفيذية بما فيها، قصر قرطاج وقصر القصبة، ثم هيأ له كتلة برلمانية تعاضده ولا ترفض له طلبا.  كل هذا حد من طموح الباجي قائد السبسي، العجوز الساعي لامتلاك البلاد، ولو بالقوة، وحين ملكها طاب له المقام. وبدل خطاب المواجهة، بعد تحول النهضة الى بيت الطاعة، تحول الباجي الى ترتيب بيته الداخلي، والعائلي، تمهيدا لتوريث ابنه سلطة هذه البلاد. وكان هذا من اهم الأسباب التي منحت تونس فترة طويلة، نسبيا، من الاستقرار. وفي هذا الاستقرار تآكل النداء، بسبب صراعات اطيافه من اجل الحكم وارثه. وحينما انهار النداء سياسيا واخلاقيا، وظهر يوسف الشاهد كمنافس قوي للباجي وابنه، أعلن الباجي قائد السبسي انتهاء التوافق بينه وبين النهضة، وكأنه يعلن دخول تونس في دوامة من الفوضى كما حدث قبل سنة 2014.

لكن التوافق لم ينته كما أعلن الباجي، وانما تغيرت اطرافه، والعنصر الثابت فيه هو حركة النهضة. النهضة انهت عمليا ارتباطها بالباجي، الذي أصبح ضعيفا، وانفرط عقد النداء من حوله، وهجرته كتلته النيابية، بمعنى أخر، فان الباجي قد انتهى سياسيا. ولذلك اتجهت النهضة الى مساندة الرجل القوي في النداء، يوسف الشاهد، وساندت حكومته، على عكس ما طلب الباجي. ولا يخفى على أحد بان قوة الشاهد، ليست ذاتية، فالرجل لا تاريخ له، سياسيا ولا نضاليا، قوته ترتبط داخليا بموقف حركة النهضة منه، وخارجيا بمساندة دولا اجنبية، لها مصلحة في استقرار تونس. تغير أطراف التوافق يؤكد بأن محور السياسة الثابت في تونس هو حركة النهضة، وما حولها متغيرات، تؤثر فيها النهضة بنسب متفاوتة.

بقاء التوافق سينقذ تونس مرة أخرى. بالرغم من حلقات الفزع الذي تؤسس لها بعض الجهات في تونس، مثل الجبهة الشعبية التي وعدت بخريف ساخن جدا في تونس، واتحاد الشغل الذي وعد بإضرابين عامين بإمكانهما اسقاط تونس اقتصاديا، وهي المنهارة أصلا، فان توافق النهضة والشاهد سيمكنان من تجاوز كل هذه الدعوات الهدامة، لسبب وحيد هو ان الشعب يدرك حاليا نوايا ساسته وافعالهم، ويدرك بان لا مصلحة له في انهيار تونس. ولذلك ستدرك تونس انتخابات 2019 بسلام من كل فوضى، مع كل آلام الوضع الاقتصادي الهش.

ولنا ثقة تامة، بان تونس ستتجاوز كل عثراتها لو حققت استقرار سياسيا ولو لخمس سنوات فقط. فكل ما تعيشه تونس من أوضاع متردية في كل المجالات هو نتيجة للصراع على السلطة ولرغبة البقاء. والتوافق كان جزء من الحل.

د. محجوب احمد قاهري *

المصدر: الرأي اليوم ___ 02 اكتوبر / تشرين الاول 2018

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*– كاتب تونسي

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى